وهو قوله (٣): "إنَّ المُغِيرَةَ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا" إلى آخره، هكذا رواهُ مالكٌ فيما بَلَغَنِى، وظاهرُ مَسَاقِهِ في رواية مالك يدُلُّ على الانقطاع، لقوله: "أَنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يومًا، فدخلَ عليه عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ" ولم يذكر فيه سَمَاعًا (٤) لا من عُرْوَة ولا سماعًا من ابن أبي مسعود، وهذه اللّفظةُ - أعني "أنّ" - عند جماعة المحدِّثين- محمولةٌ على الانقطاعِ حتَّى يتبيَّنَ السَّماعُ واللِّقاءُ. ومن المحدِّثين أيضًا من لا يَلتفِتُ إليها، ويَحْمِلُ الأَمْرَ على المعروفِ من مُجالَسَةِ بعضِهِم بعضًا (٥)، وأخذِ بعضِهِم عن بعضٍ، فإن كان معروفًا لم يسأَلْ عن هذه اللَّفظةِ، وكان الحديثُ عنده على الاتِّصالِ.
_________________
(١) في الموطأ (١) رواية يحيى، ورواه عن مالك: محمَّد بن الحسن (٢)، وابن القاسم (٤٥)، والقعنبي (٤)، وسويد (١)، والزهري (١).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢١)، ومسلم (٦١٠) من طريق مالك.
(٣) أي قول عُروة بن الزُّبير في حديث الموطّأ السابق ذِكرُهُ. والفقرتان التاليتان مقتبستان من التمهيد: ٨/ ١١ بتصرُّف يسير.
(٤) أي سماع ابن شهاب.
(٥) في التمهيد بزيادة: "وشهادة بعضهم لبعض".
[ ١ / ٣٦١ ]
قال الشّيخ (١): وهذا أشبه أنْ يكونَ مذهبَ مالكٍ - ﵁ -؛ لأنه في "مُوَطئِه" لا يفترق بين شيء من ذلك.
قال علماؤنا (٢): هذا حديث مُتَّصِلْ صحيح مُسنَدْ عند جماعة أهل النقل، و"أنَّ" في هذا الموضع محمولةٌ على الاتِّصال حتى يتبيَّنَ الانقطاع" (٣).
وفي روايتهم (٤) عن ابن شهاب في ذلك؛ أنّ الصّلاة التي أخَّرَهَا عُمَرُ هي صلاةُ العصرِ، وهي الصّلاة التي أَخَّرَها الْمُغِيرَة أيضًا. وليس في روايتهم في هذا الحديث أكثر من أنّ جبريل -﵇- صلى برسول الله - ﷺ - خمس صلوات في أوقاتهنّ على ما في ظاهر الحديث. وليس في رواية هؤلاء أيضًا ما يدلُّ على أنَّ جبريلَ صلى به مرَّتين، كل صلاةٍ في وقتين، فتكونُ عشر صلوات كما في سائر الأحاديث المرويّة في إمامة جبريل.
وفي حديث مَعْمَر وابن جُرَيْجٍ عن ابنِ شهابِ؛ أنّ النّاس صَلَّوا خَلفَ رسولِ الله - ﷺ - حين صلَّى به جبريل -﵇- (٥).
قال الإمام: والصحيح أنّ جبريل نزلَ من الْغَدِ من ليلةِ الإسراءِ على رسولِ الله - ﷺ -، فأقام له وقت الصّلاة على السَّعَة في اليومين، وبذلك جاءتِ الآثارُ الْحِسَانُ المتَّصلةُ في إمامةِ جبريل من حديث ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبي سعيد الْخُدريّ (٦).
_________________
(١) يحتمل أنّ يكون المقصود هو الشيخ ابن عبد البر؛ لأنّ الكلام منقول من التمهد، ويحتمل أنّ يكون ابن العربي هو المراد؛ لأن العادة جارية عند رواة الكتب ونساخ المخطوطات بمثل هذه التعبيرات.
(٢) المقصود هو الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ١/ ٢٧ (ط. القاهرة).
(٣) تتمة الكلام كلما في الاستذكار: "وقد بأن في هذا الحديث اتِّصالُه لمجالسة بعض رواته بعضًا".
(٤) أي رواية أصحاب ابن شهاب: مَعْمَر بن راشد، واللّيث بن سعد، وسفيان بن عُيَيْنَة، وشعيب بن أبي حمزة، وابن جُرَيْج. وانظر رواياتهم في التمهيد: ٨/ ١٢ - ١٦.
(٥) أخرجه عبد الرّزّاق (٢٠٤٤) ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد: ٨/ ١٣ - ١٤، كما أخرجه أحمد: ٤/ ١٢٠، والطبراني في الكبير: ١٧/ ٢٥٦ (٧١١).
