من نِعَمِ الله على هذه الأمّة أنْ قَيَّضَ لها علماء الحديث، الّذين وضعوا المناهج السّديدة، والقواعد العلميّة الضابطة، الَّتي تحيط إرثنا الإِسلامي بسياج قَوِيٍّ من الحماية والحفظ، تمنع عنه تحريفات الجاهلين، وتَعَسُّف وتأويلات المبطلين، وقد كان للمُحَدِّثين منهجهم الواضح في بيان اختلاف الرِّوايات للَّفظ الواحد، فلا يخلطون ولا يُلَفِّقُون؛ لما في التّلفيق من الالتباس، إلَّا أنّه دار نقاشٌ وخلافٌ حول إصلاح اللّحن الوارد في الرِّواية، لا نريد الدّخول فيه، ولكن حسبُنا ما كتبه القاضي عياض في "الإلماع" (٣) فهو شافٍ كافٍ إن شاء الله تعالى، يقول -﵀-: "الَّذي استمرَّ عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرِّواية كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيِّرونها من كتبهم ولكن أهل المعرفة منهم ينبِّهُون على خطئها عند السُّماع والقراءة في حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بَلَغهُم. ومنهم من يجسر على الأصلاح، وكان
_________________
(١) ٤/ ٤٠٩.
(٢) ٣٤٨٠ [٥/ ١٣٧٩].
(٣) صفحة: ١٨٥ - ١٨٧.
[ ١ / ١٦٢ ]
أجرأهم على هذا من المتأخِّرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الوَقشِيّ؛ فإنّه لكثرة مطالعته وتَفنُّنِهِ جَسَرَ على الإصلاح كثيرا، وتَحَكَّمَ فيها بما ظهر له، وبما رآه في حديث آخر، وربّما كان الَّذي أصلحه صوابًا، وربّما غلط فيه وأصلح الصّواب بالخطأ وحماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التبيين، فيذكر اللفظ عند السماع كما وقع، وُينَبَّه عليه، ويذكر وجه الصواب، إما من جهة العربية أو النقل، أو وروده كذلك في آخر، أو يقرؤه على الصواب، ثم يقول: وقع عند شيخنا أو في روايتنا كذا، أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلا يقول على النبي - ﷺ - ما لم يقله".
ويقول القاضي عياض أيضًا في "مشارق الأنوار" (١): "والصّوابُ من هذا كلَّه لمن رزقا فهمًا وأُوتي عِلْمًا، إقرار ما سَمِعَه ورواهُ كما سمعه ورواه، والتَّنبيه على ما انتقَدَهُ في ذلك ورآه، حتّى يجمع الأمرين، ويترك لمن جاء بَعْدُ النَّظَر في الحرفين، وهذه كانت طريق السَّلَف فيما ظهر لهم من الخلَلِ فيما رَوَوْهُ من إيراده على وجهه وتبين الصَّواب فيه، أو طرح الخطأ البَيِّنِ والإضراب عن ذِكْرِه في الحديث جملةً، أو تبييض مكانه والاقتصار على رواية الصّواب، أو الكناية عنه كما يظهر ويُفْهَم لا على طريق القطع، وقد وقَعَ من ذلك في هذه الأمّهات ما سنوقف عليه ونشير في مَظانِّه إليه، وهي الطّريقة السّليمة، ومذاهب الأيمة القويمة، فأمّا الجسارة فجسارةٌ، فكثيرا ما رأينا من نَبَّهَ بالخطأ على الصّواب، فعكسَ الباب، ومن ذهب مذهب الإصلاح والتّغيير،
_________________
(١) ١/ ٤.
[ ١ / ١٦٣ ]
فقد سَلَكَ كلّ مسلكٍ في الخطأ، ودلاه رأيه بغرور وتحقق من تحقيقه أنّ الصّواب مع من وقَفَ وأحجَمَ، لا مع من صَمَّمَ وجَسَرَ، وتأمَّل في هذه الفصول ما تكلمنا عليه وتكلم عليه الأشياخ والحفَّاظ فيما أصلحه أبو عبد الله بن وضّاح في "الموطَّأ" على يحيى بن يحيى واظهار الحجَجِ على الغلَطِ في كثير من ذلك الإصلاح، وبيان صحَّة الرِّواية في ذلك من الأحاديث الصِّحاحِ".
قلنا: لعلّنا بهذه النُّصوص الواضحة الَّتي تنمُّ عن إدراك واعٍ وحيطةٍ حازمة، نكون قل أوضحنا المنهج الحقّ الَّذي ينبغي أن يُتَّبَع في مثل. هذه الإشكالات المعاصرة في التصحيح والتصويب، وكم كنا نَوَدُّ من الفاضِلَين بشّار والأعظميّ -ومقامهما في علوم الحديث معلوم- لو سلكا مسلك شيوخ الرِّواية" لكانا قد أبدعا في خدمتهما لهذا المصدر الأول، مُوَطَّأ الإمام مالك.