لا يمكننا في هذه التوطئة أن نُتَرْجِمَ للإمام مالك ترجمة مستوفاة لعدّة اعتبارات، لا طليعتها سعَةٌ مجال مشاركته في مختلف المعارف والمواقع؛ في القرآن وعلومه، والحديث وفنونه، وفي المواقع السياسية والفكرية من تاريخ أمته، مما أفسح المجال للقول، فأسهم فيه على تتالي العصور القدامى والّمحدَثون.
فقد كتب عنه المتقدَّمون عشرات المؤلّفات الّتي استقصت مناقبه وفضائله، واستوعبت سيرته بشكلّ دقيق، كما اهتم به المعاصرون، فألَّفوا عنه الكتب الماتعة الَّتي أبرزت أثره العظيم في الحياة الإِسلامية من القرن الثاني للهجرة إلى يوم النَّاس هذا، وقد ساق القاضي عياض قائمة حفيلة بالأيمة الَّذين تناولوا أخبار الإمام ومناقبه، مما يُغني عن الإعادة والتَّكرار (١). ولكن هذا لا يمنعنا من الإشارة باقتضاب إلى نبذة مختصرة عنه رحمة الله عليه.
فهو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمر وابن
_________________
(١) انظر ترتيب المدارك: ١/ ٨، وما بعدها.
[ ١ / ١١٩ ]
الحارث، الأصْبُحيّ صَلِيبةَ، نسبة إلى ذي أصْبُح من ملوك اليمن، الحِمْيَريّ، القَحْطانيّ، اليميىّ، ثم المدَنيّ (١).
طلب العلم وه وابن بضع عشرة سنة: (٢)، وطاف على شيوخ الحرمين وتخرَّج على أيديهم. يقول الإمام الذّهبيّ: "تأهَّلَ للفُتيا وجلس للإفتاء وله إحدى وعشرون سنة، وحدَّثَ عنه جماعة وهو شاب طريّ، وقَصَدَهُ طَلَبَة العِلم من الآفاق في آخِر خلافة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا في خلافة الرشيد إلى أن مات" (٣).
وقد عرف مالك بشذَّة التَّحرِّي في الحكم على رجال العلم، فكان يقول: لا يؤخذ العِلْم من أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من سَفِيهٍ مُعلن بالسَّفه وإن كان أرْوَى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذّاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتّهمه أن يكذب على رسول الله - ﷺ -، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرفُ ما يحدِّث به (٤).
_________________
(١) انظر بقية الخامس من طبقات ابن سعد: صفحة ٤٣٣ وما بعدها، التّرجمة ٣٧٢ (ط. باعتناء: زياد محمَّد، الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة)، وهي ترجمة أصيلة؛ لأنَّ ابن سعد رجع فيها إلى طبقة معاصري مالك من تلامذته وأقرانه: "إسماعيل بن أبي أويس، ومطرف بن عبد الله اليساري، ومعن بن عيسى القزاز، ومحمد بن عمر الواقدي".
(٢) انظر سير أعلام النُّبَلاء: ٨/ ٤٩ وحاشية المعتنين بالكتاب.
(٣) المصدر السابق: ٨/ ٤٩ - ٥٠.
(٤) مقدِّمة الكامل لابن عدي: ١/ ١٤٩ (ط. دار الفكر)، والانتقاد لابن عبد البرّ: ٤٧.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقال: أدركتُ في مسجدنا هذا ستّين أو سبعين من التّابعين لم أكتب إلّا ممن يعرف حلال الحديث وحوامه وزيادته ونقصانه (١).
ويقول سفيان بن عُيَيْنَة: ما كان أشدّ انتقاء مالك للرّجال وأعلمه بشأنهم (٢). وقال: إن مالكًا لا يحدَّث إلّا عن ثِقَة (٣).
وقال الشّافعيّ: إذا جاء الحديث عن مالك فشدّ به يدك (٤).
وقال أبو حاتم: مالك نقيّ الرِّجال، نقيّ الحديث، وهو أنقى حديثا من الثوريّ والأوزاعي (٥).