٨٧ - سألتَ عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١). وقلتَ: كيفَ يَحِلُّ للكفارِ بالقرآن، وهُمْ لا يُؤْمنونَ بِه، وإنْ جازَ أنْ يَحِلُّ لَهُمْ جازَ أن يُحَرمَ عَلَيهِمْ؟ .
• والذي عندي أن القَصْدَ بالتحليلِ لنا، وإنْ كانَ القولُ لَهُمْ، كأنّهُ قال: وأُحِلَّ لكم طعامُ أهلِ الكتابِ أنْ تأكُلوهُ؛ وأُحِلَّ لكمْ أنْ تُطْعِمُوهُمْ طعامَكُمْ، ولو لم يقل: وطعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ لم نَعْلَمْ نحن أَنَّهُ يجوزُ لنا أن نطْعِمَ الكافرينَ طعامَنا، فأَعلَمَنَا أَنَّهُ قد أُحِلَّ لنا أن نَأكُلَ طعامَهُمْ، وأُحِلَّ لنا أن نُطْعِمَهُمْ طعامَنا (٢) فالاستعباد بذلك وقعَ لنا في الأمْرَينِ جميعًا لَهُمْ، وشَبيهٌ بذلكَ قولُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣). يُريدُ من صارَ إليكم من المشركاتِ اللواتي لهنَّ أزواجٌ بِمَكَّةَ فادفعوا إلى أزواجهنَّ مهورَهُنَّ، ولْيَدْفَعوا إليكم مهورَ من صار إليهم من أزواجكم، ولم يَأمُر المشركينَ بالدَّفعِ وإِنْ كانَ ظاهرُ الكلامِ قد وَقَعَ بذلك، وإِنّما أراد اجعلوا هذا حُكْمًا بينَكُمْ، وقد أطْلَقْتُهُ لكُمْ وهو أن تدفعوا إليهم مهورَ نسائِهِمْ اللواتي أَتَينَكم راغباتٍ في
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٥.
(٢) انظر القرطبي ٦/ ٧٥ - ٧٩.
(٣) سورة الممتحنة الآية ١٠.
[ ٢٥٠ ]
الإِسلام، ويدفعوا إليكم مهورَ نسائِكُمْ اللواتي أتينَهُمْ مُرْتَدَّاتٍ عن الإِسلامِ بَعْدُ، وإنْ فاتكم شَيءٌ من أزواجِكُمْ إلى الكفَّار، يُريدُ إنْ ذَهَبَتِ امرأةٌ من نسائِكُمْ إلى المشركينَ بمكَّةَ، فعاقبتم أي أصبتم عُقْبى من الحال التي أنتم عليها بغَنيمةٍ من غَزْوٍ، أو غيرِ ذلك فأَعْطُوا المسلمينَ الذين ذهبتْ أزواجُهُمْ إلى مكةَ مثلَ ما أنفقوا يعني المَهْرَ من تلك الغنيمةِ قبلَ الخُمُس، وكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ في أَخْذِ مهورِ نسائِهِمْ من المشركينَ في حالِ الضيقة (١) والإِعواز، فإذا صاروا إلى حال الغنى والمَيْسَرَةِ لم يأخذوا منهم شَيئًا، ولم يَدْفَعُوا إِليهِمْ شَيئًا (٢).
_________________
(١) الضِّيقة: الفقر وسوء الحال. اللسان (ضيق).
(٢) انظر القرطبي ١٨/ ٦٥ - ٦٨.
[ ٢٥١ ]