٤٩ - سألتَ عن حديثِ النبيّ - ﷺ - أنّه سُئِلَ متى تَحِلُّ لنا المَيتَةُ؟ فقال: "ما لم تَصْطَبِحوا أو تَغْتَبِقوا أو تَحْتَفِئوا بَقْلًا فَشَأْنُكم بها" (١)؟ .
• وهذا حديثٌ قد ذكرَهُ أبو عبيدٍ (٢) في كتابِهِ المُؤَلَّفِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ (٣)، ووقع فيه إغفالٌ منه، ولم أَذْكُرْهُ في كتاب إصلاحِ الغَلَطِ (٤) فيما أَرَى إلّا لأَنْظُرَ في تَبَاعَتِه، وسأبين لك إن شاء الله ما قالَ فيه، وما قلت فيه.
قال أبو عُبَيدٍ: قال الأصمعيُّ (٥): لا أعرف "تَحْتَفِئُوا (٦) " ولكن أراها "تَخْتَفُوا (٧) " أي تَقْلَعُونَهُ من الأرضِ. يقال: اختفيت الشيءَ، وخَفَيتُهُ: أَخْرَجْتُهُ،
_________________
(١) رواه أحمد في المسند ٥/ ٢١٨، والدارمي في سننه في الأضاحي ٢/ ٨٨، وانظر غريب الهروي ١/ ٥٩، والفائق ١/ ٢٩٤، وغريب ابن الجوزي ١/ ١٤٥، والنهاية ١/ ٢٧٧، ٤٤١، و٢/ ٥٦.
(٢) أبو عبيد القاسم بن سلام - تقدمت ترجمته.
(٣) انظر غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ٥٩.
(٤) كتاب إصلاح الغلط لابن قتيبة ص ٥٩.
(٥) الأصمعي: هو أبو سعيد الأصمعي: عبد الملك بن قُريب بن علي بن أصمع الباهلي: راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان. نسبته إلى جده أصمع. كان كثير التطواف في البوادي. مولده ووفاته في البصرة سنة ٢١٦ هـ. الأعلام ٤/ ١٦٢.
(٦) احتفأ الحَفَأ: اقتلعه من منبته. والحَفَأ: البردي. وقيل: هو البرديّ الأخضر ما دام في منبته وقيل: هو أصله الأبيض الرطب الذي يؤكل. اللسان (حفأ).
(٧) في اللسان (خفا): "وفي الحديث: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تختفوا بقلًا أي تظهروه. ويروى بالجيم والحاء".
[ ١٦١ ]
وسُمِّيَ النبّاشُ المُخْتَفِيَ؛ لِأَنَّهُ يستخرجُ الأكفانَ (١).
قال أبو عبيد: وسألت عنها أبا عمرٍو (٢) وأبا عبيدةَ (٣) فلم يعرفا تحتفئوا، ثم بَلَغَني عن أبي عُبَيدَةَ بَعْدُ أَنّهُ قال: من الحَفَإِ مهموز مقصور، وهو أصل البَرْدِيِّ الأبيضِ الرَّطْب، وهو يُؤْكَلُ، فتأوَّلَهُ: ما لم تَقْتَلِعوا ذلك بِعَينِه، فَتَأْكُلُوهُ (٤).
وقال الهيثمُ بن عَدِيٍّ (٥) سألتُ عنها أعرابيًّا قال: فلعله تَجْتَفِئُوا بالجيم يَعْنِي تَقْتلعُ الشَّيءَ، ثم تَرْمي به. يقال: جَفَأْتُ الرجلَ إذا صَرَعْتَهُ وضَرَبْتَ به الأَرْضَ (٦). قال: وبعضُهُمْ يَرْوِيهِ تحْتفّوا بتشديد الفاء. فإنْ يكنْ هذا محفوظًا فهو من احتَفَيتُ الشَّيءَ كما تَحفُّ المرأةُ وَجْهَهَا من الشعرِ (٧).
_________________
(١) اختفيت الشيء: استخرجه. والمختفي: النبّاش لاستخراجه أكفان الموتى. اللسان (خفا).
(٢) هو أبو عمرو الشيباني بالولاء، إسحاق بن مرار: لغوي أديب، من رمادة الكوفة. أصله من الموالي. جاور بني شيبان، وأدب بعض أولادهم، فنسب إليهم. وجمع أشعار نيف وثمانين قبيلة من العرب ودوّنها، وكان كلما عمل منها قبيلة أخرجها إلى الناس في "مجلد" وجعلها في مسجد الكوفة. وأخذ عنه جماعة كبار منهم أحمد بن حنبل. سكن بغداد ومات بها في سنة ٢٠٦ هـ. وفيات الأعيان ١/ ٢٠١، والأعلام ١/ ٢٩٦.
(٣) هو أبو عبيدة النحوي، معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري: من أئمة العلم بالأدب واللغة. استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد سنة ١٨٨ هـ، وقرأ عليه أشياء من كتبه. قال الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه. وكان إِباضيًّا، شعربيًّا، من حفّاظ الحديث. مولده ووفاته في البصرة سنة ٢٠٩ هـ. الأعلام ٧/ ٢٧٢.
(٤) انظر الحاشية رقم (٦) في الصفحة السابقة، وغريب الحديث للهروي ١/ ٥٩ - ٦٠.
(٥) هو أبو عبد الرحمن الثعلي الطائي البحتري الكوفي، الهيثم بن عَدِيّ بن عبد الرحمن: مؤرخ، عالم بالأدب والنسب. أصله من "ميخ" وإقامته وشهرته بالكوفة، اختص بمجالسة المنصور وفي سنة ٢٠٧ هـ. الأعلام ٨/ ١٠٤.
