وفيه فوائد:
الفائدة الأولى (٢):
قوله (٣): "حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ": يحتَمِلُ أنّ يكون أراد البيان للجماعة؛ لأنّه لو أخبر القائل لانفردَ السْائلُ بذلك، والصّلاةُ جامعةٌ يحضرُها كثيرٌ من الصّحابة، فيكونُ ذلك تعليمًا للجميعِ.
واختلَفَ المتكلِّمونَ من أهلِ الأصولِ في هذا الحديث، هل يقتضي تأخير البيان أم لا، على قولين:
فقال قومٌ: ليس هذا من تأخيرِ البيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ.
والفرقةُ الثّانيةُ أجازَتة، واحتجَّت بهذا الحديثِ.
فأمّا الأبهَرِيُّ وغيرُه من الشّيوخِ فمَنَعُوا منه (٤).
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في التمهيد: ٤/ ٣٣٢ رواه البزّار كما في كشف الأستار: ١/ ١٩٣، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١١٥)، وابن عبد البر في التمهيد: ٤/ ٣٣٢، قال الهيثمي في مجمع الزواند: ١/ ٣١٧ "رواه البزّار ورجالُه رجالُ الصّحيح".
(٢) هذه الفائدة مقتبسة من المنتقى: ١/ ٦ - ٧، ما عدا بعض الفقرات المقتبسة من الاستذكار والتمهيد، وقد أشرنا إليها في الهامش.
(٣) أي قول عطاء في حديث الموطأ السابق ذِكْرُهُ.
(٤) يقول ابن القصّار في مقدمته: ١١٧ "ليس يختلف مالك. ﵀. وسائر الفقهاء في أنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز".
[ ١ / ٣٧٢ ]
وجوَّزَهُ القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب الباقّلانيّ (١) وجمهورُ أصحابهِ (٢)، وقالوا (٣): قد كان النَّبيُّ - ﷺ - قادرًا على أنّ يُبَيِّنَ للسائل ميقات تلك الصّلاة وسائر الصّلوات بقوله في مجلسه ذلك، ولكنّه أخَّر ذلك ليبيِّنَه عملًا وقولًا وفعلًا (٤).
ولذلك قال علماؤنا (٥): "قد يكونُ البيانُ بالفعل -فيما سبيلُه العَمَلُ- أثبتَ في النّفوسِ من القولِ، دليلُه قوله -﵇-: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ" رواه ابنُ عبْاسٍ عنه (٦)، ولم يَرْوِهِ غيرُه".
ووقتُ الخطابِ بالصّلاةِ وبيان أحكامها وأوقاتها قَد تقدَّمَ قبل السُّؤال؛ لأنّه لم يسأل إلَّا عن عبادةٍ ثابتةٍ، ولم يختَلِفْ أحدٌ في أنَّ للنَّبيَّ - ﷺ - أنّ يؤخِّر جواب السّائل، وقد فعَلَ ذلك في أشياء كثيرةٍ، وقد تكلَّم العلماءُ في تأخير جوابِ السّائلِ، وما في ذلك من التغريرِ بفوَتِ العِلْمِ، لجوَازِ أنّ يكونَ السّائلُ قد ماتَ قبْلَ وَقْتِ التّعليمِ الّذي أُخِّر إليه.
والجوابُ هو: أنّ النَّبيَّ - ﷺ - إنما حملَ ذلك على العادةِ واسْتِصْحَابِ الحَالِ (٧).
وأيضًا: فإنّ الظّاهر من هذا الحديث أنّه سأل من بعد صلاة الصّبح من يوم سؤاله؛ لأنّه بدأَ بتعلِيمِهِ من صلاة الصُّبحِ من الغَدِ، فلم يتخلّل بين وقتِ السُّؤال ووَقْتِّ التَّعَلُّمِ وقت صلاة يخافُ عليه فيها الجَهْل بالوَقْت. وعلى قولنا: إنّه سأل عن تحديد الوقت، فالأمرُ أسهل، ووجه جَوَازِ التأخيرِ أبين، ولو مات السائلُ قبلَ وقتِ التّعليمِ، لكان قد
_________________
(١) في التقريب والإرشاد: ٣/ ٣٨٦.
(٢) انظر إحكام الفصول للباجي: ٣٠٣، والجر المحيط: ٣/ ٤٩٣.
