٢٨ - سألتَ عن قول النبي - ﷺ -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردلٍ من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان" (١)؟ .
• وهذا كلامٌ خَرَجَ (٢) مَخْرَجَ الحُكْمِ يُريدُ (٣): لَيْسَ حُكْمُ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، ولا مَنْ كان في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ من كِبَرٍ أن يَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لأنَّ الكِبْرِيَاءُ للهِ - ﷿ -، ولا تَكُونُ لِغَيْرِه، فَإِذا نازَعَهَا الله - ﷿ - لم يَكُنْ حُكْمُهُ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، واللهُ - ﷿ - يفعل بَعْدَ ذَلك ما يَشاءُ (٤).
ومِثْلُ هذا مِنَ الكَلامِ قولك (٥) في دارٍ رَأَيْتَها صَغِيرَةً فَقُلْتَ: لا يَنْزِلُ هذه الدَّارَ أَمِيرٌ، تُريدُ: حُكْمُها، وحُكْمُ أَمْثالِها ألَّا يَنْزلَها الأمراءُ، وقد يجوزُ أَنْ يَنْزِلوها.
_________________
(١) رواه مسلم رقم ٩١ في الإِيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، وأبو داود رقم ٤٠٩١ في الأدب، ما جاء في الكبر، والترمذي ١٩٩٩ في البر والصلة، باب ما جاء في الكبر. وفي اللسان (ثقل): "وفي الحديث: لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذَرَّة من إيمان. المثقال في الأصل: مقدار من الوزن أيَّ شيء كان من قليل أو كثير فمعنى مثقال ذرّة أي وزن ذِرّة والخَرْدَلُ جمع خَرْدَلَة وهو ضرب من الحُرْف معروف. والحُرْف حَبٌ كالخَرْدَل".
(٢) في ط: "الكلام يخرج".
(٣) في ط: "بقوله".
(٤) في ط: "بعد ذلك يفعل ما يشاء".
(٥) قولك: ليس في ط.
[ ١٠٢ ]
ونَحْوُ هذا قَوْلُكَ (١): هذا بَلَدٌ لا يَنْزِلُهُ، حُرٌّ تُرِيْدُ لَيْسَ حُكْمُهُ أَنْ (٢) يَنْزِلَهُ الأَحْرارُ.
وكذلك قَوْلُهُ: "مَنْ صامَ الدَّهْرُ ضُيِّقَتْ عليهِ جَهَنَّمُ" (٣)؛ لأنّه رغب عن هَدِيَّة الله، وصَدَقَتِه، ولم يَعْمَلْ بِرُخْصَتِه، ويُسْرِه، والراغِبُ عن الرُّخْصَةِ كالرَّاغِبِ عن العَزْمِ (٤)، وكِلاهما مُسْتَحِقٌّ للعُقُوبَةِ (٥) إنْ عاقَبَهُ (٦) اللهُ - ﷿ -. وكذلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٧) أَيْ حُكْمُهُ أَنْ يُجازِيَهُ بذلك، والله - ﷿ - يَفْعلُ ما يَشاءُ. وهذا على حديثِ أَبي هُرَيْرَةَ (٨) عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّه قال: "مَنْ وَعَدَهُ الله على عَمَلٍ ثَوَابًا فهو مُنْجِزُهُ له ومَنْ أوْعَدَهُ (٩) على عَمَلٍ عِقابًا فهو فيه (١٠) بالخِيارِ" (١١).
_________________
(١) في ط: "قوله".
(٢) في ط: "بأن".
(٣) رواه أحمد في المسند ٤/ ٤١٤ وانظر جامع الأصول ٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٤) في ط: "العزيمة".
(٥) في ط: "يستحق العقوبة".
(٦) في ط: "عاقبهما".
(٧) الآية ٩٣ من سورة النساء، وانظر جامع الأصول ٤/ ٤٠٨ و١٠/ ٢٤٥.
(٨) أبو هريرة سبقت ترجمته.
(٩) في ط: "وعده". والأصوب: أوعده؛ لأنَّ وعد تستعمل في الخير وأوعد في الشر.
(١٠) "فقه": ليست في ط.
(١١) كنز العمال ٤/ ٢٥٥ حديث رقم ١٠٤١٦، وابن كثير الآية ٤٨ من سورة النساء فيه.
[ ١٠٣ ]