قال الله العظيم: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥).
_________________
(١) الَّذي أخرجه البخاري (٤٤٣٨) من حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه.
(٢) يقول أبو عبيد في غريب الحديث: ٤/ ٣٢٢ "وأمّا الحاقنة فقد اختلفوا فيها، فكان أبو عمرو يقول: هي النُّقرةُ الّتي بين الترقوة وحبل العاتق، قال: وهما الحاقنتان. قال: والذاقنةُ طرف الحلقوم قال أبو عبيد: فذكرتُ ذلك للأصمعيّ فقال: هي الحاقنة والذاقنة، ولم أره وقف منهما على حدٍّ معلوم، والقولُ عندي ما قال أبو عمرو".
(٣) ذكر محمَّد بن الحارث الخشني هذه القصة في كتابه أخبار الفقهاء والمحدثين: ٣٥٨ فقال: "وحكى بعض أهل العلم قال؛ قرئ على يحيى في حديث الليث [رواه النسائي في الكبرى: ١٩٥٦]؛ أنّ عائشة قالت: توفيّ رسول الله - ﷺ - بين حافتي وذافتي. قال: فقال له بعض من حضر ابن زياد أو غيره: إنّما هو. أصلحك الله: بين حاقنتي وذاقنتي. فرفع يحيى رأسه، ننظر إليه، فقال للقارئ: اقرأ. ولم يزد على ذلك".
(٤) المجادلة: ١١.
(٥) البقرة: ٢٦٩.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال الشّافعيّ - ﵁ -: العِلْمُ (١) يدورُ على ثلاثةٍ: مالكُ بنُ أنسٍ، وسفيانُ ابنُ عُيَيْنَةَ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ (٢).
وقال أحمدُ بنُ شُعَيْبِ النَّسائيّ: أُمناءُ الله على عِلْمِ رسوله - ﷺ -: شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ، ومالكُ بنُ أنس، ويحيى بنُ سعيدٍ القطّانُ (٣).
قال (٤): وما أحَدٌ عندي أجلَّ بعد التّابعين من مالك بن أنس، ولا أوثقَ ولا آمَنَ على الحديث منه، ثمّ بعدَهُ شعبةَ في الحديث، ثم بعده يحيى بن سعيدٍ القطّانِ، ليس بعد التَّابعين أوثقُ منهم على الحديث، ولا أقلُّ روايةً عن الضعفاء منهم.
وكان الشّافعيُّ - ﵁ - يقولُ: لولا مالكُ بنُ أنسٍ وسفيانُ بن عُيَيْنَةَ لذَهَبَ عِلْمُ الحِجَازِ (٥).
وقال الشّافعيُّ: كان مالكُ إذا شكَّ في الحديث طَرَحَهُ كُلَّه (٦).
وقال محمدُ بن عبدِ الْحَكَمِ: سمعتُ الشّافعيَّ يقولُ: إذا ذُكِرَ العلماءُ فمالكٌ النَّجْمُ (٧).
قال (٨): والثُّوريُّ إمام، إلَّا أنّه يَرْوِي عن "الضُّعفاء" قال: وكذلك ابنُ المبارَك من أجَلِّ أَهْلِ زمانِهِ، إلَّا أنّه قَيَّدَ (٩) عن الضُّعفاء.
_________________
(١) يعني الحديث.
(٢) روى هذا القول ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٢، وأورده الذهبي في السِّير: ٨/ ٩٤.
(٣) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٢ - ٦٣، والانتقاء: ٦٥ - ٦٦، وأورده الباجي في التعديل والتجريح: ٢/ ٧٠٠، والذهبي في السِّيَر: ٨/ ١٠٦، ٩/ ١٨١.
(٤) القائل هو النسائي، والكلام تتمة لما أخرجه ابن عبد البرّ في المصدرين السّابقين.
(٥) رواه الشّافعيّ في مسنده: ٣٤١، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ١/ ١٢، ٣٢، والجوهري في مسند الموطَّأ (ر ٤)، وأبو نعيم في حلية الأولباء: ٦/ ٣٢٢، ٩/ ٧٠، وابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٣، والخطيب في تاريخ بغداد: ٩/ ١٧٩.
(٦) رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ١/ ١٤، والجوهري في مسند الموطَّأ (٤٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء: ٦/ ٣٢٢، وابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٣، والانتقاء: ٥٥، وأورده الباجي في التعديل والتجريح: ٢/ ٧٠٠، والذهبي في البشر: ٨/ ٧٥.
