لم يكن مالكٌ - ﵀ - حريصًا على الإكثار من الرّواية، فكان يقول: ليس العلم بكثرة الرِّواية، وإنما هو نُورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء. بهذه الكلمة خطَّ الإمام منهجه في العلم، وعليها بَنَى صنيعه في كتابه، فقد جعل هذا الكتاب قليلًا من كثير، هو القليل الَّذي أثبته وحدَّث به وأشاعه في النّاس، من الكثير الَّذي رواه وحفظه وكتبه، ثم تركه فلم يحدِّث به ولم يعتمده. قال سليمان بن بلال: "لقد وضع مالك "الموطَّأ" وفيه أربعة آلاف حديث -أو
_________________
(١) مقدمة الكامل: ١/ ١٥١، والمجروحين لابن حبّان: ١/ ٤٠.
(٢) مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ١/ ٢٣، والتمهيد لابن عبد البّر: ١/ ٦٥.
(٣) سير أعلام النُّبَلاء: ٨/ ٧٣.
(٤) مقدمة الجرح والتعديل: ١/ ١٤.
(٥) المصدر السابق: ١/ ١٧.
[ ١ / ١٢١ ]
قال أكثر - فمات وهي ألف حديث ونيف، يخلِّصها عامًا عامًا، بقدر ما يرى أنَّه أصلح وأمتن في الدِّين" (١)، وبذلك كان مالك لهذه الأُمَّة إمامًا هاديًا، أراها كيف تخدم الفقه بالعلم، وتجمع بين الأثر والنَّظَر، ونُقيم مِعْيار النّقد للأخبار المأثورة عن النَّبيّ - ﷺ -، حتى لا يختلط عليها من أمر دينها ما يُنافي عِصمته ويخلّ بأحكامه.
وقد أظهر مالك طريقته الَّتي سار عليها في الرِّواية في كتابه "الموطَّأ" فأثبت فيه أحسن ما صحّ عنده من الآثار المرويّة عن رسول الله - ﷺ -، وما رُوِي عن الخلفاء الرّاشدين، وفقهاء الصّحابة، ومَنْ بعدهم من فقهاء المدينة، وما جرى عليه عملهم بالمدينة، مما يرجع إلى تَلَقَّي المأثور من عمل رسول الله - ﷺ -، والخلفاء الرّاشدين، وقضاة العدل وأيمّة الفقه (٢).
_________________
(١) عن ترتيب المدارك: ١/ ٧٣. قلنا: هذه الرِّواية تحتاج إلى دراسة نقديّة متأنية سَنَدًا ومتنًا، فإنّ مرويات الإمام مالك [غير ما في الموَطَّأ]، الّتي تلقّاها الناس بالقبول، ودوَّنوها في كُتُبهم -مثل الصحيحين والسُّنَن والمسانيد المشهورة- كثيرة، ومُعظمها تُعْتَبَرُ أصولا في أبوابها، وقدَّمها أكثر المؤلِّفين على غيرها من الأحاديث، وعلى العكس من ذلك، هناك أحاديث وآثار كثيرة موجودة في الموطّأ ولم يقتبسها المؤلِّفون، ولم توجد لبعضها أسانيد متّصلة صحيحة، ولعلّ المقصود -فيما يرى الأخ محمَّد عُزَيْر شمس -من هذه القولة -إذا صَحَّت- أن الإمام انتقى موطأه من أربعة آلاف حديث أو أكثر مما رواها عن شيوخه بالمدينة النبوية المنورة وهذا يوافق -إن شاء الله- عدد جميع الأحاديث المروية من طريق الإمام الموجودة في المسانيد والجوامع المتفرِّقة [إذا أحصيت] والموطّأ منتقى منها، والله أعلم.
(٢) مقدمة كتاب "كشف المغطّى" لشيخ شيوخنا محمَّد الطاهر بن عاشور: ١٦.
[ ١ / ١٢٢ ]
ذلك هو المنوال الَّذي نسج مالك بن أنس عليه موطّأه (١)، فوثق به النّاس، وأقبلوا عليه روايةً ودرسًا، ثم شرحًا وتعليقًا.
وقد بوُّبَ مالك كتابه "الموطَّأ" على أبواب بحسب ما يحتاج إليه المسلمون في عباداتهم ومعاملاتهم وآدابهم، من معرفة العمل فيها الَّذي يكون جاريًا بهم على السَّنَنِ المرضيّ شرعًا؛ فإنّ الأُمَّة ما قصدت من حفظ كلام رسول الله - ﷺ - وأفعاله إلَّا الاقتداء به في أعمالهم، وقد تبعه على هذا التبويب البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم.
