٧٩ - سألتَ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾ (١) وقلتَ: أمَا في قولِهِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ما أغْنَى عن قولِهِ: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ لأنّ النساءَ يَدْخُلْنَ في القومِ. يُقالُ: هؤلاء قومُ فلانٍ للرجالِ والنساءِ من عَشِيرَتِهِ؟ .
• والذي عندي أنَّ أصْلَ القومِ للرِّجالِ دونَ النِّساء، ثم يُخالِطُهُم النساءُ، فَيُقالُ: هؤلاءِ قومُ فلانٍ. ولا يجوزُ أن تقولَ للنساءِ ليس فيهنّ رَجُل، هؤلاءِ قومُ فلانٍ، ولكن تَقُولُ: مِنْ قومِهِ لأنَّ قومَهُ رجالٌ والنساءُ مِنْهُمْ. وَيَرَى أهلُ النظرِ أنّهُ قِيلَ للرجال، قومٌ أُريدَ به جَماعَةُ قائم (٢) كما يُقالُ:
_________________
(١) سورة الحجرات الآية ١١.
(٢) في اللسان (قوم): "القوم: الجماعة من الرجال والنساء جميعًا، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء، ويقوي ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾ أي رجال من رجال ولا نساء من نساء فلو كانت النساء من القوم لم يقل ولا نساء من نساء، وكذلك قول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أو نساء وروي عن أبي العباس: النفر والقوم والرهط هؤلاء معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء. الجوهري: القوم الرجال دون النساء لا واحد له من لفظه وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع. =
[ ٢٢٨ ]
زائرٌ وزَوْرٌ (١) وصائِمٌ وصَوْمٌ (٢) ونائِمٌ ونَوْمٌ (٣)، وسُمُّوا قَوْمًا لأنّهم يَقومونَ معه في النوائب، وعندَ الشدائد، وَينْصُرونَهُ.
ومثلُ قولِهِ لقوم الرجلِ: نَفَرَةٌ (٤): جَمْعُ نافِرٍ، لأنهم يَنْفِرونَ معه إذا اسْتَنْفَرَهُمْ قال امُرؤُ القَيسِ (٥) يَصِفُ راميًا:
فَهْوَ لا تَنْمي رَمِيَّتُهُ ما لَهُ؟ لا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ (٦)!
يقول: إذا عُدَّ قومُهُ لم يُعَدَّ مَعَهُمْ، أي أماتَهُ الله قَتَلَهُ اللهُ. هذا وأشْباهُهُ مما يَخْرُجُ مَخْرَجَ الدُعاء، ولا يُرادُ بِهِ الوُقوعُ (٧). ومما يَدُلُكَ على أنَّ القومَ للرجال، قالَ زُهَيرٌ (٨):
_________________
(١) = والقوم في الأصل: مصدر قام ثم غلب على الرجال دون النساء. وقيل: هو اسم للجمع وقيل: جمع قائم".
(٢) زَوْر: اسم للجمع: وقيل: هو جمع زائر. اللسان (زور).
(٣) صَوْم: اسم جمع وقيل: هو جمع صائم. اللسان (صوم).
(٤) نَوْم: اسم للجمع عند سيبويه وجمع عند غيره. اللسان (نوم).
(٥) نَفَرَةُ الرجل ونَفَرهُ رهطه. اللسان (نفر).
(٦) سبقت ترجمته.
(٧) البيت لامرئ القيس، انظر ديوانه ص ١٢٥. وقوله: فهو لا تنمي رميَّته، أي: لا تنهض بالسهم وتغيب عنه؛ بل تسقط مكانها لإصابته مقتلها، يقال: نمت الرمية وأنماها الرامي، إذا مضت بالسهم فغابت عنه؛ ويقال: رمى الصيد فأصماه إذا قتله مكانه. وقوله: لا عدّ من نَفَرِه، دعاء عليه على وجه التعجب منه؛ كقول القائل للمجيد المحسن: أخزاه الله، وقاتله الله! يقول: إذا عُدّ نَفَرُه فلا وجد فيهم، دعا عليه بالفقود.
(٨) وفي اللسان (نفر): "قال امرؤ القيس يصف رجلًا بجودة الرمي: فَهْوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ ما لَه؟ لا عُدَّ من نَفَرِه! فدعا عليه وهو يمدحه، وهذا كقولك لرجل يعجبك فعله: ما له قاتله الله، أخزاه الله، وأنت تريد غير معنى الدعاء عليه".
(٩) هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، من مضر: حكيم الشعراء في الجاهلية. =
[ ٢٢٩ ]
وما أدْري وسوفَ إخالُ أدْري اقوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ (١)
يُريدُ أرجالٌ هم أم نساءٌ؟ .
_________________
(١) = وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. ابناه كعب وبجير شاعران وأخته الخنساء شاعرة. قصائده تسمى "الحوليات" توفي سنة ١٣ ق. هـ. الشعر والشعراء ١/ ١٣٧، والأعلام ٣/ ٥٢.
(٢) البيت لزهير كما في ديوانه ص ٧٣، وفي اللسان: (قوم).
[ ٢٣٠ ]