شاع ذِكْرُ مالك بن أنس في عصره، فملأ العالم - الإِسلامي ما بين المشرق والمغرب، وتحدَّث النّاسُ بعِلْمِه وفِقْهه، وتذاكروا موطّأه وعجيب تصنيفه له، وعظيم تحَرِّيه فيه، فسرعان ما ضربت النَّاس إليه أكباد الإبل، يسألونه الفُتْيا، ويطلبون عنده العِلْم، ويتخرّجون بين يدَيه في الفقه، فكان مجلسه غاصَّا بالمستفتن والرّاوين والمتفقهين، بين المقيمين منهم والعابرين، وبذلك كَثُرَت الرِّواية عنه واختلفت أوجهها. وكان كتاب "الموطَّأ" نظام ذلك العِقْد وقُطب تلك الدّائرة.
ولم يكن تأليف الإمام مالك للموطّأ كعادة الطّبقات المتأخِّرة في تصانيفهم، بل كَتَبَه بيده، لئلّا يغلط فيما يلقيه على الجماعة، ثم وكّل به كاتبًا له اسمه "حبيب" فنَسَخَه له، وكان يقرأه حبيب للنّاس في حلقته بين يديه، وهو على منصّته يسمع ورواد الحلقة يكتبون، وأحيانًا يقرأ من كُتُبٍ من إملاء حبيب، لتصحيح ما كَتَبَ بسماع مالك إياه وإقراره عليه (١)، وفي هذه القراءة
_________________
(١) كان مالك - ﵀ - لا يرى فوقًا في السّماع بين أن يقرأ المحدِّث على رُواته، وبين أن يقرأ بعضهم عليه وهو يسمع والبقية يسمعون، وقد ذكر البخاري في باب القراءة والعرض على المحدِّث من كتاب العلم من صحيحه فقال: سمعتُ أبا عاصم يذكر عن سفيان الثوري ومالك أنهما يربان القراءة والسماع جائزا، وأن القراءة على العالِم وقراءَتَة سواء.
[ ١ / ١٢٩ ]
يعرض التوقّف ويثور السؤال الَّذي يقتضي البيان، ولذا كان يزيدُ فيه وينقصُ منه حسبَ ما يبدو له في كلّ دورٍ من أدوار التسميع المختلفة، فاختلفت نُسَخُ "الموطَّأ" ترتيبًا وتبويبًا، وزيادة ونقصًا، وإسنادًا وإرسالًا، على اختلاف مجالس المستَمْلِين، فمنهم من سمع عليه "الموطَّأ" سبعَ عشرةَ مرّة، أو كثر أو أقل، بأن لازَمَهُ مُدَدًا طويلةً تسَعُ تلك المرات، ومنهم من سمعه عليه في ثمانية أشهر، ومنهم من سمعه في أربعين يومًا. وكان الإمام يعرف ما عاناه في تأليف الكتاب من جهد جهيد؛ فكان يطمح إلى أن يُقابَل بالصبر والتَّأني من المتلَقِّين، فلذلك نراه برمًا كن يتعجَّل التحمُّل، عاتبا على من لا يطيل في أيام الرِّواية، فيقول: "كتاب ألَّفته في أربعين سنة: أخذتموه في أربعين يومًا! ما أقلَّ ما تفقهون فيه .. ! " (١).
ومنازل هؤلاء المستمْلِين تتفاوتُ فهمًا وضبطًا، وضعفًا وقوّةً، فتكون مواطن اتّفاقهم في الدّروة من الصِّحَّة عن مالك، ومواضع اختلافهم وانفرادهم متفاوتةً المنازل حسب ما لهم من المقام في كتب الرِّجال (٢). وقد تكفَّلت كتب اختلاف الموطآت بإبراز ما فيها من فروق، ترجع مرَّة إلى التقديم والتأخير، أو إلى عدد الأحاديث أو طبيعتها من حيث كونها من المرفوعات أو الموقوفات أو المقاطع، أو من حيث كونها متصلَّة أو مرسلة.
_________________
(١) عن ترثيب المدارك: ١/ ٧٥.
(٢) مقدمة محمّد زاهد الكوثري لأحاديث "الموطَّأ" للدارقطني: ٣ - ٤ (ط. مكتب نشر الثقافة الإِسلامية للسيَّد عزت عطار الحسيني، القاهرة).
[ ١ / ١٣٠ ]
وقد نقل السُّيوطي في مقدِّمة "تنوير الحوالك" (١) "عن الحافظ صلاح الدين العلائي قوله: روى "المُوَطَّأ" عن مالك جماعات كثيرة، وبن رواياتهم اختلاف -من تقديم وتأخير وزيادة ونقص- ومن أكثر زيادة الرِّوايات زيادة رواية أبي مُصْعَب، فقد قال عنها ابن حزم: في موطَّأ إبي مصعب -زيادة على سائر الموطآت- نحو مائة حديث، وقال الغافقي فيْ "مسند الموطَّأ": "اشتمل كتابنا هذا على ست مئة حديث وستة وستين حديثا، وهو الَّذي انتهى إلينا من مسند مُوَطَّأ مالك. قال (٢): وذلك أنِّي نظرت "الموطَّأ" من ثنتي عشرة رواية رُوَيت عن مالك -وعدَّدها- قال السُّيوطي (٣): "وقد وقفتُ على "الموطَّأ" من روايتين أخريين سوى ما ذكر الغافقيّ، إحداهما رواية سُوَيد بن سعيد، والأخرى رواية محمّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة".