وجعل مالك في كتابه بابًا جامعًا في آخره (٢)، ذكَرَ فيه ما لا يدخل في باب خاصِّ من الأبواب المخصصة بفقه بعض الأعمال، وأضاف إلى ذلك ما استنبطه من الأحكام في مواقع الاجتهاد، مما يرجع إلى جمع بين متعارضين، أو ترجيح أحد الخبرين، أو تقديم إجماع أو قياس، أو عرض على قواعد الشريعة، فكان بحق كتاب شريعة الإسلام (٣).
_________________
(١) قال مالك- وقد ذكِرَ له "الموطَّأ"- فقال: فيه حديث رسول الله - ﷺ - وقول الصحابة والتابعين، ورأيى، وقد تكلّمت برأي وعلى الاجتهاد، وعلى ما أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنالأولم أخرج من جملتهم إلا غيره. عن ترتيب الدارك: ١/ ٧٣.
(٢) هذا الباب مما إخترعه مالك - ﵀ - وانفرد، وقد نبه عليه ابن العربيّ في المسالك: ٧/ ١٦٣ فقال: "هذا كتاب أربى مالك - ﵀ - على المحدّثِين، وطرق لهم في التصنيف، وفتح فيه لجماعة من المسلمين المصنفين بابا عظيمًا، فأتى فيه بالعجب العُجاب".
(٣) مقدمة كشف المغطّى: ١٦.
[ ١ / ١٢٣ ]
وكان هذا العمل التمحيصي النّقدي الَّذي أتاه مالك في "الموطَّأ" مبنيَّا على أن بيئة الفقه في المدينة قد حوت من مختلف الآثار ورسوخ السُّنَنِ المتصلة، ما يُمكَّن القائم على فقه مجتهديها أن يجعل من مجموع المرويّ عنهم سندًا، لتصرُّفه في الأحاديث بالنقد والتمحيص، وذلك مرجع مذهبه في الاحتجاج بعمل أهل المدينة، احتجاجًا تسمو فنزلته على منزلة أخبار الآحاد؛ لأنّه ليس شيئًا مأثورًا عن واحد، وإنما هو معرفة مستنبطة من مجموع أشياء مأثورة عن كثيرين (١)، ففي "الموطَّأ" -كلما سبقت الإشارة إليه- الآثار النّبوية، وفيه المدارك الاجتهادية لأقوال الصّحابة والتّابعين، وفيه سُنَن عملية مأثورة منقولة بطريق الاستفاضة عند أهل المدينة، وفيه اجتهادات شخصية لمالك. فالآثار النبوية بعضها منقول بطريق الإسناد، وهي ست مئة حديث موصولة سلسلتها من مالك إلى النّبيّ - ﷺ - بذِكْر أسماء الرُّواة واحدًا عن واحدٍ ذِكْرَ تعيينٍ، وهي الَّتي اعتمدها المحدَّثون، وزكّوا أسانيدها، وخرّجوها عن مالك في كتبهم، ورُوَيت عنه في صحيحَي البخاريّ ومسلم.
ومنها أحاديث لم تتّصل أسانيدها، إمّا لعَدَم التّصريح بسماعها من النَّبيّ - ﷺ - وهي الموقوفة، أو لعدم تعْيينِ الصّحابي الَّذي سمعها منه، وهي المُرْسَلَة، وهذه الأحاديث الموقوفة والمرْسَلة الَّتي في "الموطَّأ وإن لم يروها رجال الصّحيح بعد مالك عنه لأنّهم يختلفون معه في الاستدلال بالمرسل والموقوف، إلَّا أنهم رَوَوْها من طرق أخرى ليس فيها وقف ولا إرسال، فثبتت من تلك
_________________
(١) انظر كتاب عمل أهل المدينة بين مصطلح مالك وآراء الأصوليين لشيخنا أحمد نور سيف، دار الاعتصام، القاهرة: ١٣٩٧ هـ.
[ ١ / ١٢٤ ]
الطرق عن غير مالك موافقة لا خرّجها به مالك مُرْسَلَة أو موقوفة، فكان ذلك آية توثيق وحُجّة تزكية زائدة لحديث مالك عند أهل الصّحيح، بحيث أن كلّ ما ورد في "الموطَّأ" مُرْسَلًا أو موقوفًا قد ثبت مسندًا عند أهل الصحيح، إلَّا أربعة أحاديث معروفة.