(٣) الفقرة التالية مقتبسة من التمهيد: ٤/ ٣٣٤
(٤) الّذي في التمهيد: ٤/ ٣٣٤ "ولكنه أخر ذلك ليبيِّن ذلك له عملًا".
(٥) المقصود هو الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ١/ ٤٩ (ط. القاهرة) والفقرة التي بين مزدوجتبن مقتبسة منه.
(٦) رواه أحمد: ١/ ٢١٥، وابن حبان (٦٢١٣)، والطبراني في الأوسط (٦٩٤٣)، والحاكم: ٢/ ٣٥١ (ط. عطا) وصححه، قال الهيثمي في المجمع: ١/ ١٥٣ "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات".
(٧) أي استصحاب حال السّلامة.
[ ١ / ٣٧٣ ]
أُثِيبَ على بحثه وسؤاله عن العِلْمِ.
قال الشّيخ أبو عمر - ﵁ (١) -: "لم يمتنع رسولُ الله - ﷺ - عن الجوابِ له، لِمَا يخافُ عليه من اخْتِرَامِ المَنِيَّةِ؛ لأنّ الله تعالى قد أنبَأَهُ* بأنّه لا يفوته سائله -والله أعلم- وأنّه قد أَوْحَى إليه* أنّه لا يَقْبِضُه حتّى يُكمِلِ به الدِّينَ، وُيبَيِّنَ للأُمَّةِ على لسانه ما يُتَوَصَّلُ به إلى معرِفَةِ الأحكامِ، وكذلك فعلَ - ﷺ -".
الفائدة الثانية (٢) في هذا الحديث:
أنّ أوَّلَ صَلاةِ الصُّبْحِ طلوعُ الفَجْرِ، وأنّ آخِرَ وقتِها ممدودٌ إلى الإسفارِ.
وقوله: "صلَّى الصُّبْحَ حينَ طلعَ الفجرُ" يريدُ بعدَ أنّ طلعَ الفجرُ، ولكنَّه جاءَ باللَّفظِ على المبالغةِ. وكذلك قولهُ: "بَعْدَ أنّ أسْفَرَ" إنّما يريدُ بعد أنّ بدأ الإسفار، لأنّه لو صلَّى بعد جميع الإسفار، لكانت الصّلاةُ عند طلوع الشّمسِ، وإنّما قصدَ من ذلك إلى الإخبار بتقديم الصّلاة في أوّل ما يمكن فعلها فيه، وتأخيرها إلى طلوع الشّمس، وهو آخر ما يمكن فعلها فيه.
الفائدة الثالثة (٣):
في هذا الحديث: بيان أنّه ليس لصلاةِ الصُّبحِ وقتَ ضَرُورةٍ، وأنّ وقتَ الاختيارِ لها متَّصِل بطلوعِ الشّمسِ، وقد. اختلفَ عن مالكٍ في ذلك، فمرَّةَ قال: ليس لها وقت ضرورةٍ (٤) على مقتضى الحديثِ، ومرّةَ قال: لها وقتُ ضرورةٍ.
_________________
(١) في التمهيد: ٤/ ٣٣٤.
(٢) الفقرة الأولى من هذه الفائدة مقتبسة من الاستذكار: ١/ ٤٩ (ط. القاهرة) والباقي مقتبس من المنتقى: ١/ ٧ بتصرف.
(٣) هذه الفائدة مقتبسة من المنتقى: ١/ ٧ - ٨.
(٤) وهو الّذي رجّحه المؤلِّف في العارضة: ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ حيث قال: "والصّحيح عن مالك أنّ وقتها يمتدّ إلى طلوع الشمس، ولا وقت ضرورة لها، وما رُوِيَ عنه خلافه لا يصحّ".
[ ١ / ٣٧٤ ]
فأمَّا ما يقتضي أنّ جميع وقتها وقت اختيار: أنّ من رجا أنّ يُدْرِك الماءَ قبلَ طُلوعِ الشّمسِ لم يتيمّم، فلو كان وقت الاختيار إلى الإسفار، لرَاعَى الإسفارَ في جوازِ التيمُّمِ، كما راعَى مَغِيبَ الشَّفَقِ في التّيمُّمِ للمغربِ.