(٧) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧٤، والانتفاء: ٥٥، وذكره الذهبي في السير: ٨/ ٥٧
(٨) القائل هو الإمام النّسائي، والأثر هو تتمة لما سبق أنّ خرّجناه سابقًا.
(٩) في التمهيد والانتقاء: "يروي".
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقال عبدُ الرحمن بن مهديِّ: لا يكونُ إمامًا في العِلْم من يأخذُ بالشَّاذِّ من العِلْمِ، ولا يكونُ إمامًا في العِلْمِ من يروي كلّ ما يَسمَعُ. قال: والحفظُ: الإتقانُ (١).
قال أبو عمر (٢) - ﵁ -: "ومعلومٌ أنّ مالكًا كان أشدَّ النّاس تَرْكًا للشّذوذِ في العِلْمِ، وأقلَّهم تكلُّفًا، وأتقَنَهُم حِفظًا، ولذلك صار إمامًا".
وقال مالك: لاَ يُؤخذُ العِلْمُ من أربعةٍ، وَيؤخذُ مِمَّا سوى ذلك، لا يؤخذ من سَفِيهٍ. ولا من صَاحبِ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إلى هَوَاهُ. وَلاَ مِنْ كَذَّابٍ يكذِبُ في أحاديثِ النّاس وإنْ كان لا يُتَّهَمُ في أَحَادِيثِ رسول الله - ﷺ -. ولا ممن له فضلٌ وَوَرَعٌ وَعِبَادَةٌ إذا كان لا يعرفُ مَا يَحْمِلُ وما يُحَدِّثُ به (٣).
قال مالك - ﵁ -: أدْركتُ بهذ البلدةِ مَشْيَخَةً أَهْلَ فّضْل ودِينٍ وصلاحٍ يُحَدِّثونَ النَّاس، ما سمعتُ مِنْ أَحَدٍ منهم قَطُّ شيئًا. قِيلَ لَهُ: يا أبا عبد الله، ولِمَ؟ قال: ما كانوا يعرفون مَا يُحَدِّثون بِهِ (٤).
وكان مالكٌ - ﵀ - يقولُ: إنَّ هذا العِلْمَ دِينٌ، فانظُروا عمَّن تأخذُون دِينَكُم. قال: ولقد أدركْتُ سبعينَ ممّن يقولُ: قال رسولُ الله - ﷺ - عند هذه الأساطينِ- وأشار إلى المسجد مَسْجِدِ رسولِ الله - ﷺ - فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنّ أحدَهُم لو أؤتُمِنَ على بيتِ مالٍ لكان أمينًا، إلَّا أنّهم لم يكونوا من أهل هذا الشَّأنِ. قال: وقَدِمَ علينا ابنُ شِهَابٍ
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية: ٩/ ٤، والرّامهرمزي في المحدِّث الفاصل، ٢٠٥ - ٢٠٦، وابن شاهين في تاريخ أسماء الثقات: ٢٧٠، وابن عبد البرّ في التمهد: ١/ ٦٤، وانظر الانتقاء: ٦٢.
(٢) في التمهيد: ١/ ٦٥.
(٣) رواه العقيلي في الضعفاء: ١/ ١٣، وابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٦، والانتقاء: ٤٦، والخطيب في الكفاية: ١١٦، ١٦٠.
(٤) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٦، والانتقاء: ٦٧، والخطيب في الكفاية: ١١٦، والقاضي عياض في الإلماع: ٦٠.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وكنّا نتزاحمُ على بابِه (١).
وقال يحيى بنُ مَعِينٍ: آلةُ هذا الحديث الصِّدقُ (٢).
وقال بِشْرُ بنُ بَكْرٍ: رأيتُ الأوزاعيَّ في المنام مع جماعةٍ من العلماءِ في الجنَّةِ، فقلتُ: وأين مالكُ بنُ أنسٍ؟ فقال: رُفِعَ، قلتُ: بِمَ ذا؟ قال: بِصِدْقِهِ (٣).
وقال مُصْعَب بن عبد الله الزُّبَيْريُّ قال: سمعتُ أبي يقول: كنت جالسًا مع مالكِ ابنِ أنسٍ في مسجد رسول الله - ﷺ -، إذْ جاء رجلٌ فقال: -أيُّكُم أبو عبدِ الله؟ فقيل له: هذا: فجاءَ وسلَّمَ عليه واعتنَقَهُ وقَبَّلَ بين عيْنَيه وضَمَّه إلى صَدْرِه، وقال: واللهِ لقد رأيتُ البارحةَ رسولَ الله - ﷺ - جالسًا في هذا الموضع، فقال: عليَّ بمالكٍ، فَاُتِيَ بك وأنت تَرْتَعِدُ فرائصُك، فقال لك: ليس بك بأسٌ يا أبا عبد الله، وكَناكَ، وقال لك: اجلِسْ، فجلستَ، فقال: افتَحْ حَجْرَكَ، ففتحتَ، فملأه مِسكًا منثورًا، وقال: ضُمَّه إلى صدرك وبُثَهُ في أمتِي، قال: فبكَى مالكٌ بكاءَ طويلًا، وقال: الرُّؤيا بُشْرَى، وإنْ صَدَقَتْ رؤياك، فهو العِلْمُ الَّذي أودَعَنِي اللهُ سبحانه (٤).
