وقد اتّبعنا الطريقة التالية:
بدأنا بقراءة الأصل ونسْخِه في صبرٍ وأناةٍ، وقد استغرق ذلك سنين عددًا، نظرًا لعدم توفّر نُسْخة مصحّحة محرَّرة، وقد راعينا في عملية النَّسْخِ ما يلي:
- التزمنا في نسْخِ المخطوط بالرَّسم الإملائي المعاصر، فاجتهدنا في جُلّ الواضع رسم همزة الابتداء؛ لإنّ عدم رسمها يؤدِّي إلى تغيير المعنى، مثل: أعذار وإعذار، وأعلام وإعلام، وأنّ وإنّ، كما وضعنا نقطتي الياء لئلّا تلتبس بالألف المقصورة مثل: أبي وأبى، والهَدْي والهُدَى، كما حوصنا على وضع علامة التّشديد في موضعها ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
- أوْلَينا اهتمامنا وعنايتنا بعلامات التّرقيم وتقسيم الفقرات، حتّى يتمكّن القارئ من فهم مراد المؤلِّف بيسر وسهولة.
- أثبتنا ما نعتقد أنّه صواب في المتن، بعد عملية اختيار وانتقاء مقارن، مصاحب لتأمُّل بصيرٍ دونَ كَلَلٍ أو مَلَلٍ، ثمّ أشرنا في الهامش إلى ما رأيناه مرجوحًا أو مخالفًا للصّواب.
وقد اقتضى منّا هذا تخصيص هامشين: الهامش الأوّل بالأرقام الهندية، وقد اقتصرنا فيه على ذِكْرِ الفروق بين النُّسَخ، وأخلصنا الهامش الثّاني المرقَّم
[ ١ / ٢٨٣ ]
بالأرقام العربية لمختلف التّعليقات على المتن. ولم نلتزم هذا المنهج في كلّ أجزاء الكتاب، بسبب ظروف الطِّباعة. كما أنّ العمل بصفة عامة لم يجر على وتيرة واحدة، بسبب انعدام المشاركة التامة في كل المواضع، ولكن حاولنا توحيد العمل، ودمج ما اتّفقنا عليه، مما أوجد -ولله الحمد- نوعا من الانسجام في القراءة والضبط والتعليق.
- وأوْلَينا اهتمامنا أيضًا بالفروق الَّتي لها أثرٌ في قراءة النّصِّ، حيث يترتّب على إختلاف رسم الكلمة فيها تغيير المعنى، وأهملنا مُتعمِّدين -في الغالب الأعمّ- ما كان واضحًا بَيِّنَا أنّه من سَهْوِ النُّسَّاخ أو جَهْلِهم، وكذلك لم نشأ أنّ نُثْقِل الحواشي بإثبات الفروق الطّفيفة، كحروف العطف، ومجيء الفاء مكان الواو أو العكس، أو سقوط نفطة من الذال أو التاء أو الياء.
- وجدنا في مواضع ليست بالقليلة أنّ سياق الكلام يحتاج إلى إضافة حرف أو كلّمة يظهر أنها ساقطة من المتن، ولم نجد في النّسخ ما يُرشِد إلى إكمال ذلك النّقص، فاستجزنا للضّرورة إدراج الإضافة في الصُّلب، مع التّنبيه على ذلك في الهامش، إلَّا أنّنا حاولنا قَدْرَ الإمكان إلَّا نتسرع في إكمال السَّقط باجتهاد منِّا، بحيث نضع ألفاظًا وعبارات ونقحمها في الصّلب على غير أساس علميّ، بل راعَيْنا أنّ نكمِّل النّقص في حالة واحدة، وذلك عندما يكون المؤلِّف قد ذكر هذا النّصّ في كُتُبه الأخرى كالقبس أو العارضة أو الأحكام، أو يكون قد نقل نصًا عن الباجي أوابن عبد البر أوابن رشد أو المازَرِيّ وغيرهم، ففي هذه الحالة استجزنا الاستعانة بتلك المصادر لسَدِّ النقص الموجود بالنُّسَخِ؛ لأننا نعتقد أنّه لا يجوز بحال من الأحوال التصرُّف في من النُّسخة بالزيادة أو النُّقصان.