الفائدة الرّابعة:
صلَّى الصُّبْحَ في اليومِ الثّانِي حينَ طلعَ الفجرُ، وطلوعُ الفجرِ هو ظهورُهُ في الأُفُقِ.
والفجرُ (١) عندنا هو البياضُ -أعني بياضَ النّهارِ- الظّاهِرُ في الأفُقِ المُنْتَشِرِ المُسْتَّطيرِ البيِّنِ المستنيرِ، تُسَمّيه العربُ الخيط الأبيض، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ الآية (٢) يريد بياض النَّهارِ من سَوَادِ اللَّيلِ، قال أبو دُؤَادٍ الإيادِيُّ (٣):
فَلَمّا أضَاءَت لَنَا سُدْفَةٌ وَلاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
وتسميه العرب أيضًا الصَّديع، ومنه انصداع الفجرِ.
والفجرُ مصدرٌ من قولهم: فجر الماء وتفجَّر فجرًا، إذا جرى وانبعثَ (٤).
والفجرُ فجران، فالأوّل تسمِّيه العرب الكاذب، وهو البياضُ المرتفعُ في الأُفُقِ، وُيشَبَّهُ بذنب السّرحان لارتفاع ضوئه، لا يحل الصّلاة ولا يحرّم الطّعام.
والفجر الثاني هو الصّادق، وهو المعترض في الأفُقِ، آخذا من القِبْلةِ، إلى دُبرِ القِبلَة، وهو الّذي يحرِّمُ الطعامَ ويحلِّلُ الصّلاةَ.
_________________
(١) من هنا إلى آخر قوله: (انصداع الفجر) مقتبس من الاستذكار: ١/ ٤٩ (ط. القاهرة)، وانظر التمهيد: ٤/ ٣٣٥.
(٢) البقرة: ١٨٧.
(٣) في ديوانه: ٣٥٢.
(٤) يقول المؤلِّف في الأحكام: ٣/ ١٢٢٠ "الفجر: يعني سيلان الضوء، وجريان النور في الأُفُقِ، من فجر الماء وهو ظهوره وسَيَلانه فيكون كثيرًا، ومن هذا الفَجْر. وهو كثرة الماء. وهو ابتداء النّهار وأوّل اليوم"، وانظر العارضة: ١/ ٢٦١ - ٢٦٢
[ ١ / ٣٧٥ ]
واختلَفَ العلماءُ في التّغليسِ بها، هل هو أفضل من الإسفار أم لا؟
فذهب (١) الكوفيونَ والعراقيونَ أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢) إلى أنّ الإسْفارَ بها أفضَلُ من التغْلِيسِ في الأزمنة كلِّها.
فالّذي كان يُغَلَّسُ بالفجرِ: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو موسى الأشعريّ، وابن الزّبير، وبه أخذ مالك (٣)، واللّيث، والشّافعيّ (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق.
والذي كان يُسفِر بالفَجْرِ من الصّحابة: ابن مسعود (٦) هوأبو الدَّرداء (٧) واسمه عُوَيمِر. وقال ابنُ سِيرِين: كانوا ينصرفون من الصُّبح وأَحدُهُم يرَى موقع نبله (٨)، وبه تعلَّق أبو حنيفة.
واحتج أبو حنيفةَ بالحديثِ المرويِّ عن النبي - ﷺ - أنّه قال: "أَسْفِرُوا بالفجر فهو أعْظَم للأَجْرِ" (٩).
واحتجّ مالكٌ - ﵁ - والشّافعيّ بمُداوَمَتِهِ - ﷺ - ومُداوَمَةِ أصحابِه على التّغليسِ، ألا
_________________
(١) هذه الفقرة مقتبسة من التمهيد: ٤/ ٣٣٧ والباقي مقتبس من شرح البخاري لابن بطّال: ٢/ ٢٠٠ - ٢٠٢
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٢٤، ومختصر اختلاف العلماء: ١/ ١٩٥، والمبسرط: ١/ ١٤٥.
(٣) في المدونة: ١/ ٦١ في ما جاء في وقت الصلاة، وانظر الإشراف: ١/ ٥٩.
(٤) في الأم: ٢/ ٣٤، وانظر الحاوي الكبير: ٢/ ٣٨.