وينبغي التنبيه على أنَّ الَّذين رَوَوا عن مالك "الموطَّأ" هم طبقة أخصُّ من الرُّواة عن مالك بإطلاق، وأقلُّ عددا وأقربُ صلةً. وكان القُدَماء يُدركون تبايُن منزلتيهما ولا يخلطون بين الطّبقتين، وقد تصدَّى مؤرِّخ المذهب القاضي عياض -﵀- في كتابه الحجّة "التّرتيب (٤) لذِكْر هذه الطّبقة، فعَقَد لهم بابًا سَرَدَ فيه أسماءهم، معلِّقا على ذلك بقوله (٥): "فهؤلاء الَّذين حقّقنا أنّهم رَوَوا عنه "الموطَّأ" ونصَّ على ذلك أصحاب الأثر، والمتكلِّمون في
_________________
(١) ١/ ٩.
(٢) في مسند "الموطَّأ": ٦٣٣.
(٣) في تنوير الحوالك: ١/ ١٠.
(٤) ٢/ ٨٦.
(٥) في ترتيب المدارك: ٢/ ٨٩.
[ ١ / ١٣١ ]
الرِّجال إنّما ذكرنا من بَلَغَنا نصًّا سماعُهُ له منه، وأخذُهُ له عنهُ، أو اتصلَّ إسنادا له فيه عنه، والَّذي اشتهر من نسخ "الموطّأ" نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون نسخة".
وقد قيَّد القاضي عياض العشرين نسخة الَّتي ذكَرَها بكونها ممّا رواه أو وَقَفَ عليه، أو كان في رواية شيوخه، أو نقَلَ منه أصحاب "اختلاف الموطآت" وفي هذا التّقييد من الفوائد ما لا يخفى، إذ لولاه لتلقَّفه من يتعلَّق بالإغراب، فيدَّعي أنَّ القاضي عياضا رَوَى أو وقف على عشرين رواية، أو كان في عصره من شيوخه من يروي عشرين رواية إلى فذلك ما أراد دفعه عياض؛ لأنّه إنّما بلغ هذا العدد بضمِّ ما في روايته إلى ما في روايات شيوخه من جهة، إلى ما عند أصحاب "اختلاف الموطآت".
ولعلَّ من المفيد أن نأتي على ذكر ما بَلَغَنا من هذه الرِّوايات، دون أن نتكثر بالتّفصيل فيها، إذ يكفي الإحالة على طبعاتها ليُسْتَغْنَى بذلك عن التّرجمة لرُواتها والتّعريف بنُسخها وخصائصها:
١ - رواية عليّ بن زياد التونسي (ت. ١٨٣هـ)
وهي من أوائل الرِّوايات، إلَّا أنها كانت قليلة الانتشار، وقد تكفّل الشّيخ محمّد الشاذلي النيفر بالاعتناء بالقطعة الَّتي وصلتنا من الكتاب وطبعها سنة:١٩٧٨م في الدار التونسية للنشر، ثم في دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الخامسة سنة:١٩٨٤.
[ ١ / ١٣٢ ]
٢ - رواية محمّد بن الحسن الشيباني (ت. ١٨٩هـ) (١)
وقد تعدَّدت النّسخ الخطيّة لهذه الرِّواية، وطبعت طبعات مختلفة، أشهرها طبعة المجلس الأعلى للشئون الإِسلامية بالقاهرة، باعتناء الشّيخ عبد الوهاب عبد اللطيف.
٣ - رواية أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم (ت. ١٩١هـ)
ذكر الأستاذ محمَّد بن علوي المالكي أنه وقف في الكتبة الوطنية بتونس [ملف: ٢١٨ - ٧٧] على قطعة نادرة من هذه الرِّواية، مكتوبة بخط مغربي واضح، تشتمل على بقية من باب أحكام الرقيق، ثم الأبواب المتعلقة بببع الثمار، ثم الأبواب المتعلقة ببيع النقدين والصرف، ثم الأبواب المتعلقة ببيع الطعام، إلى باب ما يجوز في السلف (٢).
وكان شيخ شيوخنا محمّد الفاضل بن عاشور قد أشار في مقال له (٣) إلى هذه النُّسخة فقال: "رواية عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري،
_________________
(١) وهذه الرِّواية هي أوضح مثال لمن روى عن مالك من غير أتباع مذهبه، وفيها يُبيَّن محمّد بن الحسن ما خالف فيه مالكًا من الفقه أهل العراق، كما تفرَّدَت هذه الرواية بزيادة بعض الأحاديث والآثار من طريق أهل الكوفة، ولا يخفى ما في هذه الطرق من ضعف، فدخل الخلل في مُوَطَّأ محمَّد بن الحسن من هذه الجهة. وللوقوف على النسخ المخطوطة لهذه الرِّواية انظر تاريخ التراث العربيّ لسزكين: م ١ج ٣/ ١٣٣، واستدراكات على تاريخ التراث لنجم خلف: ٥٧.
(٢) مقدمة تلخيص القابسي لموطأ مالك برواية ابن القاسم: ١١ - ١٢. وانظر الفهرس الشامل: ٣/ ١٦٤٩.
