٨٣ - سألتَ عن ألفاظٍ كَثُرَتْ في كلام النّاسِ منها قَوْلُهُمْ: غلامٌ خُماسِيٌّ، ولم يقولوا: سُداسِيٌّ، ولا سباعيٌّ كمَا يُقالُ في الثياب (١). ومنها قَوْلُهُمْ: فلانٌ حَمِيُّ الأنْف، ولم يقولوا: حميُّ الأُذُن، ولا العَين، وما أشْبَهَ ذلك (٢).
ومنا قَوْلُهُمْ: أعْتَقَ فلانٌ رَقَبَةً، ولم يقولوا: أعتق عُنُقًا (٣) ومنها قَوْلُهُمْ: قَوارِعُ القُرْآنِ (٤) ومنها قولُهُمْ للعالِمِ: باقِعَةٌ (٥). ومنها قولُهم:
_________________
(١) الخماسيّ والخماسيّة من الوصائف ما كان طوله خمسة أشبار ولا يُقَال سداسي، ولا سباعي إذا بلغ ستة أشبار وسبعة، وغلام خماسي طوله خمسة أشبار، وثوب خماسي. اللسان (خمس).
(٢) رجل حمي الأنف: لا يحتمل الضيم. اللسان (حما).
(٣) أعتق الله رقبته، ولا يقال: أعتق الله عنقه. والرقبة: المملوك. وأعتق رقبة أي نسمة، وفكّ رقبة: أطلق أسيرًا. سميت الجملة باسم العضو لشرفها. والرقبة في الأصل العنق فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه. فإذا قال: أعتق رقبة فكأنه قال: أعتق عبدًا أو أمة. اللسان (رقب).
(٤) قوارع القرآن: قرع الشيء قَرْعًا سكّنه وكفّه وصرفه، وقوارع القرآن منه: الآيات التي يقرؤها إذا فزع من الجن والإنس فيأمن، مثل آية الكرسي وآيات آخر سورة البقرة وياسين، لأنها تصرف الفزع عمن قرأها كأنها تقرع الشيطان. والقارعة: النازلة الشديدة تنزل عليهم بأمر عظيم. ولذلك قيل ليوم القيامة: القارعة. ويقال قرعتهم قوارع الدهر أي أصابتهم. اللسان (قرع).
(٥) الباقعة: الرجل الداهية والبصير بالأمور الكثير البحث عنها المجرب لها، والذكي العارف الذي لا يفوته شيء. اللسان (بقع).
[ ٢٣٦ ]
دنانيرُ حُرْشٌ (١). ومنها قولُهُمْ: لا نَيَّحَ اللهُ عِظَامَهُ (٢). ومنها قولُهُمْ: قد تَحَذْلَقَ فلانٌ (٣)؟ .
• أما قولُهُمْ: غلامٌ خُماسِيٌّ، ولم يقولوا: سُداسيٌّ، ولا سُباعيّ؛ فَلِأنَّ الغلامَ إذا يَفَعَ خمسةَ أشْبارٍ، وذلك ذِراعانِ ونِصْفٌ، صار رَجُلًا في سِتَّةِ أشْبارٍ، وخَرَجَ عَنْ حَدِّ الطُّفُولَة، وهذا على الأشْهَرِ والأكْثَرِ في النّاس، وقد يَشُدُّ من هذا شَيءٌ على قَدْرِ طُولِ الغُلام، وقِصَرِه، فلا يكونُ الشُّذُوذُ حُجَّةَّ على الأكْثَرِ (٤).
• وأما قَوْلُهُمْ: فلانٌ حَمِيُّ الأنْفِ، واخْتِصاصهُم الأنْفَ دونَ غَيرِه، وأنَّ العرب كانت تَعُدُ مسَّ الأنْفِ ذلًّا فقيل: فلانٌ حَمِيُّ الأنْف، وحَمِيُّ المِعْطَسِ كأنَّهُ حماهُ مِنْ أنْ يُمَسَّ.
• وأما قولهم: أعتق فلانٌ رَقَبَةً، ولم يقولوا: أعتقَ فلانٌ العُنُقَ، وقد يكون للرقَبَةِ وغيرِها، وهو مُقَدَّمُ الشَّيْءِ وأعلاهُ. فلو قال قائل: أعتق عُنُقًا، وعليه عُنُقٌ كما قالوا رَقَبَةً احتملَ التأويلات، وكانت الرقبةُ أوْلى؛ لِأنَّها لا تَحْتَمِلُ إلا مَعْنَىً واحِدًا (٥) تقولُ: بدا عُنُقُ الجَبَلِ (٦)، وخَرَجَ عُنُقٌ مِن النَّارِ (٧) وأتاة عُنُقٌ مِن النَّاسِ (٨) ولا يُقالُ في شَيءٍ من هذا رَقَبَةٌ.