(٥) انظر شرح الزّركشيّ على مخنصر الخرقي: ١/ ٤٩١، والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة: ٣/ ١٦٦.
(٦) روى ابن أبي شيبة (٣٢٤٣) عن إبراهيم التّيمي عن أبيه قال: "كنا نصلِّي الفجر، فيقرأ إمامنا بالسورة من المئين وعلينا ثيابنا، ثم نأتي ابن مسعود فنجده في الصلاة".
(٧) رواه عنه ابن أبي شيبة (٣٢٤٧).
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٥٤).
(٩) أخرجه الشافعي في الرسالة (٧)، والحميدي (٤٠٩)، وأبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤) وقال: "حديث حسن صحيح" وابن ماجه (٦٧٢)، والنسائي في الكبرى (١٤٤٦)، وابن حبان (١٤٨٩)، والطبراني في الكبير (٤٢٨٣)، وفي الأوسط (٩٢٨٩)، كلهم من حديث ابن خَدِيج.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ترى إلى قولها (١): "كُنَّ نساءُ المؤمناتِ يَشهَدْنَ الصَّلاةَ الحديث" (٢)، وهو إخبار على أنَّه كان يُدَاوِمُ على ذلك، وأنه أكثر فعله، ولا تحصل المداومة إلَّا على الأفضل.
وزعم الطّحاويّ (٣) أنّ آثار هذا الباب إنَّما تتّفقُ بأن يكون دخوله -﵇- في صلاة الصُّبح مُغَلِّسًا، ثم يطيلُ القراءةَ حتّى ينصرف عنها مُسْفِرًا.
قال الإمام الحافظُ - ﵁ (٤) -: وهذا فاسد من قوله، لمخالفته قول عائشة؛ لأنها حكَتْ أَنَّ انصرافهنَّ من الصّلاة كان ولا يعرفن من الْغَلَس.
قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: الإسفار الّذي أراد النبي - ﷺ -: هو أنّ يتّضِحَ الفجرُ، فلا يشكّ فيه أنّه قد طلعَ (٥).
قال الإمام: والإسفارُ في اللُّغةِ هو الانكشافُ، يقال أَسْفَرَتِ المرأةُ عن وجهها إذا كَشَفَتْهُ، فكأنّه قال: أسفِرُوا بالفَجْرِ، أي بيّنوه ولا تُغَلِّسُوا بالصّلاة وأنتم تشكّون في طلوعه حِرصًا على طلب الأجر لفضل التَّغليس، فإنّ صلاتكم بعد تيقُّنِ طلوعه أعظم للأجر، وعلى هذا التّأويل لا تتضادّ الآثار.
وممّا يشهد لصحّة هذا التّأويل، حديثُ ابن مسعودة أنّه سأل رسول الله - ﷺ - عن أيِّ الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأوَّل وقتها" (٦).
_________________
(١) أي قول عائشة ﵂.
(٢) أخرجه البخاريّ (٥٧٨)، ومسلم (٦٤٥).
(٣) في شرح معاني الآثار: ١/ ١٧٩ بنحوه. وقد نقل المؤلِّف كلام الطحاويّ بواسطة ابن بطّال في شرح البخاري: ٢/ ٢٠١.
(٤) الكلام موصول لابن بطال، وفي آخر هذه الفقرة ينتهي النَّقل من شرح البخاري لابن بطال. وانظر الاستذكار: ١/ ٥٣ (ط. القاهرة).
(٥) أسنده ابن عبد البرّ في الاستذكار: ١/ ٥٣ (ط. القاهرة).
(٦) أخرجه الدارقطني: ١/ ٢٤٦، وابن خزيمة (٣٢٧)، وابن حبان (١٤٧٣)، والحاكم: ١/ ٣٠٠ (ط. عطا) وصححه، والبيهقي: ١/ ٤٣٤ كلهم من حديث ابن مسعود. وانظر تلخيص الحبير: ١/ ١٤٥، وتحفة المحتاج: ٢٢٤، وخلاصة البدر المنير: ١/ ٦٧.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وأمّا من جعلَ الإسفار تأخير الصّلاة عن أوّل وقتها، فمحجوجٌ بهذا الحديث، وحملُ الآثار على ما ينفي التضاد عنها أَوْلَى، وبالله سبحانه أستعين.