(٦) جفأ الرجلَ: صرعه، وضرب به الأرض. وجفا البقل والشجر يجفؤه جفأً واجتفأه: قلعه من أصله. قال أبو عبيد: سئل بعض الأعراب عن قوله - ﷺ -. حتى تحل لنا الميتة؟ فقال: ما لم تجتفئوا. يقال اجتفأ الشيء اقتلعه ثم رمى به. اللسان (جفأ).
(٧) انظر اللسان (حفف).
[ ١٦٢ ]
قال أبو عُبَيدٍ: وأما قولُهُ: ما لم تصطبحوا، أو تغتبقوا فإنّهُ يقول: إنّما لكم منها الصبوحُ (١) وهو الغداءُ. والغَبُوق (٢) وهو العِشاءُ، يقولُ: فليس لكم أن تَجْمَعُوْهَا في المَيتَةِ قال: ومن ذلك حديثُ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ (٣) "أنّهُ يُخْرِجُ من الاضطرارِ أو الضارورة صبوح أو غبوق" (٤) وهذا كله قولُ أبي عُبَيدٍ. وقد تَدَبَّرْت ما حكاهُ في "تحتفئوا"، فَرَأَيتُهُ غَلَطًا مِمَّنْ فَسَّرَهُ؛ لأنّهُ قال: ما لم تحتفئوا بها بقلًا.
وقال المُفَسِّرُ: هو من الحَفَأ، وهو أَصْلُ البَرْدِيِّ يُريدُ ما لم تقتلعوا ذلك بعينِه، فتأكلوه. ولو كان أرادَ ما ذهب إليه لقالَ: ما لم تحتفئوا أي ما لم تقتلعوا الحَفَأَ، ولم يقل تحتفئوا بَقْلًا، فَذِكْرُهُ للبقلِ دَليلٌ على أن المفعولَ المقلوعَ هو البقلُ.
وأما قولُ الآخرِ: ما لم تجتفئوا بالجيم يريد: تقتلعواه ثم ترموا به من قولك: جَفَأْتُ الرجلَ إذا صرعتَهُ، وضربتَ به الأرضَ. جفأت ليس من قلعت في شيء، إنما هو ضربت بالشيء الأرض، ولم يكونوا يَقْلَعونَ البَقْلَ ليضربوا به الأرضَ
_________________
(١) الصبوح: ما أكلَ أو شرب غدْوة، وهو خلاف الغبوق. وفي حديث الميتة: معناه إنما لكم منها الصبوح، وهو الغداء، والغبوق، وهو العشاء يقول: فليس لكم أن تجمعوها من الميتة. وقال غير أبي عبيد: معناه لما سئل متى تحل لنا الميتة؟ أجابهم فقال: إذا لم تجدوا من اللبن صبوحًا تتبلغون به، ولا غبوقًا تجتزئون به، ولم تجدوا مع عدمكم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها، ويَهْجَأْ غرثكم حلت لكم الميتة حينئذ. وكذلك الرجل إذا وجد غداء أو عشاء من الطعام لم تحل له الميتة. اللسان (صبح).
(٢) الغبوق: شرب آخر النهار مقابل الصبوح. وفي الحديث: ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا، وهو تفتعلوا من الغبوق. اللسان (غبق).
(٣) هو سَمُرَةُ بن جُنْدَب بن هلال الفزاري: صحابي، من الشجعان القادة. نشأ في المدينة. ونزل بالبصرة، مات بالكوفة وقيل بالبصرة في سنة ٦٠ هـ. الإِصابة ترجمة رقم ٣٤٦٨، والأعلام ٣/ ١٣٩.
(٤) في اللسان (ضرر): "وفي حديث سمرة: يجزي من الضارورة صبوح أو غبوق. الضارورة: لغة في الضرورة أي إنما يحل للمضطر من الميتة أن يأكل منها ما يسد الرمق غداء أو عشاءة وليس له أن يجمع بينهما".
[ ١٦٣ ]
إنّما كانوا يقلعونه ليأكلوه، وكذلك تحتفّوا ليس له وجهٌ لأنّ حفاف الوجه أن يُجعلَ له حفافان، أو حفافٌ من الشعر بأن يؤخذ ما تحته من الزَّغَب، وقصار الشعر (١). ولا وَجْهَ للحرف إلّا ما قال الأصمعي: ما لم تحتفوا بها أي تستخرجونَهُ (٢) بأصولِهِ.
وأما قولُ أبي عُبَيدٍ: ما لم تصطبحوا، أو تغتبقوا إنه يقول: إنّما لكم من الميتة الصَّبُوحُ، وهو الغداءُ، أو الغَبُوق، وهو العشاءُ، فليس لكم أنْ تجمعوهما من الميتة، فإنّ هذا ليس يُشكلُ لما سألوه عنه؛ لأنّهم قالوا له: متى تحل لنا الميتة؟ فكيف يُجيبُهم بأن يقول: ليس لكم أن تجمعوا الصَّبُوحَ والغَبُوقَ من المَيتَة، وإنّما هو جَوابٌ لقولهِمْ لو قالوا: هل يَحلُّ لنا أن نَأْكُلَ في يومٍ مرتينِ من المَيتَة.
والذين عندي أَنّهم سألوه متى تحل لنا الميتة؟ فقال لهم: ما لم تصيبوا غداء، وهو الصبوح، أو عشاء، وهو الغبوق، أو تُصيبُوا بَقْلًا تَسْتخرجونَهُ من الأرضِ لتأكلوه، فإذا لم تجدوا هذه الأشياء حلَّتْ لكم الميتةُ.
_________________
(١) انظر اللسان (حفف).
(٢) في الأصل: "تستخرجوه".
[ ١٦٤ ]