بدأ العدّ التّنازليّ للمرابطين تحت وطأة الخطر الإسباني النّصراني، ومع انفجار مشكلات داخلية في المغرب والأندلس، فبعد هلاك ألفونسو السّادس، واهتزاز صفوف النّصارى الإسبان لفترة، ما لبثوا أن وَحَّدُوا موقفهم مرّة أخرى، فاستأنفوا غزواتهم ضدّ المدن الإِسلامية، وكان هدفهم المحوريّ هو سَرَقُسْطَة [zaragoza] الّتي تركها يوسف بن تاشفين لحكم بني هود، وما لبثت أن وقعت سرقسطة في يد النّصارى الإسبان عام ٥١٢هـ دون أن تُجْدِي حملات المرابطين المتوالية على المدينة، وكان سقوط سرقسطة هو الفاتح لسلسلة أخرى من سقوط كثير من المدن والمواقع في شرق البلاد وغربها. ولم يتمكن المرابطون هذه المرة من ضرب الخطر النصراني الإسباني واستعادة زمام الأمور كما حدث في معركة الزّلّاقة، ذلك أنّ المرابطين شغلوا بالثورات عليهم في الأندلس، وكانت فاتحة هذه الثورات ثورة قرطبة عام ٥١٥ هـ/ ١١٢١ م، وزامن هذا بدء ظهور حركة معارضة قوية في المغرب بقيادة الهدي بن تُومَرْت الّذي سينجح بعد أعوام قليلة في تأسيس دولة المُوَحِّدِين على أنقاض دولة المرابطين.
وبعد الانتشار السياسي والعسكري للموحِّدين في المغرب الأوسط والأدنى، كان من الطَّبيعي أن يتوجّه المُوَحِّدون بأنظارهم إلى الأندلس، خاصّة وأن ثوَرَات المتمردّين بها -والّتي تداخلت وتزامنت مع تحركات النّصارى
[ ١ / ٥٠ ]
الإسبان- كانت قد أفقدت المرابطين هيبتهم هناك وبخاصّة بعد ثورة قرطبة عام ٥٣٩ هـ وما تلاها من ثوَرَات (١).
ولقد أبدى المرابطون بالرغم من ذلك بسالة كبيرة في الدفاع عما بأيديهم من البلاد، فلم يستطع عبد المؤمن بن عليّ الاستلاء على فاس إلّا بعد حرب طويلة وحصار شديد دام تسعة أشهر في ذي القعدة عام ٥٤٠ هـ/ أبريل عام ١١٤٦ م، وفي محرم عام ٥٤١ هـ/ يونيو عام ١١٤٦م دخل مراكش وقتل إسحاق بن عليّ بن تاشفبن ونفرًا من أمراء المرابطين، وبذلك انتهت الدولة المرابطية، وأصبح الموحِّدون سادة المغرب وجزء كبير من المغرب الأوسط والأندلس (٢).
_________________
(١) للتوسع انظر: "حواضر الأندلس بين الانتفاضة والثورة خلال العصر المرابطي" للأستاذ محمد العمراني [ط. دار أبي رقراق في الرباط بالمغرب].
(٢) مقدمة الأستاذ حسين مؤنس لـ: وثائق المرابطين والمُوَحِّدِين: ١٠٠ (مكتبة الثقافة الدينية ط ١، القاهرة، سنة: ١٩٩٧ م).
[ ١ / ٥١ ]