• قَدْ قرأتُ الكتابَ الذي ذَكَرْتَ فيه أنَّ خالدَ بنَ يَزيدَ الرازيَّ (٢) كَتَبَ بِهِ إليكَ، فيما أَنْكَرَهُ على أبي عُبَيدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، رَحِمَة الله، في تفسيرِ "التحيّات للهِ" وَكَتَبْتَ أَنَّكَ أَحْبَبْتَ أَنْ تَعْلَمَ ما عندي في ذلك، وَقَدْ تَدَبَّرْتُ هذا الكِتابَ، وَأجَبْتُ بما حَضَرَني فيهِ.
قلتُ: ذَكَرَ خالدُ بن يَزيدَ أَنَّ أبا عُبَيدٍ رَوَى عَنْ أبي عمرٍو والشيبانيِّ (٣) في تَفْسيرِ "التحِيّات للهِ"، أَنَّها الملْكُ للهِ (٤)، واحْتَجَّ بِقَوْلِ زُهيرِ بنِ جَنَابٍ (٥):
مِنْ كُلِّ ما نالَ الفَتَى قَدْ نِلْتة إلّا التّحِيَّهْ (٦)
_________________
(١) هراة: وهي مدينة عظيمة مشهورة من أُمهات مدن خراسان، وهراة اليوم تقع في القسم الشمالي الغربي من أفغانستان وينسب إليها خلق كثير من الأَئمة والعلماءِ في كل فن.
(٢) نسبة إلى الرَّيّ على غير قياس.
(٣) - سبقت ترجمته.
(٤) انظر غريب الحديث لأبي عبيد الهروي ١/ ١١١ وفيه: قال أبو عبيد في حديثه ﵇ في التحيات لله والنص منقول حرفيًّا من غريب الحديث.
(٥) هو زهير بن جناب بن هبل الكلبي، من بني كنانة بن بكر، خطيب قضاعة وسيدها وشاعرها وبطلها ووافدها إلى الملوك، في الجاهلية. كان يدعى (الكاهن) لصحة رأيه، وعاش طويلًا. وهو أحد الذين شربوا الخمر صرفًا حتى ماتوا وهو من أهل اليمن. قيل: إن وقائعه تناهز المائتين. توفي نحو سنة ٦٠ ق هـ. الأعلام ٣/ ٥١.
(٦) البيت لزهير بن جناب كما في اللسان والتاج (حيي) وغريب الحديث لأبي عبيد =
[ ١٩٠ ]
قلت: وقال خالدُ بن يَزيدَ: وَجَدْنا الكِتابَ والسنَّةَ وأَشْعارَ العَرَب تدفَعُ تَفْسيرَهُ. أمّا الكِتابُ فإِنَّ اللهَ قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا﴾ (٢). يعني التسليمَ، وقال في اليهودِ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣).
يُريدُ قَوْلَهُمْ: "السامُ عَلَيكَ"، يَعْنُوْنَ الموتَ (٤)، وقالَ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٥) قُلْتُ: وقال: لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيءٌ مِنْ هذا في مَعْنى المُلْك، وَذَكَرَ أَيضًا أَشْياءَ مِن الحديثِ والشِّعْرِ يَطُوْلُ اخْتِطَاطُها (٦)، وفيما ذَكَرَ مِنْ هذه الحُرُوْفِ غَنِيٌّ عَنِ الإِطَالةِ فيها، وقد صَدَقَ الرجلُ فيما ذَكَرَ، وكذلك هُو عِنْدَ أبي عُبَيدٍ وعِنْدَنَا وَعِنْدَ جميعِ أَهْلِ العِلْمِ باللُّغَةِ. ولَيسَ قولُ أبي عُبَيدٍ في التحيّاتِ: إِنَّها المُلْكُ ما يُوجِبُ أن تَكُونَ التَّحِيَّةُ في كُلِّ مَوْضِعٍ المُلْكَ، لِأَنَّ الأسْماءَ قد تَتَّفِقُ، وتَخْتَلِفُ المعاني، وَقَدْ يَكُوْنُ للْحَرْفِ أَصْلٌ، فيُسْتعاد لموضع آخَرَ كقولهِمْ لِقَوائِمِ الدَّابَّةِ: "أرضٌ"، لِأَنَّها تَلِي الأَرْضَ من الدَّابِّةِ (٧)، وكقولهِمْ للنَّبَاتِ "نَوْءٌ وَنَدَىً" لأَنَّهُ بالْنَوْءِ يَكُونُ عِنْدَهُمْ، وكقولهِمْ لِلْمَطَرِ "سَمَاءٌ" لأَنّهُ من السماءِ يَنْزِلُ (٨). وهذا
_________________
(١) = ١/ ١١٢، وإصلاح المنطق ص ٣١٦، والأغاني ١٩/ ٢٢، وغريب الحديث لابن قتيبة ١/ ١٦٨، وطبقات فحول الشعراء ١/ ٣٦، وحماسة البحتري ١٠١، وتهذيب إصلاح المنطق ٦٧٠، وأمالي المرتضى ٢٤٠/ ١، والمعمّرون ص ٢٦.