(٣) في مجلة الأزهر، الجزء: ١، السنة:٣٦، الحرم سنة:١٣٨٤ هـ: صفحة: ٣٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
وتوجد منها قطعة ذات بال برواية الإمام سحنون عنه هي أيضًا مما اشتملت عليه مكتبة الجامع الأعظم بالقيروان"، كما أشار إليها أيضًا شيخنا محمّد الشاذلي النيفر في مقدمته لموطأ ابن زياد (١).
ووصلنا تلخيص أبي الحسن عليّ بن محمّد القابسي (ت.٤٠٣ هـ) الَّذي اقتصر فيه على الروايات المرفوعة، وما في حكم الرفع، وقد اعتنى بهذا الملخص الأستاذ محمّد بن علوي المالكي، ونشوه بدار الشروق بجدَّة، سنة:١٤٠٥.
٤ - رواية أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة القَعْنَبيّ (ت. ٢٢١هـ)
وتوجد من هذه الرِّواية عدة نسخ من أجودها نسخة عند محمّد السّقّاط بالدّار البيضاء، بالمغرب الأقصى، حَصَلَت على جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، وقد طُبعَت قطعة من هذه الرِّواية (٢)، والقطعة تشكو من الخلل الواضح والنّقص الفاضح، جَبَرَ الله خللَها ونقصها، وقيَّض من يقول بقراءتها وضبطها وطبعها طبعة متقنة مجوَّدة (٣).
_________________
(١) صفحة: ٦٩.
(٢) طبعت بتونس باعتناء عبد الحفيظ منصور، سنة:١٩٧٦، في الدار التونسية للنشر والشركة الوطنية للتوزيع بالجزائر، ثم بدار الغرب الإِسلامي ببيروت، سنة:١٩٩٩ باعتناء عبد المجيد تركي.
(٣) ويمكن للباحث أن يستعين بأبي داود في سننه، فإنه اعتمد على هذه الرواية في جل الأحاديث الروية عن الإمام مالك.
[ ١ / ١٣٤ ]
٥ - رواية أبي عبد محمّد عبد الله بن وهب المصري (ت.١٩٧هـ)
قال شيخ شيوخنا محمَّد حبيب الله الشَّنْقِيطِيّ (١): "وتوجد الآن نسخته بمكتبة فيض الله شيخ الإسلام بالأستانة العليّة كما أخبرني به بعض علماء التُّرك الأفاضل".
قلنا: وصلتنا قطعة نادرة من هذه الرِّواية محفوظة بمكتبة القيروان بتونس، تحت رقم: ٢٤٤، مكتوبة على الرّقّ، بخطَّ كوفيِّ قديم، وتشتمل على كتاب المحاربة، ونشرها مؤخرا المستشرق الأعجمي ميكلّوش موراني الألماني، في دار الغرب الإِسلامي، ببيروت، سنة: ٢٠٠٢.
ونشر بعض أدعياء التحقيق (٢) قطعة من كتاب ادَّعى جهلًا أنّها جزء من موطّأ ابن وهب، والصّحيح أنّها جزء مختصر من "الجامع" لابن وهب، باختصار أبي العباس محمّد بن يعقوب الأصَمّ [ت. ٣٤٦ هـ] ومن أسفٍ طُبع الكتاب للمرّة الثانية في دار كنا نظنّ أنها من دُورِ النّشر المحترمة الَّتي تحتكم في طبع منشورائها إلى آراء أهل الذِّكْر، إلَّا أن واقع الحال يدلُّ أنها انضمُّت إلى دُورِ نشر الأُمِّيَّة بتعبير الحاج الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الإِسلامي.
_________________
(١) في دليل المسالك إلى موطّأ الإمام مالك: ٤٣ (مطبعة الاستقامة القاهرة سنة: ١٣٥٤ هـ).
(٢) هو هشام بن إسماعيل الصيني، الأستاذ! بجامعهْ أم القرى، بمكة المكرمة، نشر الكتاب في دار ابن الجوزي، بالدمام في المملكة العربية السعودية.
[ ١ / ١٣٥ ]
٦ - رواية سُوَيْد بن سعيد الحدَثاني (ت. ٢٤٠ هـ)
وقد تصدَّى للاعتناء بها عبد المجيد تركي، معتمدا على ثلاث نسخ خطية، وطبعها بدار الغرب الإِسلامي، سنة:١٩٩٤، وفي السنة نفسها طُبعَت هذه الرِّواية في وزارة العدل والشؤون الإِسلامية بالبحرين، بالاعتماد على نسخة واحدة في ظاهرية دمشق.
٧ - رواية أبي زكريا ير بن عبد الله بن بُكَير (ت. ٢٣١هـ)
وقد وصلتنا أربع نسخ خطية:
إلاَّولي: في المكتبة السُّليمانية في إستانبول (١)، تقع في ٢٠٦ لوحة، كتبت سنة: ٧٨٥هـ وهي كاملة، وعليها سماعات.
والثانية: في ظاهرية دمشق، تحت رقم: ٣٧٨٠، في ٢٧٣ ورقة، كتبت سنة: ٦٠٠هـ، ناقصة الأبواب الأولى، وتبدأ من كتاب الزكاة، وهي مجزّأة إلى سبعة عشر جزءًا حديثيًّا، وتوجد في بداية كلّ جزء ونهايته سماعات لكبار العلماء الأثبات.