وكان الشّافعيُّ يقول: ما بعدَ كتابِ الله تعالى كتابٌ أكثر صوابًا من موطّأ مالكِ بن
_________________
(١) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٦٧، والانتقاء: ٤٧، والخطيب في الكفاية: ١٦٠.
(٢) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧٠، والانتقاء: ٧٨، بلفظ: (آلة المحدِّث ".
(٣) كما رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ١/ ٢٨، وابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧٠.
(٤) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧١، والانتقاء: ٨٧ - ٨٨.
[ ١ / ٣٣٦ ]
أنسٍ (١).
وقال أيضًا: ليس بعد كتاب الله تعالى أنفع منه (٢).
وقال عَمْرُو بنُ أبي سَلَمَةَ: ما قرأتُ كتابَ الجامع من موطّأ مالكِ بنِ أنسٍ إلَّا جاءَني آتٍ في المنامِ، فقال لي: هذا كلامُ رسولِ الله - ﷺ - حقًّا (٣).
وقال ابنُ عبد الواحد صاحب الأوزاعيّ: عَرَضْنَا على مالكٍ الموطَّأ في أربعينَ يومًا، فقال: كتابٌ أَلَّفْتُهُ في أربعين سنةً، قرأتموه عليّ في أربعين يومًا، ما أَقَلَّ ما تفقَهُونَ فيه (٤).
وقال له أبو جعفَرٍ المنصور: دَعْنِي أكتبُ الموطَّأ بالذَّهَب وأحرقُ الكُتُبَ، وأبعثُ بِنُسَخٍ من الموطَّأ إلى البلدانِ، فقال له مالكٌ: يا أميرَ المؤمنينَ، فإنّ العِلْم كثيرٌ (٥)
وأما نَسَبُه فمعروفٌ، قد ذَكَرَهُ ابن قُتَيْبَةَ في "المعارف" (٦) والواقديُّ (٧) وغيرُ ذلك (٨).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والعديل: ١/ ١٢، والجوهري في مسند الموطَّأ (٧٧)، وأبو نعيم في الحلية: ٦/ ٣٢٩، وابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧٧، والاستذكار: ١/ ١٦٦، وابن عساكر في كشف المغطّى (١٦)، وذكره الباجي في التعديل والتجريح: ٢/ ٧٠٠، والذهبي في السير: ٨/ ١١١.
(٢) رواه ابن عبد البرّ في الاستذكار: ١/ ١٦٦، والتمهيد: ١/ ٧٧، وابن عساكر في كشف المغطّى (١٨).
(٣) أخرجه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧٧، وابن عساكر في كشف المغطّى (٢٥)، وينبغي التنبيه على أنَّه لا يصحّ الاحتجاج بالرّؤى بحالٍ في المسائل العلمية والأحكام الشرعيّة.
(٤) رواه ابن عبد البرّ في التمهيد: ١/ ٧٧ - ٧٨، والاستذكار: ١/ ١٦٨.
(٥) انظر نحو هذا في تقدمة الجرح والتعديل: ١/ ٢٩، والانتقاء: ٨٠ - ٨١، وترتيب المدارك: ٢/ ٧١ - ٧٣، وكشف المغطى في فضل الموطَّأ: ٥٥.
(٦) صفحة: ٤٩٨.
(٧) وقد أورده بتفصيلٍ كاتب الواقدي محمَّد بن سعد في الطبقات الكبرى: ٤٣٣ [القسم المتمِّم].
(٨) يقول القاضي عياض في ترتيب المدارك: ١/ ١٠٦ - ١٠٧ "لم يختلف العلماء بالسَّيَر والخبر والنَّسَب في نسب مالك واتّصاله بذي أصْبُح"
[ ١ / ٣٣٧ ]
وأمّا مولدُه فذكَرَ ابنُ بُكَيْرٍ أنّه وُلِدَ سنة ثلاثٍ وتسعينَ (١).
وقال محمدُ بنُ عبدِ الحَكَم: وُلِدَ مالك سنةَ أربعٍ وتسعينَ، وفيها وُلدَ اللَّيثُ بن سَعْدٍ (٢).