(٢) سورة النور الآية ٦١.
(٣) سورة النساء الآية ٨٦.
(٤) سورة المجادلة الآية ٨.
(٥) انظر القرطبي ١٧/ ٢٩٢ و٢٩٣، وانظر الترمذي حديث رقم ١٦٠٣، وهو حديث حسن صحيح. ومسلم رقم ٢١٦٤ في كتاب السلام، وأبو داود رقم ٥٢٠٦ في الأدب.
(٦) سورة يونس الآية ١٠ أو سورة إبراهيم الآية ٢٣.
(٧) كلمة غير واضحة في الأصل ولعلها اختطاطها كما أثبتناها بمعنى كتابتها.
(٨) الأرض: أسفل قوائم الدابة وما ولي الأرض منها. اللسان (أرض).
(٩) في اللسان (سما): "والسماء السحاب والسماء المطر لأنه من السماء ينزل ويسمى العشب =
[ ١٩١ ]
كَثِيرٌ لا يَخْفَى إِنْ شَاءَ الله على هذا الرجلِ إنْ كان في المَعْرِفَةِ على ما ذكرتَ.
كذلكَ التَّحِيَّةُ أصْلُها التَّسْليمُ، ثُمَّ تُسْتَعادُ فَتُوضَعُ مَوْضِعَ المُلْك، لأَنَّ التَّحِيَّةَ في الأصْلِ كانتْ لِلْمُلُوكِ إذا دُخِلَ عَلَيهِمْ، ولا تكونُ تلك التحيَّةُ لغيرِهِمْ وهي قولُهُمْ: أَبَيتَ اللعنَ (١). وكانت العربُ تقولُ: لَبِثَ فلانٌ المَلِكُ في تَحِيَّتِهِ خمسينَ عامًا أربعينَ وثلاثينَ، يُريدونَ في مُلْكِهِ الذي يُحَيَّى فيهِ بِتَحِيَّةِ المَلِكِ.
وقالَ عمرُو بن مَعْدِي كَرْبٍ (٢):
أُسَيِّرُهَا إلى النُّعْمانِ حَتّى أُنيخَ على تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي (٣)
يُريدُ على مُلْكِه، ولا يَجوزُ أَنْ يَكونَ أُنيخَ على سَلَامَتِهِ أو تَسْلَيمِه، وكذلك قولُ زُهَيرِ بنِ جَنابٍ (٤):
مِنْ كُلِّ ما نالَ الفَتَى قَدْ نِلتُهُ إِلّا التَّحِيَّهْ (٥)
يُريد مِن كلِّ ما نالَهُ الكاملُ في الشَّرَفِ من الرجالِ قد نِلتُهُ إلّا أَنِّي لم أَصِرْ مَلِكًا أُحَيَّى بتحيّة الملوك، وليس الفتى في هذا المَوْضِعِ بمعنى الشَّابّ، والحَدَثِ
_________________
(١) = أيضًا سماء لأنه يكون عن السماء الذي هو المطر كما سموا به النبات ندى لأنه يكون عن الندى الذي هو المطر". وانظر اللسان (ندي).
(٢) في اللسان (لعن): "أبيت اللعن: كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية. تقول للملك: أبيت اللعن؛ معناه أبيت أيها الملك أن تأتي ما تُلعَن عليه".
