• وقد قَرأتُ كتابَكَ بما مَتَتْتَ به إلينا من إخلاصِكَ الود وإيجابك الحقَّ (٣) الذكر، ووقع ذلك مني الموقع الذي قَدَّرْتَهُ وبلغ الغايةَ التي تَمَنَّيتَها، وكل ما حَكَيتَهُ فأنتَ عندَنا فيه الصادقُ، ونحن عليه شاكِرونَ، أحسن الله جزاءَكَ، ووصَلَ إخاءَكَ، وقد تبيَّنْت بما رأيته في كتابِكَ من حُسْنِ المطالبةِ والتَّنْبِيهِ على الحُجَّةِ فضلَ النعمةِ عليك في علمِكَ وفهمِكَ وسَهَّلَ ذلك على سبيلِ الإطالةِ في إجابَتِكَ، وقد أجَبْتُكَ عما ذَكَرْتَ، وفَصَّلْتُ سؤالَكَ، وأتْبَعْتُ كُلَّ فَصْلٍ منه بما أَقولُ فيه ليكونَ ذلك أبلغَ في إفهامِكَ. سَهَّل لك سبيلَ الخَير، ووَفَّقَكَ وإيانا للحَقّ، ونفعنا بالعِلْم، وجعل شُغْلَنا فِيهِ (٤) بما يُقَربُ إليه، ويزْلِفُ عندَهُ برحمتِهِ.
_________________
(١) سمرقند: بلد معروف مشهور، قيل: إنه من بناء ذي القرنين. بما وراء النهر، وهو قصبة الصُّغْد، على جنوبي وادي الصُّغْد، مرتفعةً عليه. مراصد الإطلاع ٢/ ٧٣٦، ومعجم البلدان ٣/ ٢٤٦.
(٢) أحمد بن محمد بن قمر: لم نجد له ترجمة، ولعله أحد طلبة العلم في زمانه. وكلمة قمر ربما قرئت فهر أو قنبر، لأنها غير واضحة، والله أعلم.
(٣) كلمة غير واضحة في الأصل، لأن نصفها مطموس. وربّما قرئت إجلالك أو إكمالك أو إجمالك والله أعلم.
(٤) في الأصل "منه"، والصواب ما أثبتناه.
[ ٢٠٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
° ذكرت أنّ بعضَ حَمَلَةِ الفِقْهِ قِبَلَكَ أنْكَرَ ما ذكرتَهُ من معرفةِ الراسخينَ في العلمِ بتأويلِ متشابهِ القُرْآنِ. وإنما تَمامُ الكلامِ عِنْدَ قولِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) قلتَ: وقالَ: كيف يَصِحُّ هذا القولُ، والكتابُ يَنْطِقُ بالذَّمِّ لمن ابتغى تأويلَ المُتَشابه، وهو قولُ الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٢) فأخبر أن في الكتاب نوعين: محكمًا، ومتشابهًا، ثم قال على إِثْرِ ذلكَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣) فزجر الجميعَ عن اتباعِ المُتَشابِهِ لابتغاءِ تأويلِهِ ودلَّ بقولِهِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أن ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ لا يُفِيدُ إلا الفِتْنَةَ. هذا فَصْلٌ من كتابِك والجوابُ عنه (٤):
• أما قولُكَ: إن الكتابَ يَنْطِقُ بِذَمِّ من ابتغى تأويلَ المُتشابِه، فليس كذلك، وإنما ذمّ اللهُ من ابتغى تأويله من اليهودِ أو من المنافقينَ الذينَ في قلوبِهم زَيغٌ أي انحرافٌ عن الإسلام، فَهُمْ يبتغونَ تأويلَهُ بغيرِ مُرادِ اللهِ فيه ليَفْتِنُوا به النَّاسَ، فيَسْتَزِلُّوهُمْ عن الإسلام، لأنّ المتشابِهَ يحتملُ التأويلاتِ المختلفَةَ، والمُحْكَمُ لا يحتملُ ذلك، فالمذمومونَ من مُبْتَغي تأويلِهِ هم هؤلاءِ الذين سلكُوا فيه سبيلَ الإضلالِ والفِتْنَةِ بالتَّحْريف، وأمّا المُبْتَغي تأويلَهُ لِيَعْلَمَهُ ويُعَلِّمَهُ وَيرْشُدُ بِهِ فغيرُ مذمومٍ (٥). وأشْبَهُ الأشياءِ بهذِهِ الآيةِ قولُهُ في سورةِ البقرةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ٧.