(٦) انظر هذ. الأخبار الحسان في التمهيد: ٨/ ٢٥ وما بعدها، وقد توسع المؤلِّف في شرح الصحيحين في الكلام على حديث إمامة جبريل، وبيَّنَ ما فيه من علوم على اختلاف أنواعها، من حديث وُطُرقِهِ، ولغة وتصريفها، وتوحيد وعقليات، وعبادات وآداب، ونحو ذلك فيما نبف على ثلاثين ورقة. انظر أحكام القرآن: ٣/ ١١٩٥
[ ١ / ٣٦٢ ]
واختلف النَّاس في تاريخ الإسراء:
فقال الذهبي: أُسْرِيَ برسول الله - ﷺ - بعد مَبْعَثِهِ بثمانيةَ عشرَ شَهْرًا (١).
وقال ابنُ. سُحنون: أُسْرِيَ برسول الله - ﷺ - ليلةَ سبعٍ وعشرينَ من ربيعِ الأوَّلِ قبلَ الهجرة بسَنَةٍ، وفُرِضَت الصَّلاةُ عليه (٢).
وقال مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، عن ابن شهاب: إنّ الإسراءَ كان قبلَ الهجرةِ بسَنَةٍ (٣).
ورُوِيَ عن ابنِ شهابٍ؛ أنّ الصلاة فُرِضَتْ بمكَّةَ بعد ما أَوْحَى اللهُ إليه بخَمْسِ سنينَ (٤).
وهذه آثار مختلفة، والصّحيح منها -إن شاء الله-؛ أنّ الإسراء كان قبل الهجرة بسَنَة.
واختلف النَّاسُ هل كان رسولُ الله - ﷺ - يستقبلُ بصلاته وهو بمكّة الكعبة أم لا؟ على قولين عن السَّلَف مَرْويَيْن:
- أحدُهما: أنّه كان يستقبلُ بمكَّة الكعبة بصلاتِه، فلمّا قَدِمَ المدينة استقبلَ بيتَ المَقْدِسِ سِتَّة عشرَ شهرًا (٥)، أو سبعةَ عشرَ شهرًا (٦).
- وقيل: إنّه كان يستقبلُ بمكَّةَ بيتَ المَقْدِسِ (٧).
_________________
(١) أورد ابن عبد البرّ هذا القول في التمهيد: ٨/ ٤٨ وعزاه إلى أبي بكر محمَّد بن عليّ بن القاسم الذهبي في تاريخه، ثم عقّب عليه بقوله: "لا أعلمُ أحدًا من أهل السِّيرِ قال ما حكاهُ الذّهبيّ، ولم يُسْنِد قولَهُ إلى أحدٍ ممن يُضَافُ إليه هذا العلمُ منهم، ولا رَفَعَهُ إلى من يُحْتَجُّ به عليهم".
(٢) ذكر ابن عبد البر هذا القول في التمهيد: ٨/ ٤٩، وعزاه إلى أبي إسحاق الحربي.
(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره: ٣/ ٢٣، كما أورده ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٥٠ ورواه مسندًا بلفظ: "أسْري برسول الله - ﷺ - إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة".
(٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد: ٨/ ٥١.
(٥) رواه ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/ ١٣٥ من حديث البراء.
(٦) رواه ابن عبد البر في المصدر السابق: ١٧/ ٤٨.
(٧) رواه ابن عبد البر في المصدر السابق: ٨/ ٥٣ - ٥٤ من حديث ابن عباس.
[ ١ / ٣٦٣ ]
والصَّحيحُ أنّه كان يستقبِلُ الكعبةَ والبيتَ أحيانًا، والله أعلم.
وقال الشيخ أبو عمر (١): "إنّه كان يستقبِلُ بمكَّةَ الكعبة، فلمّا قدِمَ المدينةَ استقبَلَ بيتَ المَقْدِسِ ستّةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، ثمّ وجّهه اللهُ إلى الكعبة، وهذا أصَحُّ القولينِ عندي".
والقول الثاني: روى يُونُسُ بنُ بُكَيرٍ عن ابنِ إسحاقَ؛ قال: إنّ جبريلَ أتى رسولَ الله - ﷺ - صبِيحَةَ الإسراءِ، فهمزَ له بِعَقِبِهِ في ناحية الوادي، فانفَجَرَتْ عينٌ من ماءٍ، فتوضَّأَ جبريلُ ورسولُ الله - ﷺ - يَنْظرُ إليه، فتوضَّأَ إلى الكعبين (٢) ونَضَحَ فَرْجَهُ، ثمّ قامَ فصلَّى ركعتين وأربعَ سَجَدَاتٍ (٣).
وهذا- والله أعلم- إنما أخذَهُ ابنُ إسحاق من حديث زَيْد بن حارثة، رواه عُقَيلُ ابنُ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروَةَ، عن أُسامَةَ بنِ زَيْدٍ، عن أبيه زَيْدِ بنِ حارثةَ؛ أنّ رسولَ الله - ﷺ - أوّل ما أُوحِيَ إليه أتاهُ جبريلُ فعلَّمه الوضوءَ والصلاة، فلما فرغ من الوضوء، أخذ غَرْفَةً من ماء فنضح بها فَرْجَهُ (٤).