(٣) هو عمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبد الله الزبيدي: فارس اليمن، وفد على المدينة سنة ٩ هـ، في عشرة من بني زبيد، فأسلم وأسلموا، وعادوا. ولما توفي النبي - ﷺ - ارتد عمرو في اليمن. ثم رجع إلى دين الإِسلام. شهد اليرموك والقادسية يكنى أبا ثور. توفي على مقربة من الريّ سنة ٢١ هـ. الإِصابة (ترجمة رقم) ٥٩٧٢.
(٤) البيت لعمرو بن معدي كرب كما في شعره (طبع دمشق) ص ٩٥، وانظر تخريج البيت فيه ص ٩٥ وص ٢٢٩.
(٥) تقدمت ترجمته. انظر ص ١٩٠.
(٦) تقدم البيت انظر ص ١٩٠.
[ ١٩٢ ]
وإِنَّما هو بمعنى الكاملِ الجَزْلِ من الرِّجالِ (١)، يَدُلُّكَ على ذلك قولُ الشاعرِ (٢):
إِنَّ الفتى حَمَّالُ كُلِّ مُلِمَّةٍ لَيسَ الفَتَى بِمُنَعَّمِ الشُّبّانِ (٣)
وكذلك قَوْلُ ابنِ هَرْمَةَ (٤):
قَدْ يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى ورِداؤُهُ خَلَقٌ وَجَيْبُ قميصِهِ مَرْقوعُ (٥)
وقَدْ يقولونَ للرجلِ الكاملِ: هو فَتَى الفِتْيان، قالتْ ليلى (٦):
كأَنَّ فتى الفتيانِ توبةَ لم يُنِخْ قَلائِصَ يَفْحَصْنَ الحَصَى بالكَراكِرِ (٧)
_________________
(١) في اللسان (فتا): "قال القتيبي: ليس الفتى بمعنى الشاب والحدث إنما بمعنى الكامل الجزل من الرجال يدلك على ذلك قول الشاعر: إن الفتى حمّال كل ملمّة ليس الفتى بمنعم الشبان قال ابن هرمة: قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق وجيب قميصه مرقوع".
(٢) لم نعرف الشاعر.
(٣) البيت بلا نسبة في اللسان (فتا).
(٤) هو أبو إسحاق الكناني القرشي، إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة: شاعر غزل من سكان المدينة. من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. رحل إلى دمشق ومدح الوليد بن يزيد الأموي، فأجازه؛ ثم وفد على المنصور العباسي في وفد أهل المدينة، فتجهّم له، ثم أكرمه. وهو آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم. توفي سنة ١٧٦ هـ. تاريخ بغداد ٦/ ١٢٧، والسير ٦/ ٢٠٧.
(٥) البيت لابن هرمة كما في شعره ص ١٤٣، وانظر تخريج البيت فيه ص ٢٦٠.
(٦) ليلى: بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب، الأخيلية، من بني عامر بن صعصعة: شاعرة فصيحة ذكية جميلة، اشتهرت بأخبارها مع توبة بن الحمير. وطبقتها في الشعر تلي طبقة الخنساء. وكانت بينها وبين النابغة الجعدي مهاجاة. ماتت في ساوة بالري نحو سنة ٨٠ هـ. الأعلام ٥/ ٢٤٩.
(٧) البيت للشاعرة ليلى كما في ديوانها (قصيدة رقم ٢٠) ص ٧٧ - ٨٣، وحماسة البحتري =
[ ١٩٣ ]
وأمَّا قَوْلُهُ: لو كانت "التَّحِيَّاتُ لله" في معنى "المُلْكُ لله" لَقِيلَ: التَّحِيَّةُ للهِ كما يُقال: المُلْكُ للهِ. ولم يُسْمَعْ الأَمْلاكُ لله، فإنَّ الذي يَلْزَمُهُ في تفسيرِ التَّحِيَّةِ للهِ إذا كانتْ بمعنى السلامةِ مِثْلُهُ، ولكنْ أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ لا يُقالُ: السلاماتُ للهِ. وَلَوْ كانَ أُريدَ ذلك لكانَ يَنْبَغي أنْ يُقالَ: التَّحِيَّةُ للهِ.