وقيل: وُلدَ مالكٌ سنةَ أربع وتسعين، وتوفِّي بالمدينة لعشرٍ خَلَوْنَ من ربيعِ الأوّلِ سنةَ تسع وسبعين ومئةٍ (٣). ومَرِضَ يومَ الأحدِ لتمام اثنين وعشرين يومًا، وغسَّلَهُ ابنُ كِنانَةَ وسعيدُ بنُ دَاوُدَ (٤).
قال حبيبٌ: وكنتُ أنا وابنُه يحيى نَصُبُّ عليه الماءَ، وأَنْزَلَهُ في قَبْرِهِ جماعةٌ (٥).
قال أبو عمر (٦): "كان لمالكٍ - ﵀ - أربعةٌ من الوَلَدِ: يحيى، ومحمّدٌ وحمّادٌ، وأمُّ أبيها (٧)، فأمَّا يحيى وأمّ أبيها فلم يُوصِ بهما إلى أحَدٍ، وأمّا حمّاد
_________________
(١) رواه بسنده المتّصل إلى يحيى بن بُكيْر، الجوهريُّ في مسند الموطَّأ (١٠٠)، والإمام ابن عبد البرّ في الانتقاء: ٣٦، وانظر: التمهيد: ١/ ٨٧، وترتيب المدارك: ١/ ١٨٨، وإتحاف المسالك: ٥٧.
(٢) قاله ابن عبد البرّ في الانتقاء: ٣٧، والتمهيد: ١/ ٨٧، وانظر ترتيب المدارك: ١/ ١١٨.
(٣) قاله خليفة بن خياط في طبقاته: ٢٧٥، وعنه الجوهري في مسند الموطَّأ (٩٨)، كما رواه ابن سعد في الطبقات: ٤٤٤ [القسم المتمم] عن مصعب بن عبد الله الزبيري الَّذي قال: "أنا أحفظ الناس لموت مالك، مات في صفر سنة تسع وسبعين ومئة".
(٤) الفقرة السابقة مقتبسة من التمهيد: ١/ ٨٧.
(٥) الفقرة السابقة مقتبسة من المصدر السابق.
(٦) في التمهيد: ١/ ٨٧ - ٨٨.
(٧) هي فاطمة بنت الإمام مالك، ذكرها الرشيد العطار في مجرد أسماه الرواة عن مالك (٩٥٧)، كما ترجم لها ابن ناصر الدين الدمشقي في إتحاف المسالك: ١٩٢.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ومحمّدُ فأَوْصَى بهما إلى إبراهيمَ بن حبيبٍ رجلٌ من أهل المدينة.
وأَوْصَى مالك - ﵀ - أنْ يُكَفَّنَ في ثياب بيضٍ، وُيصلَّى عليه في موضع الجنائز، فصلّى عليه عبدُ الله (١) بنُ محمَّدِ بن إبراهيمَ بن محمدٍ بن عليَّ بنِ عبدِ الله بن عبَّاسٍ؛ وكان واليًا على المدينة (٢)، وبلَغَ كَفنُه خمسةَ دنانيرَ.
وترك - ﵀ - من النَّاضِّ (٣) ألْفَيْ دينارٍ وستَّ مِئَةِ دينار (٤) وألفَ درهمٍ (٥).
قال الإمام (٦): فكان الَّذي اجتمعَ لوَرَثَتِهِ ثلاثةَ اَلافِ دينار (٧).
وقال سُحْنُونٌ: تُوُفي مالك -﵀- وهو ابنُ سبعٍ وثمانينَ سنةً، وأقام بالمدينة مُفْتِيًا بين أظهُرِهِم ستّين سنةً (٨).
_________________
(١) ويعرف بعبد الله بن زينب، انظر: الانتقاء: ٨٨، وطبقات ابن سعد [القسم المتمم]: ٤٤٣، والمنتخب من كتاب ذيل المذيَّل للطبري: ١١/ ٦٦٠ (ط. المعارف).
(٢) أي كان واليا لأبيه على المدينة النبوية المنورة. انظر: الانتقاء: ٨٨، وترتيب المدارك: ٢/ ١٤٦.
(٣) النّاضّ: اسم للدّراهم والدّنانير، أي المال عند صيرورته نقدًا يعد أن كان سلعًا وبضائع. انظر أساس البلاغة: ٤٦١، ومعجم المصطلحات الاقتصادية لحماد: ٣٣٨.
(٤) تتمة الكلام كما في التمهيد وترتيب المدارك: "وتسعة وعشرين دينارًا".
