٦٨ - سألتَ عن حديثِ ابنِ عباسٍ (١) "أنَّ رجلًا أتى رَسولَ اللهِ - ﷺ - فقالَ: إِنِّي رَأيتُ ظُلَّةً (٢) تَنْطِفُ (٣) سَمْنًا وعَسَلًا، ورَأَيتُ الناسَ يَتَكَفَّفُوْنَهُ (٤) فمنهم المُسْتَكْثِرُ، ومنهم المُسْتَقِلُّ، وَرَأيتُ سَبَبًا (٥) دُلِّيَ من السماء، فَتَعَلَّقْتَ بِه، فَعَلَوْتَ، فأعلاكَ الله، ثم دُلِّيَ بَعْدَ ذلك، فَتَعَلَّقَ بِهِ رَجُلٌ، فَعَلا، فَأَعْلاهُ الله، ثم دُلِّيَ بَعْدَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهِ رَجُلٌ فَعَلَا، فَأعْلَاهُ اللهُ، ثم دُلِّيَ. فَتَعَلَّقَ بِهِ رَجلٌ، فَقُطِعَ بِه، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ، فَعَلَا، وأعْلَاهُ اللهُ، فقالَ لَهُ أبو بَكْرٍ يا رَسولَ اللهِ أعْبُرُها قال: اعْبُرْها (٦). قال أَمّا الظُّلَّةُ فالإِسلامُ، وأمّا السَّمْنُ والعَسَلُ فالقرآنُ، وأَمّا السَّبَبُ الذي دُلِّيَ لك من السَّماء، فتعلقتَ بِهِ فهو ما أَنْتَ عليهِ من الهُدَى حتى يَتَوَفَّاكَ اللهُ. وأما السبَبُ الثاني فرجُلٌ يَقُومُ مَقَامَكَ حتى يَتَوَفَّاهُ الله، وذكرَ مثلَ ذلك في الثالثِ. والرابعُ يُقْطَعُ بِه، ثُمَّ يُوْصَلُ لَهُ
_________________
(١) سبقت ترجمته.
(٢) الظلة: الظلال: والظلال ما أظلّك من سحاب ونحوه. اللسان (ظلل).
(٣) تنطف: تقطر. وفي الحديث أن رجلًا أتاه فقال: يا رسول الله رأيت ظلة تنطف سمنًا وعسلًا أي تقطر. اللسان (نطف).
(٤) يتكففونه: تكفّف الشيء طلبه بكفه وفي الحديث أن رجلًا رأى في المنام كأن ظلة تنطف عسلًا وسمنًا وكان الناس يتكففونه اللسان (كفف).
(٥) السبب: الحبل والجمع أسباب. اللسان (سبب).
(٦) عبر الرؤيا يعبُرها عبرًا وعبارة وعبّرها: فسّرها وأخبر بما يؤول إليه أمرها. اللسان (عبر).
[ ١٩٧ ]
هذا وما أَشْبَهَهُ من الكلام، فقالَ أَبُو بَكْرٍ يا رسولَ اللهِ هَلْ أَصَبْتُ؟ قال: أَصَبْتَ، وأَخْطَأْتَ قال: أقسَمت يا رسول الله لتُخْبِرَنِّي قال: "لا تُقْسِمْ"، ولم يُخْبِرْهُ" (١).
• والذي عندي في قولِهِ أَصَبْتَ، وأَخْطَأْتَ أنه أراد أصبت تَأْوِيلَ الرُّؤْيا، وأَخْطَأْتَ في بِدارِكَ (٢) إلى عِبارَتِها، وقد سُئِلْتُ عنها أنا، فإنّي كنتُ أَوْلَى بِذلكَ مِنْكَ، وقالَ اللهُ جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
يريد أَلَّا تَقُولُوا قبلَ أنْ يقولَ رسولُ الله، ولا تُجيبُوا إذا سُئِلَ، ولا تَجْهَروا له بالقَوْلِ كجَهْرِ بعضِكُمْ لبَعْضٍ أنْ تقولوا: يا محمدُ، ولكنْ قولوا يا نبيَّ اللهِ ويا رسولَ الله، وأشباهَ (٤) ذلكَ.
يُقالُ: فلانٌ يُقَدِّمُ القولَ بينَ يَدَي أبيه، وبينَ يَدَي السُّلْطانِ إذا قال قبلَ أَنْ يقولَ (٥)، وليسَ يَجوزُ أنْ يكونَ الخَطَأُ في تأويلِ الرُّؤْيا، والإِصابةُ فيه؛ لأنّ التأويلَ وَقَعَ مُوافِقًا للحالِ التي كانَ عليها رسولُ اللهِ - ﷺ -، والثلاثةُ الخلفاءِ بَعْدَهُ.
_________________
(١) رواه البخاري ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠ - ٣٨١ في التعبير، ومسلم رقم ٢٢٦٩ في الرؤيا، والترمذي رقم ٢٢٩٤ في الرؤيا، وأبو داود رقم ٤٦٣٢ في السنة، وابن ماجة ٣٩١٨ في الرؤيا، والدارمي في سننه ٢/ ١٢٨ و١٢٩ في الرؤيا، وأحمد في المسند ١/ ٢٣٦.
(٢) بدرت إلى الشيء: أسرعت. وكذلك بادرت إليه بدارًا ومبادرة: عاجلت.
(٣) الآية ١ من سورة الحجرات.
(٤) انظر تفسير القرطبي ١٦/ ٣١٠، وأسباب النزول للواحدي ص ٤٠٨.
(٥) في اللسان (قدم): وقدّم بين يديه أي تقدّم، وقوله ﷿: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله؛ أي لا تقدّموا كلامًا قبل كلامٍ.
[ ١٩٨ ]