قد يطول بنا المقام إذا ما حاولنا تَتبُّع الطبعات الثلاث في هفواتها وسقطاتها، ولكن لا بأس إن نشير إلى نماذج معدودة مما وقع فيه الأساتذة الأفاضل، حتّى ننبه الباحثين إلى ضرورة تكاثف الجهود للعمل من أجل نشر إرثنا الإِسلامي المخطوط على أسس علمية خالصة، مبنية على القواعد والمناهج الّتي قررها علماؤنا -رحمة الله عليهم-.
١ - جاء في طبعة عبد الباقي (١)، كتاب الجهاد، ما جاء في الغلول: "عن مالك، عن عبد الرحمن بن سعيد " وقولهم: "عبد الرحمن" خطأ ظاهر، والصواب كما في نسخة ابن الطّلاّع: لوحة ١٤٨، وطبعة بشّار (٢)، وطبعة الأعْظَمِيّ (٣): "مالْك، عن عبد رَبَّه بن سعيد ".
٢ - جاء في طبعة عبد الباقي (٤)، وبشّار (٥)، كتاب الحج، ما جاء فيمن أحصر بغير عدو: "مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار؛ أن
_________________
(١) ٢/ ٤٥٧.
(٢) ١/ ٥٨٩.
(٣) ٣/ ٦٥١.
(٤) ١/ ٣٦٢.
(٥) ١/ ٤٨٦.
[ ١ / ١٦٧ ]
سعيد بن حُزَابَة "، وقولهم: "سعيد" تصحيف ظاهر، والصّواب كما في نسخة
ابن الطّلاّع: لوحة ١٢٠، وطبعة الأعْظَمِيّ (١): "مَعْبَد بن حُزَابَة".
٣ - جاء في طبعة بشّار (٢)، كتاب البيوع، الحكْرَةُ والتَّرَبُّص: "مالك؛ أنه بَلَغه أنّ عمر بن الخطاب قال: لا حُكرَةَ في سُوقِنَا، ولا يَعْمِدُ رجالٌ بأيديهم فُضولٌ من أَذهَابٍ، إلى رِزْقٍ من رِزْقِ الله نزل بساحتنا، فَيَحْتَازُونَهُ علينا، فَيَحْتَكِرُونَهُ " ولا ندري من أيّ مصدر استقى الأستاذ بشّار زيادة: "فيحتونه علينا"؟ وأسقط كلّمة: "علينا" الَّتي تلي كلّمة: "فيحتكرونه"؟ على أن الصّواب الَّذي في نسخة ابن الطَّلّاع: لوحة ٢٤٣، وطبعة عبد الباقي (٣)، والأغظَمِيَ (٤): " بساحتنا، فيحتكرونه علينا ".
نكتفي بهذا القدر من ببان بعض الهفوات الَّتي لا يخلو منها كتاب، وأبى الله الحفظ إلا لكتاب الله ﷿، وكم كنا نوَدُّ لو تمهَّل الأستاذان الفاضلان، فأرجآ نشر كتابيهما إلى حين، حتّى يتمكّنا من الاطلاع على عيون نُسَخِ "الموطَّأ" بالخزائن المغربية، وبعض النّوادر في إستانبول وغيرها من العواصم العالمية، ونعتقد أن ظروف الحصار الظالم قد حالت دون تحقيق هذه الأمنية لأخينا بشّار، وهو الَّذي صرَّح به في مقدمة كتابه عندما قال: "على أن نُسَخَ "الموطَّأ" في خزائن الكتب كثيرة تبلغ المئات، يتعذَّر على من هو في مثل ظرفنا
_________________
(١) ١/ ٥٢٧.
(٢) ٢/ ١٧٩.
(٣) ٢/ ٦٥١.
(٤) ٤/ ٩٤٢.