(٢) الآية ٧ من سورة آل عمران.
(٣) الآية ٧ من سورة آل عمران.
(٤) في الأصل عليه والصواب عنه.
(٥) انظر القرطبي ٤/ ٩ - ١٩.
[ ٢٠٩ ]
يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (١) فالفاسقونَ ها هنا هم الذين في قلوبِهِمْ زَيغٌ، وهم الضالونَ بالمَثَلِ. وإذا أنت جعلتَ المبتغينَ المتشابِهَ بالتأويلِ المنافقينَ واليهودَ المحرفينَ له دونَ المؤمنينَ كما قال الله: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ﴾ (٢) وَضَحَ لك الأمرُ، وصَحَّ ما تأولناهُ من معرفَةِ الراسخينَ بالمتشابِهِ.
° ثم قُلْتَ: إنه زَجَرَ الجميعَ عن اتباعِ المتشابهِ لابتغاءِ تأويلِهِ وإنّهُ دَلَّ بقولِهِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ على أنّ تأويلَهُ لا يُفيدُ إلا الَفِتْنَةَ. وهذا فصلٌ من كتابِك.
• والجواب عنه: ولو كانَ زَجَر الجميعَ عن اتباع المتشابِهِ لقال: لا تتبعوا المتشابِهَ لِتَبْتَغُوا تأويلَهُ، فكان الكلامُ عامًّا، وإنّما ذَكَرَ أنَّ الذينَ في قلوبِهم الزيغُ هم المُتَبِعُونَ له المُبْتَغونَ تأويلَهُ بغيرِ الإصابةِ ليَفْتِنوا به، ويَضِلُّوا عن سبيلِ اللهِ. ورأيتُكَ قد جعلت ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ سببًا للفتنة، ولو كان أرادَ ذلك لقال: يتبعونَ ما تشابَهَ منه ابتغاءَ الفتنةِ بابتغاءِ تأويلِهِ. وإنّما قال: ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِهِ يريدُ بالفِتْنَةِ الكُفْرَ. والفِتْنَةُ تَنْصَرِفُ على وجوهٍ: منها الكفُر والإثمُ (٣) كقولهِ: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (٤) وقوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٥) ويُريدُ بابتغاءِ تأويلِهِ التحريفَ لَهُ إمّا بالتَّعَمُّدِ لذلك أو الجهلِ بِه، ولو كان أيضًا على ما ذكرتَ من ابتغاءِ تأويلِهِ لا يُفيدُ إلا الفِتْنَةَ لم يكنْ في ذلك حُجَّةٌ إنْ كانَ إنّما يُريدُ تأويلَ
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٦.
(٢) سورة آل عمران الآية ٧.
(٣) في اللسان فتن: والفتنة الكفر. وسقطوا في الفتنة أي في الإثم. وانظر القرطبي ٤/ ١٥.
(٤) الآية ٤٩ من سورة التوبة.
(٥) الآية ١٩١ من سورة البقرة.
[ ٢١٠ ]
المنافقينَ لَهُ واليهودِ والزائغينَ. وكيفَ يُصيبُ تأويلَ متشابِهِهِ من جعلَهُ اللهُ عليه عَمًى يقول الله جل وعزَّ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾ (١).
° ثم قلتَ: ولو كان تأويلُ المتشابِهِ موجودًا لما كان متشابهًا عندَهُمْ، وهم به عالِمونَ، وبتأويلِهِ عارفونَ؟ .