_________________
(١) لدينا صورة استجلبناها من المكتبة المركزية بالجامعة الإِسلامية بالمدينة النبوية المنورة، ومن أسف فإن بعض المصورات النفيسة المحفوظة بتلك الكتبة، تُعْطَى أرقاما خاصَة، وربما أزيل اسم ورقم المكتبة الَّتي تحتفظ بالأصل المخطوط، وهكذا تفقد هذه المصورات قيمتها العلمية، وهذا ملاحظ أيضًا في خزانة الشّيخ حماد الأنصاري.
[ ١ / ١٣٦ ]
والثالثة: في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمّد بن سعود الإِسلامية بالرياض، تحت رقم: ٥٩٨٧، ضمن مجموع رقم: ٤٣، لم نقف عليها.
والرابعة: في المكتبة الأزهرية، تحت رقم: ٤٤٥، لم نقف عليها، وقد صوَّرَها شيخنا إسماعيل الدَّفتار للأستاذ محمّد مصطفى الأعْظَمِيّ الَّذي وصفها بالناقصة وبالمشوّشة التّرتيب (١).
واختصر هذه الرّواية محمَّد بن تُومَرْت، مهدي الموحِّدين [ت. ٥٢٤] رواها عبد المؤمن بن عليّ عن المهدي بسَنَدِهِ إلى يحيى بن عمر الكناني، عن يحيى بن عبد الله بُكَيْر بن المخزومي، وأملاه عبد المؤمن في مراكش يوم الاثنين: ٣ ذي الحجة سنة: ٥٤٤هـ، وأملاه الهدي في أول رمضان سنة: ٥٤٤ هـ في هرغة من بلاد سوس، بالمغرب الأقصى، وقد أتبع الهدي كلام مالك بخلاف ووفاق، وطبع باسم: "السِّفر الأول من مُوطّأ الإمام المهديّ - ﵁ -" في مطبعة فونتانا الشرقية بالجزائر، سنة: ١٣٢٣هـ، ١٩٠٥ م (٢)، وقامت على نشره: ولاية عموم القطر الجزائرى، أيام إلاحتلال الفرنسي الكريه، وقام على تصحيحه ومقابلته على الأصل المخطوط: الحفناوي، هكذا ورد في آخر المطبوع، والغالب في الظن أنه أبو القاسم محمَّد
_________________
(١) مقدِّمة موطّأ الإمام مالك: ١/ ٣١٥.
(٢) أخطأ هنري ماسي في بحثه باللغة الفرنسية: "الدراسات العربية في الجزائر:١٨٣٠ - ١٩٣٠" المستل من "الحيلة الإفريقية " الرقم: ٣٥٦ - ٣٥٧ الفصل الثالث والرابع، سنة: ١٩٣٣م، صفحة: ٤٥ فذكر إن مُوَطَّأ الهدي نشر في سنة:١٩٠٧م، والخطأ نفسه وقع فيه بروكلمان في تاريخه: ٢/ ٣٠٠.
[ ١ / ١٣٧ ]
الحفناوي صاحب كتاب "تعريف الخلف برجال السلف" (١)، ويحتوي على: ٧٥١ صفحة، من: ٧٤١ إلى: ٧٤٦ فهرست الخطأ والصواب، ومن: ٧٤٧ إلى آخر الكتاب الفهرست العام (٢). واعتمد الناشر على نسخة محفوظة بالمكتبة الوطنية بالجزائر، ويسمّى أيضًا: "محاذي الموطّأ" وأخطأ سزكين (٣) عندما ذكر أنّه طُبعَ في عَليكرة بالهند سنة: ١٩٠٧ (٤).
وقامت الطالبة هُدَى بكُّوش بالاعتناء كوطّأ المهدي، فألحقت ما أسقَطَهُ
_________________
(١) ترجمه مخلوف في شجرة النور الزكية: ١/ ٤٣٤.
(٢) نظرا لبعدنا عن خزانتنا الحمودية، فقد استعنا بالأستاذ محمَّد الراوندي - هو الخبير بإرثنا الإِسلامي مخطوطا ومطبوعا- فأمدنا عبر الهاتف بهذه المعلومات القيمة، فجزاه الله عن العلم خير الجزاء.
(٣) في تاريخ التراث العربيّ: ١/ ٣/ ١٣٣.
(٤) وقد وهَمَ الأخ محمَّد بن عبد الله التليدي وهما بَيِّنًا عندما ذكَر في كتابه "تراث المغاربة في الحديث النّبوي وعلومه": ٢٤٩ [دار البشائر، بيروت: ١٤١٦ هـ] أنّ المختصر نُشِرَ بعناية المستشرق بروفنسال بالجزائر، سنة: ١٩٠٥، فهل أصبح إرْثُ أُمَّتِنا مُبتَدل الفِنَاءِ حتى بقوم غلمان المستشرقن الأعاجم الّذين لم يبلغوا الحلُمَ بنشر تراثنا؟! من المعلوم أنّ المستشرق اليهوديّ ليفي بروفنسال ولد بالجزائر سنة: ١٨٩٤م فهل يُعْقَل أن يَنشُر "مختصر الموطّأ" وعمره لا يتجاوز تسع سنوات؟ ونحن لم ننكر على الأخ التليدي خطأه إلّا لعلمنا أنّه من طلبة العلم المشتغلين بالحديث وعلومه، فالمرجو والمأمول أن يكون على خُطَى علمائنا المحدِّثين في المبالغة في التَّثبُّت والتّنقيح والدِّقَّة.