وأما المدارك الاجتهاديّة المتّفَق عليها، فهي الَّتي يقول مالك فيها: "الأمر الَّذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا" ويقول: "الأمر المجتمع عليه عندنا".
وأما السُّنَن العمليّة المأثورة، فهي الَّتي يقول فيها: "الأمرُ عندنا".
وأمّا اجتهاداته الشخصيّة، فهي الَّتي يقول فيها: "فيما نرى والله أعلم".
وقد حَمَلَه جمعهُ لهذه الفنون من العلم على اختلافها، أن يسلك بينها مسلك الترجيح الَّذي لا يعتمدُ على سلامة الإسناد وثِقَةِ الرُّواة وإتقانهم فحَسْب؛ بل يتعدّى ذلك إلى النّظَر في المعاني والاجتهاد في الأقْيسَة والاستحسانات، حتّى ينتهي به ذلك إلى أن يروي الأحاديث مُسْنَدة من أوثق السلاسل عنده، وهي السِّلسلة المشهورة عند علماء الحديث بسلسلة الذَّهَب (١): مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، فيخرج بها حديث: المتبايعانِ كلّ واحد منهُما بالخيار على صاحبه ما لم يتفَرَّقا، إلّا بيعَ الخِيَار" (٢) ثم يقول عقبة: "وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمول به فيه" فيبقى
_________________
(١) انظر تدريب الراوي للسيوطي: ١/ ٧٩ - ٨٣.
(٢) موطّأ يبيح (١٩٥٨).
[ ١ / ١٢٥ ]
الحديث المرويّ غيها مأخوذ به مع كونه سليم الإسناد، عملًا بمقتضى المعارض له من سُنَّةِ عمليّة مشهورةٍ، واجتهاد بالرّأي، فعلى ذلك بُنِيَ "الموطَّأ" على الاختيار والنقد، وشَدِّ الأثر بالنّظر، ومعارضة الأخبار والأقيسة والآثار والاجتهادات بعضها ببعض. فرَوَى عنه الآثار من وافَقَه على محاملها ومعانيها ومن خالفه في ذلك، فكان الرُّواةُ عنه من المخالِفِينَ له في المعاني والمحامل مجرّدين للأحاديث عما اتّصل بها من فقه، أو مصرِّحن بالمخالفة فيه (١)، فهم مقتبسون من الكتاب اقتباسًا، لا آخذون يحملته؛ لأنّه في جملته كتاب فقه بالأصالة لا كتاب حديث، لم يقصد منه تبيين ما روى، وإنما قصد منه تحقيق ما اجتهد وإسناد مانظر، فما مورد الأحاديث فيه إلّا مورد الأحاديث فيه إلّا مورد الأدلة للفقه والمدارك للأحكام (٢).
ومن هذا المعنى نشأ في "الموطَّأ" الترَّدد الَّذي لم يزل شاغلًا لبال الكثير من العلماء قديما وحديثا، وهو أن هذا الكتاب هل يُعتَبر كتاب فقه أو يُعتبر كتاب حديث؟ فإنَّه في منهجه جديرٌ بأن يثيرَ هذا الترَّدُد؛ لأنَّه منهج يقوم على الجمع بين الفقه والحديث بصورة لا يكاد يتبيَّن معها أنَّه يخلص إلى الفقه أو يخلص إلى الحديث.
_________________
(١) كما هو الحال عند محمّد بن الحسن الشيباني في موطَّئه، فقد أخذ أحاديث "الموطّأ" مجرَّدة عن المقاييس النَّقدية الَّتي ألحقها مالك بالأحاديث، وهذا صنيع من لا يلتزم الأصول الَّتي أقيم عليها الذهب المالكي.
(٢) "الموطَّأ" للإمام مالك لمحمد الفاضل بن عاشور، مقال مجلة الأزهر (الجزء:١٠، السنة:٣٥، ذو الحجة سنة:١٣٨٣، صفحة: ١٠٤٤ - ١٠٤٥).