• الجواب عن ذلك: لأنه قد يجوز أن يكون متشابهًا عندَ العوامّ، وعندَ من لا يَعْلَمُ، ويكونَ معروفًا عندَ أهلِ العلمِ كما أنّا نقول: هذا خَفِيٌّ من العلم، ونحنُ لا نريدُ أنَّهُ يَخْفَى على جميعِ الناس، وإنما نريد أنّه يخفى على بعضِهِمْ. والمتشابِهُ هو الذي أشبه غيرَهُ. فالجَهَلَةُ به تَظُنُّ أن هذا ذاك، وذاك هذا. قال الله جل وعز في وصفِ ثمرِ الجنّةِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (٢) أي مُتَّفِقَ المناظِرِ مُخْتَلِفَ الطُّعُوم، فإذا رأوهُ قبلَ الذواقِ قالوا هذا الذي رُزِقْنا من قبلُ (٣).
° ثم قلتَ: ولما استحق الذمَّ من ابتغى تأويلَهُ. واسمُ المتشابهِ واقعٌ عليه عُمومًا فهو متشابهٌ عندَ الجميعِ حتى يَدُلَّ كتابٌ على أنه متشابهٌ عندَ قَوْمٍ دونَ آخرينَ، أو يُثْبِتُ ذلك خبَرٌ، وأَنَّى بوجودِ ذلكَ؟ ! والسنَّةُ ثابتةٌ في الزجرِ عن الخوضِ في المتشابِه، والأمْرِ بالإيمانِ بِجُمْلَتِهِ؟ .
• الجواب: والمستحقُّ للذَّمِّ ممن ابتغى تأويلَهُ هم الذين في قلوبِهِمْ زَيغٌ عن الإسْلام، هذا على ظاهرِ الكتاب حتى تأتيَ أنتَ بآيةٍ، أو خَبَرٍ صَحيحٍ عن الرسولِ - ﷺ - أنّ كلَّ من ابتغى تأويلَ المتشابِهِ مذمومٌ، فيكونَ المُفَسِّرُونَ للقرآنِ جميعًا مذمومينَ عاصينَ للهِ بإِقْدامِهِمْ على تَفْسيرِ كلِّ القرآن، وتركِهِمْ التَّوَقُّفَ عن
_________________
(١) سورة فصلت الآية ٤٤.
(٢) الآية ٢٥ من سورة البقرة.
(٣) انظر القرطبي ١/ ٢٤٠.
[ ٢١١ ]
شَيء مِنْهُ، فإنّا لا نَعْلَمُ أنهم تَرَكُوا شيئًا منه؛ لأنَّهُ متشابهٌ لا يَعْلَمُهُ إلا الله، ولا يَتَعاطَوْنَهُ (١) ولا يَسْألُونَ (٢) عنهُ.
° ثم قلت: وكان ابنُ عبّاسٍ يَقْرَأ: "وما يعلمُ تأويلَهُ إلا اللهُ ويقولُ الراسخونَ آمنا به" (٣) فقراءةُ ابنِ عبَّاسٍ هذه القراءةَ لا تحتملُ إلا ما قلنا، وإطباقُ الأُمَّةِ ومن سمعَ من الصحابةِ قراءةَ ابنِ عبّاسٍ على تركِ النكيرِ عليه يَدُلُّ على أن قراءَتَهُ، وإن كانت تخالِفُ قراءَتنا (٤) في اللفظ، فالمعنى فيهما معًا واحدٌ. ولولا أنّ ما ذكرنا لا يعدو ما وصفنا لَمَا أقَرُوهُ على قراءَتِه، ولما رَضُوا بِهِ. وبين القراءتين عند العوام في تناقض المعنى ما وصفته من تبيان المعنى.
• الجواب: وقراءة ابن عباس هذه تخالف مذهبه في التفسير من كل وجه، فإنه كان يُفَسِّرُ القرآنَ، ولا يُسْألُ عن شَيءٍ منه، فيقولُ: هذا متشابهٌ لا أعْرِفُهُ.
وقد رَوَى عبد الرزاق (٥) عن معمرٍ (٦) عن قتادةَ (٧) في قولِ الله تَبارَكَ
_________________
(١) في الأصل: "ولا يتعاطوه"، وهو وهم من الناسخ.