[ ١ / ١٣٨ ]
ابن تُومَرْت من أسانيد، وذلك بالاعتماد على نسخة السليمانية (١)، وربّما على غيرها، وتقدّمت به لنَيل شهادة العالمية العالية بعنوان: "الموطَّأ برواية يحيى بن بكير، لمحقيق وتأصيل لرواية المهدي ابن تومرت المختصر" جامعة ابن طفيل، كلّية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، المغرب الأقصى. كما تقدمت الطالبة صباح الزخنيني لنيل شهادة عالية في كلّية الآداب بجامعة الحسن الأول بوجدة في المغرب الأقصى.
٨ - رواية يحيى بنيبيح اللّيثي المصمودي (ت.٢٣٤هـ) (٢)؛ وقد كُتِبَ لها في القرون المتأخرة وبخاصة في العصر الحاضر ذيوعٌ وشُيوع، بتعدُّدِ الطَّبَعَات، وتوارد المعتنين بها: محمّد فؤاد عبد الباقي سابقا، وبشار عوَّاد معروف ومحمد مصطفى الأعْظَمِيّ لاحقًا.
يقول الإمام عبس العزيز بن ولي الله الدهلوي (٣): "وهي-أي رواية يحيى- أكثر الرِّوايات رَوَاجًا واشتهارًا وتداولًا بين العلماء، وإذا أطلق موطّأ مالك انصرف لها وتبادرَ الذِّهن إليها".
_________________
(١) قال محمَد بن الحسين: أذكر أنّني صَوَّرتُ نسخة من هذه المخطوطة للأخت الفاضلة هدى بكّوش، فعسى أن تكون قد أسعفتها في الاعتناء بالكتاب وتحرير نصوصة على كمل وجه.
(٢) انظر كتاب "يحيى بن يحيى اللَّيثي وروايته للموطّأ" للأستاذ محمّد حسن شرحبيلي، منشورات كلّية الشريعة بأكدير، المغرب، سنة: ١٤١٦ هـ
(٣) في بستان المحدِّثين في بيان كتب الحديث وأصحابها الغُرّ الميامين: ٣٣ [ط. باعتناء الأخ كرم النَّدْوي دار الغرب الإِسلامي ببيروت: ٢٠٠٢].
[ ١ / ١٣٩ ]
وهذه الرِّواية انتشرف في الغرب الإِسلامي، وتوارد العلماء عليها نسخًا وروايةً وشرحًا وتعليقًا، وسنعودُ لتفصيل أوجُه العناية بها متنًا وإسنادًا.
٩ - رواية أبي مُصْعَب أحمد بن أبي بكر الزُّهريّ (ت. ٢٤٨ هـ)، وهي من الرِّوايات الَّتي حجَبَها عدم الإعمال حتّى كاد يطويها النّسيان، وُيعتبر راويها من آخر من روى "الموطَّأ" عن مالك من الثِّقات. قال ابن حزم: "آخر ما رُوي عن مالك: موطّأ" أبي مُصْعَب، و"موطّأ" أبي حذافة، وفيهما زيادات على الموطّآت نحو مئة حديث" (١)، وقد قام بالاعتناء بها بشّار عوّاد معروف ومحمود خليل، ونشرفها مؤسسة الرّسالة (عام: ١٤١٢ هـ) ومن أسَفٍ فقد اعتمدا على نسخة واحدة محفوظة بمتحف سالار جنك بحيدر آباد بالهند، تحت رقم: ٨٤، مع توَفُّر نُسَخٍ جيِّدة، منها مخطوطة الظّاهرية بدمشق، تحت رقم: ١٨٧٩ في ثمانية أجزاء حديثيّة.
وفي الختام نقول: إنّنا لا نقطع بأنَّ هذا آخر ما يمكن أن يكون موجودًا من روايات "الموطَّأ"، فالرّجاء معقودٌ على هِمَمِ الباحثين، لنسعدَ بمزيدٍ من الجديد الَّذي يُثري ميدان البحث في مجال روايات "الموطَّأ".
ومن أهم وجوه الاختلاف بن هذه الموطآت تتمثل في:
- الاختلاف في الترتيب الكتب والأبواب.
- الاختلاف في عدد الأحاديث المرفوعة.
_________________
(١) عن تذكرة الحفاظ: ٤٨٣.
[ ١ / ١٤٠ ]
- الاختلاف في عدد الأحاديث المرسلة والموقوفة والبلاغات وأقوال الصحابة والتّابعين، وأقوال مالك.
- الاختلاف في كثير من الألفاظ سواء كان ذلك في المرفوع أم المرسل، أم أقوال الإمام مالك.