[ ١ / ٢٨٤ ]
- اعتنينا بضبط آيات القرآن الكريم على ضوء ما جاء في الصحف المتداوَل ضبطًا تامًّا، وأهملنا الإشارة إلى الأخطاء الواردة في رسم بعض الآيات وكتابتها، وذلك بعد التّثبُّت إنّ ما حَدَثَ هو خطأ مقطوعٌ به، ولا وجْهَ له لا قراءةٍ من القراءات القرآنية، وكنّا لا نتسرّع لا التّخطئة بمجرد النّظَر في الصحف الشريف الَّذي بين أيدينا [رواية حفص أو ورش] لاحتمال أنّ يكون المؤلِّف قصد من إيراد الآية على إحدى القراءات، فيكون التصرّف فيها مجانبا للصّواب. وكنّا نوَدُّ لو استطعنا إثبات نصّ رواية ورش، ولكن من أسَفٍ لم نستطع الحصول على برنامج هذه الرِّواية المعتمدة في الغرب الإِسلامي.
وكذلك اجتهدنا في ضبط أغلب الأحاديث النَّبويّة الشريفة بالشّكل ضبطًا تامًا، على ضوء ما جاء لا مصادر الحديث النّبوي، كما لم نُغفِل ضبط بعض الكلمات الَّتي تدعو الحاجة إلى ضبطها، أمْنًا من اللّبس، وحفاظا على أداء المعنى، وراعَيْنا في ذلك اختيار الوجه المشهور في الضّبط بالشَّكل عند علماء النّحو واللُّغة، كما تجنّبنا ضبط الكلّمات التي تحتمل مختلف الأوجه، وقد نضبطها أحيانا بإثبات أكثر من وجه، إذ لا شَكَّ عندنا أنّ الضّبط بالشَّكْلِ هو سبيل لإدراك المعاني والتمييز بين الدّلالات المتعدّدة للكلمة الواحدة الَّتي يتنوعّ معناها باختلاف حركاتها، ولذلك جاء اجتهادنا في شكل الأحاديث النبويّة والأشعار تشكيلًا يُزيلُ عنها الإبهام والوهم، وكذلك الأمر في تشكيل بعض الألفاظ الَّتي يلتبس معناها إذا أهمِلَ شكلها، كالمبنيّ للمجهول، والكلّمات الَّتي فيها تصغير أو تشديد، وقد حاولنا -قَدْرَ الاستطاعة- الدِّقَّة والحرص، مع التّريُّث والتّحرُّز من الانسياق إلى المسموع المألوف، وذلك بالرّجوع إلى المعاجم اللَّغوية.
[ ١ / ٢٨٥ ]
- استعنّا في تقويم النَّصِّ وتحريره بالمصادر الَّتي نقل منها المؤلِّف أو استفاد منها، إلا أننا كنا حَذِرين شديد الحَذر؛ لأنّه يحتمل أنّ يكون المؤلِّف قد تصرَّفَ في المادة المنقولة زيادة ونقصًا، تغييرًا وتبديلًا، وقد كان الأمر سهلًا ميسورًا في النّصوص الَّتي عزاها المؤلِّف إلى أصحابها، ولكن جلّ الأقوال والاقتباسات أوردها المؤلِّف دون عَزْوِها إلى قائلها، وإنّما أوردها مُصَدَّرَة ببعض العبارات المبهمة نحو: وقيل، وقال بعض العلماء، وقال علماؤنا، وربّما أهمل هذا أيضًا، ممّا استَوْجَب مِنّا جُهدَا مضاعَفًا في الكشف عن النّقول، وقد ألهمنا الله الصّواب في الكشف عن كثير من النّقول، فوثّقناها بفضل الله تعالى ومَنِّه وكَرَمه، واجتهدنا في إثبات جُلّ الفروق في الهامش، باعتبار أنّ تلك المصادر نُسَخٌ أخرى من المخطوط، مع العلم أنّ المؤلِّف -رحمة الله عليه- يُورِد أحيانًا بعض النّصوص من حِفْظِه دون الرُّجوع إلى الأصل، أو يحتمل أنّ يكون قد غّيَّرَ عمدًا بعض الألفاظ وتصرُّفَ فيها، وفي هذه الحالة كنا نعلِّق في الحاشية على ما ظهر لنا من المقارنة بالأصل المنقول منه.
- ربطنا الكتاب ب "الموطَّأ" طبعة الأستاذ بشار عواد معروف، وذلك بالإشارة إلى كلّ حديث مشروح في الهامش.