(٢) في الأصل: "ولا يسألوا". وهو وهم من الناسخ.
(٣) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٨٤.
(٤) في الأصل "قراءته"، وهو وهم.
(٥) هو أبو بكر الصنعاني، عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم. من حفاظ الحديث الثقات من، أهل صنعاء. له "الجامع الكبير" في الحديث، وقال الذهبي: "هو خزانة علم"، وكتاب في "تفسير القرآن" والمصنف في الحديث توفي سنة ٢١١ هـ. السير ٩/ ٥٦٣، والأعلام ٣/ ٣٥٣.
(٦) أبو عروة، معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي الحداني بالولاء، فقيه حافظ للحديث، متقن، ثقة من أهل البصرة ولد واشتهر فيها وسكن اليمن - توفي في سنة ١٥٣ هـ. السير ٧/ ٥، والأعلام ٧/ ٢٧٢.
(٧) هو أبو الخطاب السدوسي البصري، قتادة بن دعامة بن قتادة بن عُزيز مفسر حافظ، ضرير =
[ ٢١٢ ]
وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (١) أنه قال: هذا مما كان ابنُ عبّاس يَكْتمُهُ (٢). فهل يجوز أن يكون يكتمُهُ إلا وهو يَعْلَمُهُ؟ وإذا كان يَعْلَمُهُ فقد علم بعضَ المتشابِهِ إذ كان المحكم لا يُكْتَمُ، ولا يَقَعُ فيه الإشْكالُ، وإذا جاز أن يَعْلَمَ بعضَ المتشابِهِ معٍ قولِ اللهِ: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣) على تاويلِكَ جازَ أن يعلَمَهُ كلَّهُ بعدُ، فإنهُ ليس لأحدٍ أن يَحْتَجَّ علينا بقراءَةِ ابنِ عبّاسٍ، ولم تَثْبُتْ في مصاحِفِنا لا سيما، والروايات تُخالِفُها، وابن عباس في رواية أخرى يقول: "كل القرآنِ أعْلمُ إلّا أربعًا: حنانًا، والأوّاه، وغسلين، والرقيم" (٤) وقوله: "كُلَّ القرآن أعْلَمُ" يدل على علمه بالمتشابه؛ لأنّهُ ليسَ في معرفتِهِ للمُحْكَمِ فضلٌ على غيرِهِ من أهلِ العلم، وإنّما يَقَعُ الفَضْلُ لمعرفتِهِ بالمتشابِه، وأصحابُ ابنِ عَبّاسٍ على مثلِ ذلك.
روى ابنُ مَسْعودٍ (٥) عن شِبْلٍ (٦) عن ابنِ أبي نَجيحٍ (٧)، عن مُجاهدٍ (٨) في
_________________
(١) = أكمه، قال الإمام أحمد بن حنبل: قتادة أحفظ أهل البصرة وكان مع علمه بالحديث، رأسًا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب. وكان يرى القدر، وقد يدلّس في الحديث مات بواسط في الطاعون سنة ١١٨ هـ. الأعلام ٥/ ١٩٨.
(٢) سورة القصص الآية ٨٥.
(٣) القرطبي ١٣/ ٣٢١.
(٤) هكذا في الأصل. والآية هي "وما يعلم تأويله إلا الله" انظر سورة آل عمران الآية ٧.
(٥) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٧٣، والقرطبي ١٠/ ٣٥٦.
(٦) سبقت ترجمته.
(٧) شبل هو ابن عباد المكي القارئ: محدث، ثقة، توفي سنة ١٤٨ تهذيب التهذيب ٤/ ٣٠٥.
(٨) ابن أبي نجيح، واسم أبيه يسار مولى الأخنس بن شُريق الصحابي: الإمام الثقة المفسر، وهو مفتي مكة بعد عمر بن دينار وكان جميلًا فصيحًا، حسن الوجه، معتزليًّا، لم يتزوج قط، وتوفي سنة ١٣١ هـ. السير ٦/ ١٢٥.