[ ١ / ١٦٨ ]
جمعها والمقابلة بينها ودراستها فبدأنا ندرُس النُّسَخ المتوفرّة في بلادنا لا سيّما في مدينة السلام بغداد حرسها الله"، ولا ندري ما هو عذر الأستاذ الأعْظَمِيّ في عدم تقصِّيه، واقتصاره على النُّسَخ الَّتي اقتصر عليها؟
وفي ختام هذا المبحث، نرى من المناسب أن نذكر بعض النُّسَخ من "موطأ يحيى" الَّتي وقفنا عليها في الخزانة العامة في الرِّباط، تُمثِّل أنموذجًا جيِّدًا لما تحويه الخزائن المغربية من نوادر وعيون "مُوَطَّأ يحيى" (١)، وهي كالتالي:
١ - جزء من "الموطَّأ"، تحت رقم: ٢٣١ ك، وهو نسخة أندلسية عتيقة جدًا، بُتِرَ أوّلُها وآخرها، قديمة الخطِّ، كُتِبَت حوالي سنة: ٥٠٠هـ تقديرًا، تشتمل على ١٤٤ ورقة، شديدة الضَّبط والإتقان، مقابلة بعناية، وعليها سماعات تدلُّ، على أنَّه قرئ منها على الإمامين: أبي القاسم خَلَف بن محمّد الشّاطبيّ [ت.٥٢٠] وأبي الحسن عبُّاد بن سَرْحَان بن مسلم المعافري الشاطبي، صرَّح باسم الأول في موضعين: في أَخر باب ميراث ولد الملاعنة وولد الزنا، وفي آخر كتاب القراض. ووقع التصييح بالسماع على الثاني آخر باب الطاعون.
٢ - جزء من "الموطَّأ" تحت رقم: ٢٩٤٧ ك، ٥٥ ورقة، كتب على رقِّ غزال، وهو الجزء الثاني والعشرون، وهو الثالث من كتاب البيوع وكراء
_________________
(١) وللاطلاع على نسخ الخزانات العالمية تاريخ التراث العربيّ لفؤاد سزكين: ١/ ٣/ ١٣٢/ - ١٣٣، والفهرس الشامل للتراث العربّي الإِسلامي المخطوط:٣/ ١٦٣٩ - ١٦٥١
[ ١ / ١٦٩ ]
الأرض، نهايته: باب ما جاء في الإحداد، وجاء في الورقة الأولى: "وهو مما كتبه لخزانة أمير المسلمين عليّ بنيوسف بن تاشفن -أدام الله تأييده ونصره- يحيى بن محمْد بن عبَّاد اللَّخْمِيّ" كما ورد في النسخة: "بلغ مقابلة عام: ٥٠٣ هـ".
كنا قد اطلعنا على هذه النُّسخة أيام كُلَّفنا من الاتّحاد الأُمَمِي للمجامع العلمية التابع للمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة [اليونيسكو] للبحث عن النسخ النادرة لموطأ يحيى، واقتصرنا في بحثنا -يومئذ- على الخزانتين العامّة والملكية بالرّباط، ومن حُسن الحظّ أن أحد الطّلبة النابهين المقتدرِين، استطاع بهمَّتِه الشَّمَّاء، أن يستقصي البحث عن النُّسخ العتيقة في الخزائن المغربية، واستنفد طاقته -مشكورا مأجورا إن شاء الله- وبذل جهده في تلَمُّسِ النوادر في مظانها، وقد تقدم ببحثه لنيل شهادة الدراسات العليا المعمقة في دار الحديث الحسنية، بالرباط، في الغرب الأقصى، تحت إشراف الأستاذ محمد الراوندي، وسنستعين به -بعد الله- في وصف القِطَعِ الموزَّعَة بين خزائن المغرب من هذه النُّسخة القيمة.
القطعة الأولى: تحت رقم: ٦٠٥ من محفوظات خزانة القرويَّين، عدد أوراقها: ٧٢ ورقة، تشتمل على كتاب الصيام.