قال الشّيخُ- أَيَّدَهُ الله (٥) - قوله: "أوَّلُ ما أوحِيَ إليه في الصّلاة" وهذا يدلّ على أنَّه
_________________
(١) في الاستذكار: ١/ ٣١ - ٣٣ (ط. القاهرة) والكلام التالي مقتبس من الكتاب المذكور.
(٢) الظاهر أنه سقطت في هذا الموضع عبارة رأينا إثباتها من الاستذكار، وهي: "فوّضأ وجهه، واستنشق، ومَضْمَضَ، ومسَحَ برأسه وأذُنَيْهِ وغسل يديه إلى المرفقين، ورجليه إلى الكعبين".
(٣) رواه ابن عبد البر في الاستذكار: ١/ ٣٣ (ط. القاهرة)، والطبري في تاريخه: ١/ ٥٣٥ (ط. دار الكتب العلمية)، وابن عساكر في الأربعين:٥٠، وأورده ابن هشام في السيرة: ٢/ ٨٣ (ط. دار الجيل).
(٤) أخرجه أحمد: ٤/ ١٦١، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٤٦٥٧)، كما أخرجه البيهقي: ١/ ١٦١، وابن عبد البر في الاستذكار: ١/ ٣٤ (ط. القاهرة). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١/ ٢٤٢ "رواه أحمد وفيه رشدين بن سعد وثّقه هيثم بن خارجة وأحمد بن حنل في رواية، وضعّفه آخَرون".
(٥) وقع في الفقرة التّالية اضطراب، ولا نعلم هل هو اضطراب من الناسخ أم من المؤلف ﵀، وكلام الشيخ كما هو في الاستذكار ١/ ٣٤ كما يلي: ومعنى قوله: في أول ما أوحي إليه، أي أوحي إليه في الصلاة. وهذا دليل على أنه لم يصل صلاة قط بغير طهور، ولهذا قال مالك في حديثه عن عبد الرحمن بن القاسم حديث عِقْدِ عائشة حين فقدوا الشمس وهم على غير ماء: فنزلت آية التيمم، ولم يقل: فنزلت آية الوضوء، وآية الوضوء وإن كانت مدنية فإنما كان سبب نزولها التيمم".
[ ١ / ٣٦٤ ]
لم يُصَلِّ قَطُّ صلاةً بغيرِ طَهُورٍ، ولهذا قال مالك في آية الوضوء، وآية الوضوء وإن كانت مَدَنِية والصّلاة مكيَّة، فإنّ مالكًا روَى في حديث عِقْد عائشة فقال: وهم على غير ماء فنزلت آية التَّيَمُّم، ولم يقل: ونزلت آيةُ الوضوء دليل على أنّ الوضوء كان قبل.
تنبيه على مقصد:
اختلف العلماء -رضوان الله عليهم- هل كان رسولُ الله - ﷺ - يصلَّي قبلَ الإسراءِ أم لا؟ فقالت جماعة المُحَدِّثين: إنّ رسولَ الله - ﷺ - لم يكن يصلِّي قبلَ الإسراءِ صلاةً مفروضةً، إلَّا ما كان أُمِرَ به من قيام اللّيلِ من تحديد ركعاتٍ معلوماتٍ لا في وقتٍ مَحْصُورٍ. وقال جماعةُ الفقهاءِ الّذين ليسوا من أهل النَّقل للحديث، مثل ابن حبيب وغيره: إنّ رسول الله - ﷺ - كان يصلِّي ركعتين بالغَدَاةِ وركعتين بالْعَشِىِّ، ويصومُ ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وتأوَّلَ فيه قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (١) وقال: هي صلاة مكَّة حين كانتِ الصّلاةُ ركعتين غُدوة وركعتين عشيّة، ولم يزل ذلك فرض الصلاة حتى أُسْرِيَ برسول الله - ﷺ - ففرضت الصلواتُ الخمسُ.
قال الإمامُ الحافظُ: وهذا الّذي رواه عبد الملك بن حبيب باطلٌ لا أصلَ له عند جماعة المحدِّثين، ولا ثبت نَقْلُه، وقد تابعه عليه جماعة من أهل الفقه في مصنّفاتهم، وهي لا تثبتُ بوجهٍ ولا على حالٍ.
قال أبو عمر: "ولم يختلف العلماءُ أنَّ فرضَ الصّلاةِ كان في الإسراءِ، وأنّه قد تقرَّرَ إجماعُ الأُمَّة على عَدَدِ فَرْضِ الصّلاةِ، وأنّها خمس صلوات وعدد ركوعها وسجودها، غير أبي حنيفة فإنّه شَذَّ وزاد أنّ الوتر فرضٌ (٢)، وليس ذلك في حديث الإسراءِ، وأدخل البخاريُّ (٣) حديثَ عائشة، فبيَّنَ أنّ الصّلوات المفروضات على رسول الله - ﷺ - خَمسٌ."
_________________
(١) طه:١٣٠.
(٢) انظر كتاب الأصل: ١/ ١٤٨، ومختصر اختلاف العلماء: ١/ ٢٢٤ ومختصر الطحاوي: ٢٩، والمبسوط: ١/ ١٥٥.
(٣) في صحيحه (٤٥٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]