(٩) هو أبو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم: تابعي مفسر من أهل مكة قال الذهبي شيخ =
[ ٢١٣ ]
قولِ الله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١) يَعْلمونَهُ، ويقولونَ آمنّا بِهِ (٢). وأمَّا قولُكَ: لولا أنّ الأمْرَ كما ذَكَرْنا لَمَا اقرُّوا ابنَ عبّاسٍ على قراءَتِه، ولَمَا رَضُوا بِه، وبينَ القراءتينِ عندَ العَوامِّ من تبايُنِ المعنى ما وَصَفْتُهُ فإنّا، لم نقلْ: إنّ النّاسَ جميعًا تَأوَّلُوا هذه الآيةَ على ما تَأوَّلْناهُ فيها فَيَلْزَمُنا ما ذكرتَ، ولكنَّا نقولُ: إنّهم اختلفوا، فذهبَ قومٌ إلى أنّ تأويلَكَ على الظاهر، وتَأَوَّلَ قومٌ تَأويلَنا، فالذي سمِعَ قراءةَ ابنِ عبّاسٍ هذه، وإنْ كانت تَصحُّ ظَنَّ أَنَّ قولَ الله: ﴿لا يعلمه إِلَّا اللَّهُ (٣) وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فلم ينازِعُوه في قراءتِه، وسَلَّمُوا له، والاختلافُ في القراءاتِ بين ابنِ مسعودٍ، وأبيٍّ (٤)، وزيدٍ (٥)، وعليٍّ، وليسَ لنا أن نستعملَ إلّا ما ثَبَتَ في مِصْحَفِنَا، لأنَّهُ آخِرُ العَرْض، ولأنّ الذي جمعه بين اللَّوْحينِ أرادَ جمعَنا عليه، وألا نتفرقَ، ونَخْتَلِفَ. وفي هذا كلامٌ يَطولُ، وَيكْثُرُ. وقد أَوْدَعْتُ كتابي المُؤَلَّفَ في مُشْكِلِ القرآنِ طَرَفًا منه (٦).
_________________
(١) = القراء والمفسرين. أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات يقف عند كل آية يسأله: فيم نزلت وكيف كانت؟ وتنقل في الأسفار واستقر في الكوفة، ويقال: إنه مات وهو ساجد سنة ١٠٤ هـ. السير ٤/ ٤٤٩، والأعلام ٥/ ٢٧٨.
(٢) سورة آل عمران الآية ٧.
(٣) تفسير القرطبي ٤/ ١٦ - ١٩.
(٤) هكذا في الأصل، والآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
(٥) هو أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد، من بني النجار، من الخزرج، أبو المنذر: صحابي أنصاري. كان قبل الإسلام حبرًا من أحبار اليهود، مطلعًا على الكتب القديمة. مات بالمدينة سنة ٢١ هـ. السير ١/ ٣٨٩، والأعلام ١/ ٨٢.
(٦) هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، أبو خارجة: صحابي، من أكابرهم كان كاتب الوحي ولد بالمدينة ونشأ بمكة وتعلم وتفقه بالدين. توفي في سنة ٤٥ هـ. السير ٢/ ٤٢٦.
(٧) انظر تفسير مشكل القرآن لابن قتيبة ص ١٧ - ٧٢.
[ ٢١٤ ]
° ثم قلتَ في قولِ ابنِ عبّاسٍ: "كلَّ القرآنِ أعْلَمُ إلّا أربعًا" (١) أرادَ أعْرِفُ كلَّ القرآنِ ما خلا المتشابهَ إلَّا هذه الأربعة، ومثّلتَ ذلك برجلٍ دفعَ إلى رجلٍ رسالةً، وقالَ: أعْجَمْ لي جميعَ حُروفِها، فقالَ: قد أعْجَمْتُها كُلَّها، فالعِلْمُ مُحيطٌ بأنَّهُ إنّما أعْجَمَ منها ما يَقَعُ عليه الإعْجامُ دونَ ما لا يُعْجَمُ، فأنت تَعْلَمُ أنّهُ غَيرُ كاذبِ في قولِهِ: أعْجَمْتُها كُلَّها، ومُسْتَيقِنٌ أنّهُ قد تَرَكَ من حروفِها ما لا يُعْجَمُ كذَلك قولُ ابنِ عبّاسٍ؟ .