يحيى بن يحيى اللَّيثيّ وروايته للمُوَطَّأ:
اعتمد أبو بكر ابن العربيّ على رواية يحيى بنيبيح اللّيثيّ (١)، فهي المشهورة المتداوَلة في الغرب الإِسلامي، الَّتي اتّصلت بها الأسانيد، وكُتِبَت عليها الشُّروح، يقول ابن العربيّ في مقدمة كتاب "المسالك" (٢): "والكلام في شرح "الموطَّأ" إنَّما هو على كتاب يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ الَّذي دخل الأندلس وأدخله" وكان يحيى آخر من قَدِمَ على الإمام مالك من بلاد المغرب والأندلس، إذ كان ذِكْرُ مالك بن أنس وموطَّأه قد اشتهر، والرِّحلةُ إلى المدينة المنوَّرة قد عَمَّت، بحيث إذا ذكر "الموطَّأ" في تلك الأصقاع فإنما يُذْكَر مُوَطَّؤُهُ، ولا ينصرف الذِّهن إلَّا إليه، لتفرُّده بالانتشار بين الناس في تلك الأمكنة والأزمنة، تتلمذ يحيى على جملة من أصحاب الرِّحلة إلى المدينة النَّبويّة المنوَّرَة من فقهاء الأندلس، وبخاصُّة على زياد بن عبد الرحمن اللَّخمي
_________________
(١) انظر ترجمته في أخبار الفقهاء والمحدِّثين للحارث الخشني: ٣٤٨، وتاريخ ابن الفرضي: ٢/ ٨٩٨، والانتقاء لابن عبد البرّ: ١٠٩، وجَذْوَة القتبس للحُمَيْدِيّ: ٢/ ٦٠٩، وترتيب المدارك للقاضي عياض: ٣/ ٣٨٢، ووفيات الأعيان لابن خلكان: ٦/ ١٤٣، وسير أعلام النُّبَلاء: ١٠/ ٥١٩، وتهذيب التهذيب: ١١/ ٣٠٠.
(٢) ١/ ٣٠٤.
[ ١ / ١٤١ ]
[المعروف بشبطون] في قرطبة، وكان زياد قد سمعه من مالك في المدينة، فامتلأ يحيى إعظامًا لمالك، وشُغِف بعِلْمِه وفقهه وهَدْيه. وأشار عليه شيخه زياد بالرَّحيل إلى الإمام مالك وأخْذِ "الموطَّأ" منه ما دام حيَّا، فاتَّبع يحيى بن يحيى مقتضى همَّته السّامية، وامتثل لإشارة شيخه، فخرج من الأندلس يشدّ الرَّحلة إلى المشرق، وانتهى إلى المدينة، فلقي مالكا، وأقبل على ملازمته إقبالا عجيبًا، على نحو ما كان له من شوق إليه، وتعلّق به عن ظهر الغيب.
وكان اتِّصال يحيى بمالك قد تقرَّر واستمرَّ حتّى السنَّة الأخيرة من حياته (١)، وبذلك استطاع يحيى أن يستجمع كلّ العناصر الَّتي تؤهله لأن يكون الأمين المؤتمن على علم مالك، فكانت شدة اهتمامه بالرِّواية وإتقانها، وحُسن إقباله على مالك وكثرة ملازمته له، إلى كونه آخر الرُّواة عنه أخذا للموطأ، بعد كلّ ما تعاقب على "الموطَّأ" من تهذيب وتنقيح متواصلين طيلة حياة مالك ﵀؛ مما جعل رواية يحيى للموطأ أهم الرِّوايات وأجدرها بالقبول، وأثبتها وأجلِّها وأوعبها.
ورجع يحيى إلى الأندلس بهذا الكَنْز الفريد من العِلْم، وعرفَ النّاس فضل ما فاز به يحيى، فتعلَّقوا برواية "الموطَّأ" عنه، وطلبوه من طريقه، حتّى أصبحت أكثر الأسانيده في رواية "الموطَّأ" بالغرب الإِسلامي مقتصرة على رواية يحيى بنيبيح، وأغلب ما كُتِبَ على "الموطَّأ" شرحًا وتعليقًا وتبيينًا كان مبنيًّا على رواية يحيى.
_________________
(١) انظر ترتيب المدارك: ٣/ ٣٨٠.
[ ١ / ١٤٢ ]
ومع كلّ هذه الشُّهرة الَّتي نالتها رواية يحيى في بلاد الغرب الإِسلامي، فإنَّها لم تكن مشهورة عند الشارقة في القرن الثّالث الهجري، بدَلالة أنَّ أحدًا من أصحاب الدّواوين الحديثيّة لم يعتمدها. ويرى الأستاذ بشّار عوَّاد معروف (١) أنَّ ذلك ربّما رجع إلى أمور منها:
أ- قِلّة شُهرة يحيى بن يحيى اللَّيثى بطَلَب الحديث، ووقوعه في أخطاء حديثيّة ليست بالقليلة. (٢)
٢ - قِلَّة الاتّصال بين أهل الأندلس والمشارقة في تلك المدَّة، واعتناء أهل الأندلس يومئذٍ بالفقه أكثر من عنايتهم بالحديث.
٣ - توفّر روايات "الموطَّأ" لِمَن هُم أكثر إتقانًا ومعرفةً بالحديث من يحيى، مثل: عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي، وعبد الله بنيوسف التِّنيسي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي مُصْعَب الزّهري، ومَعْن بن عيسى القزَّاز، وقُتَيْبة بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطّان، ويحيى بن يحيى النّيسابوري، ونحوهم ممن اعتمدهم أصحاب الكتب السِّتَّة، والإمام أحمد في "مسنده"، والدَّارميّ والطَّحاوِي وابن حِبَّان والدّرقُطْنِيّ والطَّبَرَانِيّ والبيهقي وغيرهم في مصنّفاتهم (٣).