- قارنا قَدْرَ المستطاع بين "كتاب المسالك" ومؤلِّفات ابن العربيّ الأخرى، وقد دعانا إلى ذلك سببٌ منهجيٌّ عامٌّ، من حيث إن فكر كلّ عالِمٍ يُمثِّلُ وَحْدَة واحدة؛ فالإشارة وربط الأفكار بعضها ببعض يساعدُ على فهم مراد المؤلِّف، ويزيدنا طمأنينة إلى صحّة النَّصِّ ووثاقته.
[ ١ / ٢٨٦ ]
- حاولنا أنّ نكون مقتَصِدِين أشدَّ الاقتصاد في التّعليق على النّصّ؛ لأنّنا مؤمنون بأنّ الاستكثار في هذا الجانب سيكون على حساب تحرير النَّصِّ وتحريره من التّصحيفات والتّحريفات؛ ولأنّ الهدف من القراءة والضَّبْط هو محاولة إخراج النُّصِّ بصورة صادقة كما وَضَعَه مؤلِّفه كَمًّا وكيفًا، بقَدْرِ الإمكان، فالغاية القُصوى من قراءتنا هي تحرير النَّصِّ، ومحاولة فهمه فهما صحيحًا، ومع ذلك فلقد سمحنا لأنفسنا بالتّعليق على بعض المواضع ممّا رأينا أنَّه يخدم النّصُّ ويقرِّبُه من الباحثين.
- خَرَّجنا أحاديث أغلب "مُوَطَّأ يحيى" وذلك بتَتَبُّع من رواه عن مالك من تلامذته، سواء كانوا من أصحاب الموطّآت، أم من الرُّواة الَّذين رووا عنه خارج "الموطَّأ".
- عَزَوْنَا الآيات القرآنية، وخرّجنا جلّ الأحاديث النّبويّة الشريفة والآثار، بصورة نرجو أنّ يكون التّوفيق قد حالَفَنا في جُلِّها.
- ترجمنا لبعض الأعلام الّذين وَرَدَ ذِكْرُهُم في النّصِّ ترجمة موجَزَة، وكرهنا التّعريف بكل الأعلام لقلّة الجدوى.
- كما عرُّفنا بالغمور والمبهَم من الواضِع والبلدان، بالقَدْرِ الُّذي يخدم النَّصِّ ويوضِّحه وييسِّر الانتفاع به، وتغاضَينا مُتَعمِّدين التّعريف بالمشهور.
- شرحنا بعض الألفاظ الغريبة.
- خَرُّجْنا -بقَدْرِ الاستطاعة- الأشعار والأرجاز بالرّجوع إلى الدّواوين ومجاميع الشِّعْر وكُتُب الأدب.
[ ١ / ٢٨٧ ]
- ذيَّلْنا كل جزء بفهرست إجمالي للموضوعات، وأخلصنا الجزء الثامن للفهارس الفنية المختلفة، الَّتي تُيسِّر على الباحث الوصول إلى المعلومات والمعارف المتضمّنة في الكتاب في يُسْرٍ لا يشوبهُ عُسر.
وأخيرا، فلقد توخَّينا لهذا الكتاب كلّ أسباب النُّجح، وتَلَّمسناها من مظَانِّها، ومع ذلك فهناك جملة من العبارات الَّتي لم تستقم لنا، فلم نوفَّق إلى إقامتها، فنرجو ألَّا نكون قد أسأنا وأفسدنا من حيث أردنا "الإحسان والإصلاح. فالباحث مهما بذل من جهد، وتَكَبَّد من عَناءٍ، فلن يكون بمَنْجَاةٍ من الزَّلَل والقُصور، وبمأمَنِ من الكَبْوَة والعِثَار. نسأل الله سبحانه أنّ يكتب لنا السداد في أعمالنا كلّها، وأن يمدَّنا بالتّمكن والنشاط في هذا الجهاد الشريف، من أجل إحياء إرثنا المخطوط، ومنه وحده نرجو الرِّضا ونلتمسُ المثوبة.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتب ذلك بمكة المكرمة:
عائشة السليمانية ومحمد السُّليماني
أولاد الشّيخ الحسين السُّليمانيّ الحمُّوديّ الإدريسي الحسَنِيّ
في اللَّيلة الَّتي يُسْفِرُ صباحُها عن يوم الثّلاثاء ٢٤ من شهر رمضان
المبارك عام ١٤٢٧ من هجرته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم
بمنزلهم بحي الروضة
[ ١ / ٢٨٨ ]