• الجوابُ: والذي مَثَّلتَ بهِ المتشابهَ من الإعْجام لا يُشْبِهُهُ؛ لأنَّ ما لا يُعْجَمُ من حروفِ المُعْجَمِ يَعْلَمُ الناسُ جمَيعًا من غيرِ اختَلافٍ أنه لا إعجامِ له، والناس جميعًا عالمون أن المتشابه يُعْلَمُ إلَّا أنَّ بَعْضَهُمْ قالَ: يَعْلَمُهُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ وحده، وقال قوم: يعلمه الله، والنبيّ، والروح الأمين صلى الله عليهما الذي نزل به، وقال قوم: يعلمه الله، ورسوله، وجبريل، والراسخون في العلم. فكيف تُشَبِّهُ شيئًا له تأويلٌ على كُلِّ حالٍ بشَيءٍ لا إعجامَ لَهُ على كُلِّ حال (٢) هذينِ هذا المتشابِهُ الذي لا يعلَمُهُ إلا اللهُ ألَا وَقَفْتَنَا مِنْهُ على حرفٍ واحدٍ، أو خَبَّرْتَنَا عنِ واحدٍ من الأئمةِ أنّهُ قال في شَيءٍ من القرآنِ إنهُ متشابِة لا يَعْلَمُهُ إلا اللهُ وحدَهُ وإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ النَّبِيُّ، ولا جِبْريلُ صلى اللهُ عليهما، ولا الراسخونَ في العِلْمِ. وما مَعْنى تَعْليمِ رسولِ اللهِ - ﷺ - عليًّا التَّفسيرَ (٣)؟ أعَلَّمَهُ المُحْكَمَ الذي لا يَعْلَمُهُ غَيرُهُ؟ وما معنى دُعائِهِ لابنِ عبّاسٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأويلَ" (٤) أكانَ دعاؤُهُ يُعَلِّمُهُ الظّاهِرَ
_________________
(١) انظر الحاشية (٤) ص ٢١٣ فقد سبق تخريج الحديث.
(٢) كلمات مطموسة في الأصل بسبب الرطوبة.
(٣) انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٧٢.
(٤) رواه البخاري ٧/ ٧٨ في فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب ذكر ابن عباس - ﵄ -، وفي العلم باب قول النبي - ﷺ -: اللهم علمه الكتاب، وفي الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء وفي الاعتصام في فاتحته، ومسلم رقم ٢٤٧٧ في فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن عباس، والترمذي رقم ٣٨٢٣ و٢٨٢٤ في المناقب، باب مناقب عبد الله بن عباس - ﵄ -، وأحمد في المسند ٤/ ٢٦١ و٣١٤ و٣٢٨ و٣٣٥.
[ ٢١٥ ]
الواضِحَ؟ . فإنْ أحْبَبْتَ أن تَعْرِفَ المتشابِهَ، وكيف يكون علمُ الراسخينَ له؟ وهل يَجْتَمعُ ذلك كُلُّهُ عند الواحِدِ مِنهُمْ، أوْ يكون متفرقًا؟ قلنا: قد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك مُجْتَمِعًا عندَ مَنْ دعا له رسولُ اللهِ - ﷺ -، ويكونَ متفرقًا عندَ العلماء، فهذا يَعْرِف منه بعضًا (*) وَيذْهب عليه بعضٌ، وهو عند غيرِهِ قد يجوزُ أن يكونَ مِنْهُ شَيءُ يَعْلَمهُ رسولَ اللهِ وَحْدَهُ؛ لأنّهُ صلّى اللهُ عليهِ أرسخ الراسخينَ في العِلْمِ.