_________________
(١) في مقدمته لموطأ مالك رواية يحيى: ١/ ٨.
(٢) انظر نماذج من أخطائه الحدبثية في المتن في مقدمة المسالك لابن العربيّ: ١/ ٣٣٢.
(٣) انظر هذه الطرق في هوامثشا عند تخريج أحاديث "الموطَّأ".
[ ١ / ١٤٣ ]
وذكر شيخ شيوخنا محمّد الطّاهر بن عاشور في "كشف الُمغَطَّى" (١) أنَّ للنّاس في أسانيدهم الموصِلَة إلى "مُوَطَّأ" يحيى بن يحيى ثلاث طُرُقِ أصيلةٍ:
١ - طريق عُبَيْد الله (بضمِّ العين مصغّرا) بن يحيى بن يحيى اللّيثي (٢)، سمع من أبيه، ولم يسمع من غيره، وسمع الناس منه رواية أبيه.
٢ - والطريق الثّانية: طريق محمّد بن وضُّاح المروانيّ القرطبي (ت. ٢٨٧ هـ)، قال عنه ابن الفرضي (٣): "وبمحمد بن وضَّاح وبَقِيّ بن مَخْلَد صارت الأندلس دار حديثٍ، وكان محمّد بن وضَّاح عالمًا بالحديث، بصيرًا بطُرُقِه، متكلّمًا على عِلَلِه سمع منه الناس كثيرًا، ونفع الله به أهلَ الأندلس".
وكان ابنُ وضُّاح من المتشدِّدين في نقد الحديث، فانْتُقِد لأجل ذلك، بل كان يُغيّر رواية يحيى في "الموطَّأ" إذا بدا له تصويب أو تخطئة (٤)، مع صحَّة ما رُوِيَ عن يحيى في ذلك عند التأمّلِ، فكان يعتمدُ على فهمه لا على روايته.
_________________
(١) صفحة: ٣٩.
(٢) هو مسند قرطبة أبو مووان الأندلسي، المتوفَّى سنة:٢٩٩ هـ انظر أخباره في: أخبار الفقهاء والمحدثين للخشني: ٢٢٩، وتاريخ ابن الفرضي: ١/ ٢٩٢ وسير أعلام النُّبَلاء: ١٣/ ٥٣١.
(٣) في تاريخ علماء الأندلس: ٢/ ١٨، وانظر أخبار ابن وضّاح في تاريخ ابن الفرضي: ٢/ ١٧، وجَذْوَة الاقتباس: ٨٧، وسير أعلام النُّبَلاء: ١٣/ ٤٤٥.
(٤) انظر أخبار الفقهاء والمحدِّثين للخشني: ١٣٠، ومشارق الأنوار للقاضي عياض: ١/ ٤.
[ ١ / ١٤٤ ]
٣ - والطريق الثّالثة: طريق محمّد بن أحمد الأندلسي، المعروف بالعُتْبّي [ت. ٢٥٥ هـ]، (١)، كان من كبار الفقهاء، له رحلة إلى المشرق، ألَّفَ أجزاء فقهية سُمِّيَت: بـ"العُتْبيَّة" (٢) وهي المستَخْرَجَة من الأسْمِعَة المسموعة من الإمام مالك (٣).
ومن كلّ طريقٍ من هذه الطُّرق تعدَّدت سَمَاعات وتفرَّعت أسانيد، وعن كلّ أصلِ كتابيٍّ من أصول هذه الطُّرق أخِدت نُسَخٌ، وقُوبلَت وحُقِّقَت، وانتقلت بالمناولة واشتهرت، ثم عُورضت بعضها ببعض، وضُبطَ ما بينها من اختلاف وتفاوُتٍ، في نُسَخٍ متقنَةٍ مدقّقة، كُتِبَت بخطوط أعلام الرُّواة وأيَّمة العلماء، فأصبحت مرجِعًا للنّاس، ومعوَّلًا يطمئنون بها إلى النَّقل الصّريح والضَّبط الصَّحيح، وتدورُ بها الرِّوايات على محورٍ من التثبُّت، عمادُه التأنُّق في الخطّ مع إثبات السّمَاعات، مع النَّقد والتَّرجيح بين الرِّوايات، ممَّا جعل كتاب "الموطَّأ" أصلًا لخزانة كاملة جليلة، تعتمدُ كلّها على رواية يحيى بن يحيى، إمَّا إفرادًا لها في الأكثر، وإمَّا جمعا لها مع غيرها في الأقلَّ (٤).
وقد ذكر شيخ شيوخنا محمّد الطاهر بن عاشور في مقدِّمة كتابه "كشف
_________________
(١) انظر أخباره في أخبار الفقهاء والمحدثين للخشني: ١١٩، وتاريخ ابن الفرضي: ٢/ ٨، وجَذْوَة المقتبس: ٣٦، وترتيب المدارك: ٤/ ٢٥٢، وبغية الملتمس: ٤٨.