_________________
(١) دنانير حُرْش: جمع أحرش. والأحرش من الدنانير ما فيه خشونة لجدّته والضب أحرش: خشن الجلد كأنه محزّز.
(٢) لا نَيَّحَ الله عظامه: أي لا صلّبها ولا شد منها. وإنه لعظم نيِّحٌ: شديد. اللسان (نيح).
(٣) تحذلق في كلامه: تظرّف وتكيّس.
(٤) انظر الحاشية (١) في الصفحة السابقة.
(٥) انظر اللسان والتاج (رقب).
(٦) في الأصل: الخيل. ولعلها الجبل كما أثبتناها، وعنق الجبل ما أشرف منه اللسان (عنق).
(٧) عنق من النار: أي قطعة من النار. اللسان (عنق).
(٨) عنق من الناس: جماعات منهم. اللسان (عنق).
[ ٢٣٧ ]
• وأَمّا قولُهُمْ: قوارعُ القُرآنِ فإنّهُ يُرادُ بِهِ ما يَقْرَعُ الظَّالمَ بِه، وَيَقْرَعُ العاصيَ أي يَكُفُّهُما، ويرْدَعُهُما، ويكونُ أيضًا يَقْرَعُ الشَّيطانَ، والسَّحَرَةَ أي يَمْنَعَهُمْ، وَيَكُفُّهُمْ ومِنْهُ: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ (١) في كتابِ الله جَلَّ وعَزَّ، وكذلك قوارِعُ الدَّهْرِ هي المَصائِبُ التي تَقْرَعُ النَّاسَ أي تُصِيبُهُمْ (٢).
• وأما قَوْلُهُمْ للعالِمِ: باقِعَةٌ فإنَّ الباقِعَةَ الدَّاهِيَة (٣) كما يُقالُ؛ فَقَرَتْهُم الفاقِرَةُ (٤).
• وأما قَوْلُهُمْ: دنانيرُ حُرْشٌ، فإنّها الخُشْنُ لِجدَّتِها وكُلُّ شَيءٍ خَشْنٌ فهوَ أَحرَشُ، ومِنْهُ يُقالُ للضَّبِّ: أحْرَشُ لخُشونَةِ جِلْدِهِ (٥)، ونَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: حُلَّةٌ شَوْكاءُ أي خَشْنَةُ الجِدَّةِ (٦).
• وقولهم: لا نَيَّحَ اللهُ عِظامَهُ أي لا صَلَّبَها، ولا شَدَّدَ منها يُقالُ: عَظْمٌ نَيِّحٌ أي صُلْبٌ، وناحَ العَظْمُ يَنيحُ نَيحًا (٧).
• وقولُهُمْ: قد تَحَذْلَقَ فلانٌ يُرادُ قد تَدَقَّقَ في الأمْرِ يُقالُ: قد حَذْلَقَ الشَّيْءَ إذا حَدَّدَهُ، وَحَذْلَقَهُ أيضًا إذا قَطَعَهُ (٨)، وكذلك حَذِقَ الشَّيءَ قَطَعَهُ، ومِنْهُ قد حَذِقَ الغُلامُ إذا خَتَم القرآنَ في التَّعَلُّمِ كأنَّهُ قَطَعَ القُرْآنَ، أو قَطَعَ التَّعَلُّمَ له (٩).
_________________
(١) الآية ١ من سورة القارعة.
(٢) انظر الحاشية (٤) في ص ٢٣٦.
(٣) انظر الحاشية (٥) في ص ٢٣٦.
(٤) الفاقرة: الداهية التي تكسر الظهر. وفقرته الفاقرة أي كسرت فَقَار ظهره. اللسان (فقر).
(٥) انظر الحاشية (١) في الصفحة السابقة.
(٦) حلة شوكاء: عليها خشونة الجدّة. اللسان (شوك).
(٧) انظر الحاشية (٢) في الصفحة السابقة.
(٨) انظر الحاشية (٣) في الصفحة السابقة.
(٩) الحذق: القطع. وحذقت الحبل قطعته. وحذق في عمله فهو حاذق ماهر والغلام يحذق القرآن مهر فيه. اللسان (حذق).
[ ٢٣٨ ]