والصّلاةُ في اللّغة تُتَصَوَّرُ على وجوهٍ:
فمنها: الدُّعاء لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٤)
ومنها: الاستغفارُ والتَّرَحُّمُ.
_________________
(١) انظر الفقرة الأولى من هذا الفصل في القبس: ١/ ٧٦.
(٢) قاله الباجي في المنتقى: ١/ ٣.
(٣) هو القول السابق نفسه.
(٤) التوبة: ١٠٣.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ومنها: الصّلاةُ على الجنائز.
وقيل: الصّلاةُ من الله رحمةٌ (١)، ومنَ الملائكةِ استغفارٌ، ومنَ المؤمنينَ دُعاءٌ.
وذهب عبد الوهّاب (٢) إلى أنّها مُجْمَلَةٌ، وإن هذا اللّفظ يقعُ على الرُّكُوعِ والسُّجودِ وسائر ما تشتمل عليه الصّلاة من سائر الأقوالِ والأفعالِ.
وذهب علماؤُنا (٣) إلى أنّها لفظةٌ عامَّةٌ، إلا أنّها واقعةٌ على الدُّعاء فيها خاصّة، وأنّ سائرَ الأقوالِ والأفعالِ سردت فيها ومعانٍ تقترن بها.
واشتقاق الصّلاة الّتي هي ركوعٌ وسجودٌ من الصَّلاَ، وهو عِرْقٌ في موضعِ الرِّدْفِ، وهما صَلَوَان.
وقيل: هو العظمُ الّذي فيه مَغْرِزُ الذّنب، فمعنى قوله: صلّى فلانٌ، أي حنا ذلك الموضع.
وقيل: هو السابق من المُصَلِّي من الخيل (٤)؛ لأنّ النبي -﵇- أوّل من صلَّى مع جبريل فكان سابقًا، وكان كلّ مَنْ بَعْدَه مُصَلِّيًا.
وقيل: الصّلاةُ مأخوذة من التّصلية، من قولهم: صَليتُ العُودَ، إذا ليّنته بالنّار، وهو أن تُدْنِيهِ من النَّارِ إذا كان يابسًا، فإذا أصابه حَرٌّ النّار لاَنَ فيسهل تقويمُه، قالوا: فصلاةُ العبدِ من هذا؛ لأنّه إذا قام بين يَدَي الله تعالى أصابه من معرُوفِهِ ورحمتِهِ ما يلينُ به ويستقيم اعوجاجُه.
_________________
(١) انظر العارضة: ٢/ ٢٦٨.
(٢) نقل المؤلف قول عبد الوهاب من المنتقى: ١/ ٤. ويحتمل أن يكون قول عبد الوهاب قاله في شرح الرسالة.
(٣) المراد وابن خويز منداد كما نَصَّ على ذلك الباجي في المنتقى: ١/ ٤.
(٤) انظر غريب الحديث لأبي عبيد: ٣/ ٤٨٥، والزاهر لابن الأنباري: ١/ ٢٢٩.
[ ١ / ٣٥٨ ]
والصّلاة من ذوات الواو، والجَمْعُ صَلَوَات، وصَلَوَات اليهود كنائسهُم، واحدُها صلوتا فعُرِّبَت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ الآية (١)، إنّما أراد كنائسهم، والله أعلم.
تنبيه على مقصد:
فإن قيل: لِمَا قدّم الصّوامع والْبِيع والصّلوات على المساجد؟
فالجواب عن ذلك: أنّه إنَّما قدَّمَ ذلك لقرب الساجد من ذكر الله تعالى، كما قدَّمَ الظَّالم على المقتصِد والسّابق، لقُرْبِ السّابقِ من جنَّاتِ عَدْنٍ. والصّلواتُ كنائسُ اليهودِ.
وقد جعلَ الله في الصّلاة خِصَالًا، منها أنْ جعل قيامها مقرونًا بالبِشَارة، وقراءتها مقرونة بالشّهادة، وركوعها مقرونًا بالمغفرة، وسجودها مقرونًا بالقُرْبَة.
واعلموا أن للصّلاة سبعة أسماء: مفتاحٌ، وشِعَارٌ، ونُورٌ، وبرهانٌ، ورُكْنٌ، وتحريمٌ، وتحليلٌ.
مفتاحُها: الوضوء، وشعارُها: الأذان، ونورُها: الرّكوع، وبرهانُها: السّجود، وركنُها: التَّشهْد، وتحريمُها: التكبير، وتحليلُها: التسليم.
وقد فضَّلها اللهُ تعالى على سائر الطّاعات بأربعة أشياء: وهي الخضوع، والخدمة، والقُرْبَة، والمناجاة.
السَّجدةُ في الصّلاة أفضل من الصّلاة، والقربةُ لله أفضل من السَّجْدَة.
وبيان ذلك: أنّ السّجدة سببٌ للقُرْبِ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٢).
وقيل: الصّلاة هي الطَّلَب، والسُّجود هو الوجود.
وقد صرَّحَ الله جلّ ذِكْرُهُ بذكر الصّلاة، وسمّاها صلاة في أزيد من عشرة مواضع:
_________________
(١) الحجّ: ٤٠.
(٢) العلق:١٩.
[ ١ / ٣٥٩ ]
- الأول- قيل: سمَّى صلاةَ الخَوفِ صلاةً، فقال عزّ من قائل: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية (١).
- وسمَّى جميعَ الصّلواتِ صلاةً، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ الآية (٢)، كقوله (١): ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣).
- وسمى العبادةَ صلاةً، فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الآية (٤)، وما كانت عبادتهم إلَّا ضحكًا وتصفيقًا.
- وسَمّى الخضوعَ صلاةً، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية (٥).
- وسمى السَّجدةَ صلاةً، فقال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٦).
- وسمَّى قراءنَ الفَجْرِ صلاةً، فقال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧).
- وسمَّى صلاةَ النّافِلَةِ صلاةً، فقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية (٨).
- وسمَّى القرآن صلاةً، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٩) أي بقراءتك.
وفي القرآن من هذا كثيرٌ.
_________________
(١) النساء: ١٠١.
(٢) الأنعام: ١٦٢.
(٣) المؤمنون: ٢.
(٤) الأنفال: ٣٥.
(٥) التوبة: ١١.
(٦) النساء: ٤٣.
(٧) الإسراء: ٧٨.
(٨) طه: ١٣٢.
(٩) الإسراء: ١١٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]