[ ١ / ١٢٦ ]
ويرى شيخ شيوخنا محمّد الفاضل بن عاشور (١) أن الَّذي يتأمّل "الموطَّأ" تأمُّلًا شافيًا، يتبيَّن له أن مالكا في "الموطَّأ" يعتبر الأحاديث أساسا لا يُبْنَي الفقه إلَّا عليها، فلا يمكن أن يُبْنَى الفقه على غير سُنُّةٍ، ولا يمكن أن يبادر إلى إقامة الفقه على قياس إلَّا عند الضّرورة، حيث يتعذَّر إقامته على مُدْرَكٍ من مدارك السُّنَّة، وهذا هو الَّذي يُكَوِّنُ التّمايز بمن طريقة مالك وطريقة أبي حنيفة من جِهَة؛ لأنَّه يقتصد جدًّا في إعمال القياس باعتبار أنَّه المرجع الأوَّل في ذاته، وبينه وبن الشّافعيّ باعتبار أنّ الشّافعيَّ لا يَقْبَلُ بحالٍ إلغاءَ دَلالةِ حديثٍ من الأحاديث أو تعطيل حمله، وبذلك يختلف مع مالك اختلافه الواضح الَّذي بَيُّنَه في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" من كتاب "الأم".
وبهذا المعنى كان للموطّأ تأثيره الواضح في تقرير مبدأ التّفاعل والتّواصل بين المذاهب الأربعة السُنِّيُّة؛ فإنَّ معنى تبويب الفقه وترتيبه على الطريقة الَّتي لم تزل مُتَّبَعَة بصورة تكاد تكون متحدَّة أكثر من كونها متقاربة بين المذاهب الأربعة، إنّما يرجع في ذلك إلى "الموطَّأ" نظرًا إلى أنَّه الوضع الأوَّل من بين جميع الأوضاع الفقهية، ولم يُعْطِ هذه الصّورة في التبويب والتّرتيب لكتب الففه فقط، ولكنّه أعطاها أيضًا لكُتُب السُّنَّة الَّتي سُمَّيَت فيما بعد ذلك بالمُصنُّفات والسُّنَن، وسارت على طريقة التّرتيب الفقهي الَّتي أصَّلها مالك بن أنس - ﵀ -.
_________________
(١) في المحاضرات: ٣٨٦ (ط. مركز النشر الجامعي. تونس: ١٩٩٩ م).
[ ١ / ١٢٧ ]
وفي هذا الموضوع يقول شيخنا عبد الفتاح أبو غدة (١): "تأليف الحديث وجمعه في كتاب على الأبواب الفقهية، لا ينهض به إلَّا فقيه يَدْرِي معاني الأحاديث، ويفقهُ مداركها ومقاصدها، ويُمَيِّز بين لفظ ولفظ فيها، وهذا النّمَط من العلماء المحدِّثين الفقهاء يُعَدُّ نَزْرًا يسيرَا بالنّظر إلى كثرة المحدِّثين الرُّواة والحفّاظ الأثبات، إذ الحفظ شيءٌ؛ والفقه شيءٌ آخر أميز منه وأشرف، وأهم وأنفع، فإنّ الفقه دِقَّةُ الفهم للنّصوص من الكتاب والسُّنَّة - عبارةً وإشارة، صراحةً أو كناية - وتنزيلُها منازلَهَا في مراتب الأحكام، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ولا تَهَوُّرَ ولا جمود.
وهذه الأوصاف عزيزةُ الوجود في العلماء قديمًا، فضلًا عن شِدَّة عزّتها في الخَلَفِ المتأخِّر، ويخطئ خطأ مكعبًا من يظنّ أو يزعم أنّ مجرّد حفظ الحديث أو اقتناء كتبه والوقوف عليه، يجعلُ من فاعل ذلك عارفًا بالأحكام الشرعية ودقيق الاستنباط فلا شكّ في يُسْرِ الرِّواية بالنّظر لمن توجُّه للحِفْظ والتَّحَمُّل والأداء، وآتاه الله حافظةَ واعيةً، فلهذا كان المتأهِّلون للرِّواية أكثر من المتأهِّلين للفقه والاجتهاد، روى الحافظ الرَّامَهُرْمُزِي في كتابه " المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي" (٢) بسنده عن ابن سِيرِين، قال: "أتيتُ الكُوفة، فرأيتُ فيها أربعةَ آلافٍ يطلبون الحديث، وأربعَ مدّة قد فَقهُوا".
_________________
(١) في مقدمته للتعليق الممجَّد على موطّأ محمّد لعبد الحي اللكنوي: ١/ ١٤، ١٩ (ط. دار القلم، دمشق ١٤١٢هـ، باعتناء تقي الدين النَّدْوي).
(٢) صفحة: ٥٦٠.
[ ١ / ١٢٨ ]