القطعة الثانية: تحت رقم: ٦٠٥ بخزانة القرويين أيضًا، عدد أوراقها: ٥٩ ورقة، تشتمل على كتاب الجنائز.
القطعة الثالثة: تحت رقم: ١٩٨٨ بخزانة القرويين، عدد أوراقها: ٢٤ ورقة، تشتمل على أوراق مبعثرة، لكتب ناقصة، وهو النكاح والطلاق والبيوع.
[ ١ / ١٧٠ ]
القطعة الرابعة: تحت رقم: ٢٠٠٥، بخزانة القرويين، عدد أوراقها: ٥٥ ورقة، تشتمل على كتاب الرجم والحدود.
القطعة السادسة: تحت رقم: ٦٠٥ بخزانة القروين، عدد أوراقها: ٨١ ورقة، تشتمل على الجزء الثالث من كتاب الجامع.
واسم الناسخ كما ذكرنا سابقا هو ولد المعتمد بن عباد، وخطها أندلسي، عدد الأسطر في الصفحة: ١٢ سطرا، مقاسها: ٢٧ سم/ ٢٠ سم.
وهي نسخة عتيقة، ناقصة من الأول والوسط والأخير، وبعض القطع مبعثر الوراق غير مرتب، وقد أصابت الرطوبة هذه النُّسخة فمحت كثيرا من صفحاتها.
وهذه النُّسخة معارضة بنُسْخَةٍ أُمَّ، ومقابلة، ففي كثير من المواطن أثبت الناسخ يحيى بن محمد في الحاشية: "بلغ العرض بالأمِّ فَصَحَّ" كما في الورقة الأولى من القطعة الأولى. (١)
-٣ - نسخة عتيقة جدًا، تحت رقم: ٣٤٧ ق، من مخطوطات الزّاوية النّاصرية بتمكروت، وخطّها أندلسيٌّ قديم جدًا كتب على رقِّ غزالِ، وفي آخرها: "وكتبه شُرَيْح ابن محمّد بن شُرَيْح الرُعَيْني لابنه محمّد - وفقه الله وسدَّده وعصمه وأيَّده-" وفيها سماع كُتِبَ في بعضه: "قرأه جميعه على الفقيه الأجل الخطيب أبي الحسن شُرَيْح ابن محمّد بن شُريح، وأبي الأصبغ عيسى وسمعه بقراءة ابنه محمّد والفقهاء: أبو بكر بن المرابط،
_________________
(١) رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ بين المخطوط والمطبوع للأخ جعفر أهمدي: ٨١.
[ ١ / ١٧١ ]
وأبو محمّد بن عصفور، ومحمد وأحمد أبناء وجماعة كثيرة سنة:٥٢٨ هـ وعلى النُّسخة طُررٌ وتصحيحات ومقابلات.
تكملة جعفرية (١): يبلغ عدد أوراق النُّسخة: ١٦٠ ورقة، عدد الأسطر: ٢٧ سطرا، مقاس الصفحة: ٢٥ سم/٢٠ سبم، وفي النُّسخة خروم بفعل الأرضة، وقد سقطت منها بعض الأوراق ابتداء من الصفحة: ١ - ٥، ومن: ٢٤ إلى: ٣١، وقد استدركت هذه الأوراق بخط متأخر.
ومما زاد هذه النُّسخة نفاسةً، أنها عُورِضَت من قبل عالم محدِّث هو عبد بن أحمد بن بليط، كان معتنيا بتقييد الحديث، سمع في إشبيلية من ابن العربّي، وفي قرطبة من ابن شُرَيْح، وله رواية عن غير هؤلاء.
وتحتوي هذه النُّسخة على حواش علمية نفيسة، تشير إلى اختلاف الروايات عن مالك، واختلاف الطرق عن يحيى، وشرح الغريب.