والذي عندي أَنَّهُ إِنَّما قيلَ: التَّحِيَّاتُ للهِ على الجميعِ لِأَنَّهُ كان في الأرضِ مُلوكٌ يُحَيَّوْنَ بتَحِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَيُقالُ لِبَعْضِهِمْ: أَبَيتَ اللَّعْنَ، ويقالُ لِبَعْضِهِمْ: أنْعِمْ صَباحًا، ويقالُ لِبَعْضِهِمْ: اسْلَمْ وانْعَمْ. وكانت العَجَمُ تَقولُ لمُلوكِها: عِشْ ألفَ سنةٍ: زِهْ هَزَارْ سَالْ نَوْرُوْزْخَرْ (١). ولذلك قال الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ (٢). وقيلَ لنا: قُولُوا في التَّشَهُّدِ: التَّحِياتُ لله، أَي هذهِ الألفاظُ الَتي تَدُلُّ على المُلْك، ويكْنى عَن المُلْكِ بها هي للهِ يُراد: هذه المَمالِكُ لله. ولَوْ أَنَّ قائِلًا قالَ في اللهِ ﷿: مالكُ الأَمْلاكِ يُرادُ مالكُ ما تَمْلِكُهُ المُلوكُ كان ذلك حَسَنًا كما يُقالُ: مَلِكُ المُلوك، وسَيِّدُ السادة، وإِلَهُ الآلِهَة، وكذلك له الأملاكُ يُرادُ له أَمْلاكُ المُلوكِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ في التَّحِيَّاتِ لله إِنَّها بمعنى السَّلامِ أو السلامةِ فإنَّهُ يَبْعُدُ ألا ترى أَنَّهُ لا يُقالُ: السَّلامُ لله، ولا السَّلامُ عَلى الله، ولا السَّلامَةُ لله، وإنَّما يَكونُ السَّلامُ مِنْهُ ﷿ على عبادِهِ يُقال: أنت السَّلامُ، ومنكَ السَّلامُ، وحَيِّنا رَبُّنا منك بالسَّلامَ.
وقد احْتَجَّ لهذا التَّأْوِيلِ بحديثٍ هُوَ لَهُ أَلْزَمُ، وَنَحْنُ بِهِ راضُونَ قال: رَوَى
_________________
(١) = ص ٢٦٩ رقم ١٤٣٥، والكامل ٣/ ١٤٠٧، والتعازي والمراثي ص ٧٦، والحماسة الشجرية ١/ ٣١٢، والحماسة البصرية ١/ ٢٢١، وبلاغات النساء ١٧١.
(٢) قوله: زه هزار سال نوروزخر بالفارسية يعني: "عش ألف سنة وألف نَوْرُوْز". كما في تفسير غريب القرآن للمؤلف ص ٥٨، والقرطبي ٢/ ٣٤.
(٣) الآية ٩٦ من سورة البقرة.
[ ١٩٤ ]
منصورٌ (١) والأعمشُ (٢) عن أبي وائل (٣) عن ابنِ مَسْعودٍ (٤) قالَ: كُنَّا إِذا قَعَدْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في الصَّلاةِ نَقُولُ: السَّلامُ على اللهِ قَبْلَ خَلْقِه، السَّلامُ على جِبْريلَ، السَّلامُ على فلانٍ وفُلانٍ، فَقالَ لنا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ الله هُوَ السَّلامُ، فلا تقولوا: السَّلامُ على الله، ولكن قُولوا: "التَّحِيَّاتُ للهِ والصَّلَوات والطَّيِّبَاتُ" (٥). أفما ترى أَنَّ التَّحِيَّاتِ لو كانتْ فيها مَعْنَى السَّلامَةِ أو السَّلامِ ما نَقَلَهُمْ عَن
_________________
(١) هو أبو عتاب السلمي، منصور بن المعتمر بن عبد الله: من أعلام رجال الحديث. من أهل الكوفة. لم يكن فيها أحفظ للحديث منه. وكان ثقة ثبتًا. توفي سنة ١٣٢ هـ. السير ٥/ ٤٠٢، والأعلام ٧/ ٣٠٥.