(٥) الفقرة السابقة نقلها القاضي عياض في المدارك: ٢/ ١٦٠ من التمهيد.
(٦) الكلام موصول للإمام ابن عبد البرّ.
(٧) تتمة الكلام كما في التمهيد: ( وثلاثمئة دينار ونيف، فقبض إبراهيم بن حبيب مال محمَّد وحمادة، وقبض يحيى ماله، وكذلك أمّ ابنها قبضت مالها".
(٨) أورده الإمام ابن عبد البرّ في التّمهيد: ١/ ٨٩ على أنّه من رواية سحنون عن عبد الله بن نافع.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقيل: حَمَلَتْهُ أمهُ سَنَتَيْن (١)، وقيل ثلاثَ سنينَ (٢)، كلُّ ذلك أقام في بَطنِ أمِّهِ (٣).
وكان -﵀- أشقر شديد البياض، كبير الرّأس أصلع، ولم يكن بالطّويل (٤).
وكان (٥) رجلًا مَهِيبًا، لم يكن في مجلسه شيءٌ من المِرَاءِ واللَّغط ولا رفع صوت، وكان القُرّاء يسألونه عن الحديث فلا يُجِيبُ إلَّا في الحديثِ الواحدِ (٦)، وربّما أذنَ لبعضهِم فقرأ عليه، وكان له كاتبٌ قد نسخ كتابه (٧)، يقال له حَبِيب، يقرأ فيه للجماعة، فليس أحدٌ ممِّن يحضر مجلسه يدنو ولا يَنْظُرُ فيه (٨) ولا يَستفهم، هَيبةً لمالك، وإجلالًا له، وكان حبيب إذا قرأ وأخطأ، فَتَح عليه مالك، وكان ذلك قليلًا.
_________________
(١) رُوِي هذا عن الواقدي، وعطاف بن خالد، نصّ على ذلك عياض في ترتيب المدارك؛ ١/ ١٢٠.
(٢) قاله ابن نافع الصائغ، والواقدي، ومَعْن، ومحمد بن الضحاك، نصّ على ذلك القاضي عياض في ترتيب المدارك: ١/ ١٢٠، وذكره ابن سعد في الطبقات: ٤٣٤ [القسم المتمم] نقلًا عن الواقدي الَّذي قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: قد يكون الحملُ ثلاث سنين، وقد حمل ببعض الناس ثلاث سنين. يعني نفسه"، كما قال به أيضًا ابن قتيبة في المعارف: ٤٩٨.
(٣) يقول الأستاذ أمين الخولي في كتابه "الإمام مالك": ١/ ١٨ "ولا يعرض لهذه المُدّد التي ذكرها الفقهاء، ورواها المؤرخون، لاحتمال أنّ لا وجه لها، ونحن نمسك عن الإطالة في هذا، حاملين ما ذكره المؤرخون وأصحاب المناقب على تَكثّر بالغرائب منشؤه خطأ في الحساب لاشتباه مبدإ العمل، أو جواز أنّ تكون هذه شواذ في الطبيعة لا حكم لها، والكلمة للعلم أولًا وأخيرًا". ويقول الشيخ محمَّد أبو زهرة في كتابه "مْالك": ١٩: "وإذا كان مصدر تلك الرِّواية التي اشتهرت واستفاضت قول مالك هذا [من رواية الواقدي] فإن من الحقّ علينا أن نرفضها وأن تُقَرِّر أنّ أمّهُ حملت به كسائر الأمهات، وليس في ذلك غضّ من مقامه، ولا نقص من إمامته، ولا نقص لأمر مقرّر ثابت في التاريخ؛ لأنّ الذين يختلفون في وقت ميلاده ذلك الاختلاف الكبير لا يمكن أنّ يكون قبولهم لتلك الرِّواية الشاذة في حكم العقل والطب ومجرى العادة أساسه أمر مقرّر ثابت".
(٤) الأوصات السّابقة ذكرها الإمام ابن عبد البرّ في التّمهيد: ١/ ٩١، وانظر الانتقاء: ٤٠.
(٥) الفقرة التّالية إلى قوله: "يمنة ويسرة" نقلها عن الواقدي محمَّد بن سعد في الطبقات الكبرى: ٤٤٢ [القسم المتمِّم] مع بعض التّقديم والتأخير. وانظر الانتقاء: ٨٢، والمعارف: ٤٣٤.
(٦) في طبقات ابن سعد: "إلَّا الحديث بعد الحديث".
(٧) في طبقات ابن سعد: "كتبه".
(٨) أي في كتابه.
[ ١ / ٣٤٠ ]