مِنْ ذلك قولُ اللهِ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (١) يحتمل أن يكونَ أراد إقبالَ ظلامِهِ في أوَّلِهِ وأن يكونَ أراد إدبارَ ظلامِهِ في آخِرِهِ. ولا يُعْلَمُ مُرادُ اللهِ ولا أيَّ الوَقْتَينِ أقسمَ بِهِ. ورسولُ اللهِ يَعْلَمُ ذلك، ومَنْ أعْلَمَهُ إيّاهُ (٢).
وكذلك القَرْءُ في كلام العَرَب يكونُ الطُّهْرَ ويكونُ الْحَيضَ (٣)، وإنما يُعْرَفُ مُرادُ اللهِ بِتَوْقيفٍ رسولُ الَلهِ - ﷺ -.
وكذلك الحروفُ المُقَطَّعَةُ قد اخْتُلِفَ في تَفْسيرِها، وهي أوْلى الكتابِ بالإِشْكالِ والتشابُه، ولم نَرَهُمْ أمْسَكُوا عن التأويلِ لها، ولا ابنَ عبّاسٍ القارِيءَ بذلك الوَجْهِ إن كان صحيحًا. وقال في تفسير الرحمن: الرحمن (٤) أخَذَهُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ. ولكُلِّ فيما فَسَّرَ مَذْهَبٌ تَحْتَمِلُهُ الحُروفُ، ولم يَخْرُجِ الحَقُّ منها إن شاءَ اللهُ.
_________________
(١) سورة التكوير الآية ١٧.
(٢) انظر القرطبي ١٩/ ٢٣٨.
(٣) القرء: في اللسان (قرأ): "القَرْءُ والقُرْءُ: الحيض والطُّهر ضدّ". انظر ص ٥٤ من هذا الكتاب.
(٤) في الكلام سقط لأنه لم يذكر تفسير الرحمن. (*) في الأصل: "يُعْرَفُ منه بعضٌ"، وهو خطأ.
[ ٢١٦ ]
٧٣ - مسألة أخرى: وذكرتَ شيئًا من نَحْوٍ تَذْكُرُ فيه عامةَ من يَنْظُرُ في النَّحْوِ وهو قَوْلك (١): ولو أن قارِئًا قَرَأ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٢) وتَرَكَ طريقَ الابتداءِ بإنّا وأعْمَلَ القولَ فيها بالنصب على مذهب من يَنْصِبُ أنّ بَعْدَ القولِ كما يَنْصِبُها بالظنِّ لَقَلَبَ المعنى وأزاله عن طريقتِه، وجعل النَّبِيَّ - ﷺ - محزونًا لقولِهِمْ: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهذا كفرٌ ممن تَعَمَّدَهُ، وَضَرْبٌ من اللَّحْنِ لا تجوز الصلاةُ به، ولا يجوزُ للمأمومينَ فيه.
قلتَ: ورَأيتُهُمْ لا يَعْرِفونَ هذا المَذْهَبَ، وزعموا أنّ ما جاء بعدَ القولِ فهو على الحكايَةِ؟ .
• الجواب: وأحسب هؤلاءِ الناظرينَ في النَّحْوِ قبلَكَ ذهبَ عليهم هذا البابُ من كُتُبِ النَّحْو، وهو مذكور في كُتُب القُرَّاءِ (٣) وكتاب سيبويهِ (٤). وسأبين طرفًا مما قالوه فيه لِتَفْهَمَهُ، وتُلْقِيَهُ إليهم.
_________________
(١) في الأصل: "قولٌ" والصواب ما أثبتناه.
(٢) سورة يس الآية ٧٦.
(٣) لم نجد هذا الكلام في كتب القراءات والتفسير التي بين أيدينا.