(٢) هو أبو محمد الأسدي، سليمان بن مهران، الملقب بالأعمش: تابعي، مشهور. أصله من بلاد الريّ، كان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض، يروي نحو ١٣٠٠ حديث. منشؤه ووفاته في الكوفة سنة ١٤٨ هـ. تاريخ بغداد ٩/ ٣، والسير ٦/ ٢٢٦.
(٣) هو أبو وائل الأسدي الكوفي، شقيق ابن سلمة: الإِمام الكبير، شيخ الكوفة، مخضرم أدرك النبي - ﷺ -، وما رآه، وكان من أئمة الدين. قال ابن معين. أبو وائل ثقةٌ، لا يسأل عن مثله. وقال ابن سعد: كان ثقةٌ كثير الحديث. مات في زمن الحجاج بعد الجماجم، سنة ٨٢ هـ. طبقات ابن سعد ٦/ ٩٦ و١٨٠، والإِصابة (ترجمة رقم) ٣٩٨٢، وتهذيب ابن عساكر ٦/ ٣٣٦، والسير ٤/ ١٦١.
(٤) هو أبو عبد الرحمن الهذلي، عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب: صحابي. من أكابرهم، فضلًا وعقلًا، وقربًا من رسول الله - ﷺ - وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإِسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة. وكان خادم رسول الله - ﷺ - الأمين، وصاحب سره، ورفيقه في حله وترحاله وغزواته، يدخل عليه كل وقت، ويمشي معه. ولي بعد وفاة النبي - ﷺ - بيت مال الكوفة. ثم قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ٦٠ عامًا نحو سنة ٣٢ هـ. الإِصابة (ترجمة رقم) ٤٩٥٥، والسير ١/ ٤٦١، والأعلام ٤/ ١٣٧.
(٥) رواه البخاري ٢/ ٢٥٧ - ٢٦١ في صفة الصلاة، ومسلم رقم ٤٠٢ في الصلاة، وأبو داود رقم ٩٦٨ و٩٦٩ في الصلاة، والترمذي رقم ٢٨٩ في الصلاة، والنسائي ٢/ ٢٣٧ في الافتتاح، باب كيف التشهد الأول.
[ ١٩٥ ]
السَّلامِ إلى حَرْفٍ في مَعْناهُ، والسَّلامُ إِنَّما هو مثلُ مَعْنَى السَّلامَةِ يُقالُ: سَلامٌ وسَلامَةٌ كما يُقالُ: لَذاذٌ ولَذاذَةٌ، ورَضاعٌ ورَضاعَةٌ (١)، وَقَدْ بَيَّنَ ذلك الشَّاعِرُ (٢):
تُحَيِّي بالسلامَةِ أُمُّ بَكْرٍ فَهَلْ لَكِ بَعْدَ قَوْمِكِ مِنْ سَلامِ
أي هَلْ لكِ من: سَلَامةٍ بَعْدَ قَوْمِك، فَبَيَّنَ في البيتِ أنَّ السَّلامةَ هي السَّلامُ. وكذلك قَوْلُ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٣) أي سلامة.
فكيفَ يَجوزُ أَنْ تكونَ التحياتُ بِمَعْنَى السَّلامِ أو السَّلامة، ثُمَّ يَنْهانا عن السَّلام، وَيأْمُرُنا بالتَّحِيَّات، وهما عِنْدَهُ شَيءٌ واحِدٌ؟ وإِنَّما يَجوزُ هذا إذا اخْتَلَفَ المَعْنَيان، فكانت التَّحِيَّاتُ، كما قالَ أبو عُبَيدٍ عن أبي عمرٍو الشَّيبانيّ، إِنَّها المُلْكُ وكان السَّلامُ بِمعنى السَّلامِ.
_________________
(١) في اللسان (سلم): السلام: التحية قال ابن قتيبة: يجوز أن يكون السلام والسلامة لغتين كاللذاذ واللذاذة وأنشد: تُحَيِّي بالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ وَهَلْ لَكِ بعد قومِكِ - مِنْ سَلَام ولذذت الشيء لذاذًا ولذاذة وجدته لذيذًا. ورضع الصي رضاعًا ورضاعةً. اللسان (لذذ ورضع).
(٢) البيت بلا نسبة في تفسير غريب القرآن ص ٦، واللسان والتاج (سلم).
(٣) سورة الأنبياء الآية ٦٩.
[ ١٩٦ ]