قال الإمام: ذكَرَ مالكٌ (٢) حديثَ جبريلَ مُعَدَّدًا على خمسِ، وفي حديث مسلمٍ؛ أنّه مُعَدَّدٌ على عَشْرٍ (٣)، وذكَرَهُ مالك مُجْمَلًا، وكذلك ذكَرَهُ مسلمٌ (٤) وغيرُه (٥)، من طريق ابنَ عَبَّاسِ وغيرِه مُفَسَّرًا؛ أنّه قال: "أَمَّنِي جبريلُ عند البيت مرَّتينِ" الحديث إلى آخره.
قال الإمام: وفيه نُكتَةٌ بديعةٌ أَغفَلَهَا علماؤُنا -رحمة الله عليهم-، وذلك قوله: "فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في الْيَوْمِ الأَوَّل" معناه: ابتداءً، وكذلك في جميع الصّلوات،* "وَصَلَّى بِيَ الظُّهرَ في اليومِ الثاني" معناه: فرَغَ من جميعِ الصّلواتِ* وبذلك يتحدَّدُ الأوَّلُ من الأوقاتِ.
_________________
(١) انظره في القبس: ١/ ٧٦ - ٧٨.
(٢) في الموطأ (١) رواية يحيى.
(٣) عزو المؤلِّف الحديث إلى مسلم فيه نظر، وإلّا فالحديث المشار إليه أسنده ابن عبد البر في التمهبد: ٨/ ١٧ من طريق ابن أبي ذئب في موطّئه.
(٤) قوله: "ذكره مسلم" فيه نظر، فلعله خطأ من النّساخ أو سبق قلم منه رحمه الله تعالى.
(٥) مثل عبد الرزّاق (٢٠٢٨)، وابن أبي شيبة (٣٢٢٠)، وأحمد: ١/ ٣٣٣، وعبد بن حميد (٧٠٣)، وأبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، وأبو يعلى (٢٧٥٠)، وابن خزيمة (٣٢٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ١٤٦، والطبراني في الكبير (١٠٧٥٢. ١٠٧٥٣)، والدارقطني: ١/ ٢٥٨، والبيهقي: ١/ ٣٦٥، وابن عبد البر في التمهيد: ٨/ ٢٦، وعن هذا الحديث يقول ابن العربي في العارضة: ١/ ٢٥١، ٢٥٢ "فأمَّا حديث ابن عباس فاجتنبه قديمًا النّاس، وما حقّه أنّ يجتنب، فإنّ طريقه صحيحةٌ، وليس ترك الجعفي [أي البخاري] والقشيري [أي مسلم] له دليلًا على عدم صحّته؛ لأنّهما لم يخرجا كلّ صحيح. وقد ترك البخاريّ أحاديث ثابتة من رواية مالك في الموطأ رواها لعلل لا تلزم غيره، وإنّما هي تختصّ به".
[ ١ / ٣٦٦ ]
إشكَال وحَلُّهُ:
فإذا: ثبت هذا، فجاء في لفظ الحديث: "وَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ في اليَوْمِ الثَّاني حِينَ صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثْلَهُ لِوَقتِ الْعَصرِ بِالأَمْسِ" فاحتَمَلَ أنّ يكونَ معنى قوله "فَصَلَّى" بدأ أو خَتَمَ، فأنشأَ هذا بين العلماء اختلافًا في اشتراك الظُّهر والعصر، وتالله ما بينهما اشتراكٌ، ولقد زَهَقَتْ فيه أقدام العلماء، ولأنّه إن لم يكن معنى قوله: "وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ في اليوم الثّاني حينَ صارَ ظلُّ كلِّ - شيءٍ مثلَهُ لوقتِ العصر بالأمسِ": فَرَغَ، لم يَكُن بيانٌ، وإن كان معناه: فَرَغَ ضرورةً، لم يكن اشتراكٌ، فتبيَّنَ بهذا أنَّ رسول الله - ﷺ - بدأ في اليوم الأوّل بالعصر حينَ صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، وفَرَغَ في ذلك اليوم من الظّهر، فصارَ آخرُ الظُّهرِ أوَّلُ العصرِ، والله أعلم.
إلحاقٌ:
كما ثبتَ وبيَّنَهُ جبريلُ للنَّبىِّ - ﷺ -، كذلك بَيَّنَه رسولُ الله - ﷺ - للسّائل في حديث أبي موسى الأشعريّ وغيرِه الّذي أدخل مالك منه جزءًا وترَكَ سائِرَهُ، إذ لم يَبْنِ كتابه على التّطويلِ والاستيفاءِ، وخَصَّ مِمّا ذكَرَ صلاةَ الصُّبحِ. وكانت الفائدةُ في ذلك أنّ يبيِّنَ أنّ في الصُّبحِ وقتًا واسعًا اختياريًا مُتَعَدِّدًا، ردًّا على من يقولُ: إنّه واحدٌ وإنَّه وقتُ ضرورةٍ.
كشفٌ وإيضاحٌ:
نزَلَ جبريلُ -﵇- مأمورًا مكلَّفًا بتعليم النّبيِّ صلى الله عليه لا بأصل الصّلاة؛ لأنّ الملائكةَ وإن كانوا مُكَلَّفِينَ فَبِغَيْرِ شرائِعِنا، ولكنّ الله تعالى كلَّفَ جبريلَ -﵇- الإبلاغَ والبيانَ، كيف ما احتِيجَ إليه قولًا وفعلًا.
تنبيهٌ:
فإن قال قائل: ما حُجَّة من قرأ "بهذا أُمِرْتُ" بضم التاء؟
قيل له: إذاكان هذا، صَحَّ أنّ يُخْبِرَ به جبريلُ عن نفسه، وإن قرأها:، بهذا أُمِرتَ"
[ ١ / ٣٦٧ ]
بفتح التاء (١)، فمعناه: أنّ الّذي أُمِرْتَ به البارحةَ من الصّلاةِ مُجَمَلًا، هذا تفسيرُه اليومَ مُفَصَّلًا، وهو الأقوى في الرِّوايتين. وبهذا يتبيَّنُ بُطلانُ قولِ من يقولُ: إنّ في صلاة جبريلَ -﵇- جوازَ صلاةِ المُعَلِّمِ بالمتعلِّمِ، أو المُفْتَرِضِ خلْفَ المُتَنَفِّلِ، والكلامُ معهم على هذه المسألة مُشْكِلٌ جدًّا.