(٤) انظر سيبويه ١/ ١٢٣. وسيبويه هو أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، الملقب سيبويه إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ولد في إحدى قرى شيراز، وقَدِم البصرة فلزم الخليل بن أحمد، وصنف كتابه المسمى "كتاب سيبويه" في النحو: لم يصنع قبله ولا=
[ ٢١٧ ]
قالوا: العربُ تجعلُ ما بعدَ القولِ مرفوعًا على الحكايَةِ فتقولُ: قُلْتُ: عبدُ اللهِ ذاهبٌ، وقلت: إنك قائمٌ. هذا في جميع القولِ إلا في "أتقولُ" وحدَها مع حرف الاستفهام، فإنهم يُنْزِلونَها منزلةَ "أَتظُنُّ" فيقولونَ: أتقول أنك خارج؟ ومتى تقولُ أن عبدَ الله منطلقٌ؟ (١) وأنشد:
أمّا الرحيلُ فدونَ بعدِ غدٍ فمتى تقولُ الدارَ تجمعنا (٢)
بنصبِ الدارِ كأنّهُ قالَ: فمتى تظن الدارَ تجمعنا. وهذا مذهبُ أكثرِ العربِ فيما جاءَ بعدَ القولِ.
قالوا: ومن العربِ قَوْمٌ ينصبونَ ما جاءَ بعدَ القولِ على أيِّ وَجْهٍ كان فيقولون: قلت: إِنّك ذاهبٌ، وقلت: عبد اللهِ منطلقًا (٣)، وهم بنو سُلَيمٍ (٤)، فإذا قرأ قارِيءٌ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (٥) بنصب أنّا على مذهب هؤلاء في نصب ما جاءَ بعدَ القَوْلِ بإيقاعِ القولِ عليهِ كما تُوْقِعُ الظَّنَّ جعلَ النَّبِيَّ محزونًا لقَولهِمْ: أنّ الله يَعْلَمُ السِّرَّ، والعَلانِيَةَ، ما يُسِرُّون، وما يُعْلِنُونَ، ومن حُزْنِهِ قولُ القائلِ: أن الله يَعْلَمُ السِّرَّ، والعلانيةَ، فهو كمن حَزِنَهُ قَوْلُ آخَرَ أن الله واحِدٌ، وأنّ اللهَ لا شريكَ له، ولا نِدَّ، فكيف يجوز أن يقولَ اللهُ
_________________
(١) = بعده مثله ورحل إلى بغداد، فناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم وعاد إلى الأهواز فتوفي بها سنة ٦٨٠ هـ. وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٣.
(٢) انظر سيبويه ١/ ١٢٣، وشرح الكافية ٢/ ٣٤٩.
(٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في ديوانه ص ٣٩٤، والمقتضب ٢/ ٣٤٩، وسيبويه ١/ ١٢٤.
(٤) انظر سيبويه ١/ ١٢٤، وشرح الكافية ٢/ ٢٨٩.
(٥) بنو سليم: نسبة إلى سُلَيم بن قطرة بن غنم: جدّ جاهلي. بنوه بطن من شنوءة، من القحطانية. النسبة إليه سلميّ (بضم السين وفتح اللام). وانظر سيبويه ١/ ١٢٤ وشرح الكافية ٢/ ٢٨٩.
(٦) سورة يس الآية ٧٦.
[ ٢١٨ ]
لرسولهِ: لا يَحْزُنْكَ قولُهُمْ أنا نعلمُ ما يُسرون وما يعلنون؟ بإيقاعِ القولِ على أنّا، وهل يجوزُ أن يكونَ مثلُ هذا من صفات الله، وإجلالِه، وتعظيمِهِ بِحُزْنِ رسولِ اللهِ؟ والقراءةُ "ولا يحزنك قولُهُمْ" ويكونُ الكلامُ تامًا، ثم تبتدئُ فتقولُ: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من قولهم: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وكذلك لو قَرَأ قارِيءٌ: ولا يحزنك قولهم: "إنا نعلم ما يسرون"، بالكسر، ونيّته أن يَجْعَلَ ما بعدَ قولهِمْ مُحْكَمًا كان بمنزلة أنَّا منصوبةً، وإنّما تَجوزُ القراءةُ بأن يكونَ تمامُ الكلام عندَ قولهِ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ثم تبتدئ ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ (١).
_________________
(١) انظر: المغني ٥٠٢، والقرطبي ١٥/ ٥٧، وشرح الكافية ٢/ ٣٤٩.
[ ٢١٩ ]