-٤ - نسخة قديمة تحت رقم: ٣٣٨٦ د، بخط أندلسي جميل، كتب في القرن السادس تقديرًا، عدد صفحاتها ٣٩١ صفحة، وهي مبتورة الأول والأخير، إلَّا أنَّه في العقود المُتأخرة استدرك النقص وكمِّل من نسخة أخرى [من صفحة ١ إلى ٩، وفي ٣٨٦ إلى ٣٩١] وعلى النُّسخة طُررٌ وتصحيحات.
-٥ - السَّفْر الثاني من "الموطَّأ" تحت رقم: ٣٢٣٩ د، عنوانه مُذَهّب، بخطٍّ مشرقيٍّ، ويحتوي على ٣٥٤ صفحة، وعليه تملُّك عام: ١١٩٨ لمحمد بن عبد الرحمن الحسني، وبدايته: كتاب البيوع.
_________________
(١) نسبة إلى الأخ جعفر صاحب رسالة دارواية يحيى بين المخطوط والطبوع": ٨٦.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفي النُّسخة رموز ومختصرات تشير إلى خلافات روايات "الموطَّأ" كابن بُكير وغيره، وآراء بعض الشارحين كالقنازعي والبوني وغيرهما.
وفي اللوحة الأخيرة: ٣٥٤ كتب بخطٍّ أسود: "تمَّ التصحيح والتقييد" وكتب بخطٍ أحمر: "وتَّمت القابلة، وتمَّ كتاب الجامع من مُوَطَّأ مالك بن أنس بحمد الله وعونه، وبتمامه كمل "الموطَّأ"، وصلى الله على محمّد نبيِّه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وذلك في شهر جمادى الأولى سنة: أربع وست مئة".
-٦ - نسخة عتيقة، تحت رقم ٢٩١١د، بخط أندلسيٍّ، وعليها بلاغات وتصحيحات وذكرٌ لاختلاف الرِّوايات، وبالأخصِّ القَعْنَبيّ وابن بُكَيْر ومُطَرِّف. وفي آخرها: "كمل كتاب الموطَّأ بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، وكان الفراغ منه مساء يوم الأحد السادس والعشرين من شهر شوال من ثلاث عشرة وستّ مئة، على يد ناسخه لنفسه عبد الله أحمد بن محمّد اللَّباد، وفقه الله وعفا عنه ".
تكملة جعفرية (١): كتبت بخط أندلسي، سوى ما استدرك فهو بخط مغربي، وعدد أوراقها: ١٢٠ ورقة، وعدد الأسطر: ٢٩ سطرا، مقاسها: ٢٥ سم/١٨سم. تشتمل على حواش هامة تشير إلى اختلاف الروايات عن مالك، واختلاف طرق الرواية عن يحيى، وإصلاحات ابن وضاح.
_________________
(١) من بحث: دارواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ بين المخطوط والمطبوع" لجعفر أهمدي: ١٠٤.
[ ١ / ١٧٣ ]
-٨ - نسخة تحت رقم: ٨٤٠ ج، بخطٍّ أندلسي جميل، وهي مكتوبة على رق ممتاز، وتحتوي على ٤٠١ صفحة، وعليها تصحيحات وبلاغات، وبعض الشروح عن ابن وضَّاح، وكان الفراغ من هذه النُّسخة سنة:٥٩٥ هـ.
ونرى أنّضه في ضوء هذه النسخ النَّادرة إالَّتي تحتويها مكتبة واحدة من مكتبات المغرب، ينبغي بل يجب على الأستاذين الفاضلين بشّار عوَّاد معروف ومحمد مصطفى الأعظمي أو غيرهما أن يعيدا النظر في نشرتيهما، حسب الأصول والقواعد المتفق عليها عند علماء الحديث، مستعينين بهذه النسخ الَّتي يكمل بعضها بعضا، وبغيرها مما هو محفوظ في مختلف المكتبات العالية.