(٢) طبعت ضمن كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الجد، في دار الغرب الإِسلامي.
(٣) انظر اصطلاح المذهب عند المالكيّة، للأستاذ محمَّد إبراهيم علي: ١٢٣. دار البحوث للدراسات، دبي.
(٤) مقال الشّيخ محمَّد بن عاشور في مجلة الأزهر: ج ١/ س ٣٦ صفحة: ٣٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في المُوَطَّأ" (١) أن أشهر نُسَخِ "الموطَّأ" بالأندلس نُسْخة ابن الطَّلَّاع تلميذ ابن مُغِيث، ونُسْخَة ابن أبي الخِصَال تلميذ ابن عبد البرّ وأبي عمر الطَّلَمَنْكِيّ المقابَلَةُ على كتابَيْهِما بخطِّ يده، ونُسْخَة أبي مروان بن مَسَرَّة بخَطَّ يده، ونُسخة أبى محمّد بن عَتَّاب وهو من شيوخ ابن بَشْكُوَال، ونُسخة القاضي ابن فُطَيْس المتوفَّى ستة:٤٠٢ هـ (٢)
قلنا: وقد يَسَّرَ الله لنا الوقوف على نُسخة أبي عبد الله محمَّد بن فَرَج، مَوْلَى ابن الطَّلَّاع القرطبي [ت.٤٩٧] (٣)، تلميذ يونس بن مُغِيث [ت.٤٢٩] (٤)، وهي نُسْخة عتيقةٌ مجوّدةٌ، على رقّ غزال، تحت رقم ٧٠٨ ج، في الخزانة العامة بالرباط، كُتِبَت بخطٍّ أندلسىٍّ جميل، تشتمل على ٣٥٦ ورقة، في كل صفحة: ٢٧ سطرا، وشكلّت أغلب كلّماتها، وجاء في مقدمتها بعد التسميه والصلاة على النبي - ﷺ -: "وقوت الصّلاة، حدّثنا الفقيه أبو عبد الله محمّد بن فَرَج - ﵁ - قراءة عليه وأنا أسمع، في مسجده بقرطبة في صدر ربيع الآخر سنة: أربع وتسعين وأربع مئة، قال: حدّثنا القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مُغِيث قاضي الجماعة بقرطبة، المعروف بابن الصفّار
_________________
(١) صفحة:٤٠.
(٢) انظر تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي: ٢/ ٦٥٢، وترتيب المدارك لعياض: ٧/ ١٨١، والصلة لابن بشكوال: ١/ ٣٠٩ وسير أعلام النُّبَلاء للذهبي: ١٣/ ٤٤٥، وكشف المغطى لابن عاشور: ٤٠ - ٤١.
(٣) انظر أخباره في ترتيب المدارك: ٨/ ١٨٠، والصلة: ٢/ ٥٦٤.
(٤) انظر أخباره في سير أعلام النُّبَلاء: ١٧/ ٥٦٩.
[ ١ / ١٤٦ ]
- ﵀ -: قال: حدّثنا أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن عمَّ أبيه عُبَيْد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب ".
وجاء في آخرهاة "كَمُلَ كتاب "الموطَّأ" والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمّد خاتم النَّبيِّين، وعلى آله وصحبه الطَّيِّبين الطّاهرين وسلّم تسليمًا. وكان الفراغ منه في السّابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عام ثلاثة عشر وستّ مئة".
ثم قال: "انتهت المقابلة والتّصحيح وكتب الطُّرر من أصل الشّيخ الفقيه الأجلّ، المحدِّث النّحويِّ، الضَّابط المُتْقِن اللّغويّ أبي العباس أحمل بن سَلَمَة الأنصاري - ﵁ -[ت.٥٩٨] وولده الشّيخ الفقيه المحدِّث الضّابط المُتْقِن اللُّغَويّ أبو عبد الله محمّد بن أحمد ابن سَلَمَة الأنصاري -أكرمه الله- يُمْسِكُ الأصل المذكور".
وذكَرَ النّاسخ في نهاية الكتاب الرّموز والعلامات المستعملة في الدّلالة على مختلف الرِّوايات فقال: "كلّ ما فيه من العلامات: "هكذا عـ" بهذه الصّورة فهو لعُبَيْد الله وما في هذه الصّورة "ح" لابن وضّاح، إمّا رواية عن يحيى أو إصلاح عليه، وما فيه "هكذا ط " فهو لابن فُطَيْس، وما فيه "هكذا ش" فهو ابن المشّاط، و"هـ كذا" أبو الوليد الوقّشي، وما فيه "ك كذا" فإنّما هو تقييدٌ عن البكريّ في أسماء المواضع، وما فيه "ع هكذا" فه وابن عبد البرّ، وما فيه "ع كذا" فهو أبو علىّ الجيّانيّ، وما فيه "جـ هكذا" فهو الباجي، وقد أصرِّح فيه في بعض الأوقات باسم الرّاوي: "ابن سهل" و"ابن حمدين" وغيره، و"ش هكذا" ابن سراج أبو مروان، وإذا كَتَبْتُ "ق هكذا" فإنّما هو ما نقَلتُه
[ ١ / ١٤٧ ]
من كتاب شيخي أبي إسحاق بن قرقول - ﵀ - وما فيه "ص هكذا" فهو الأصيليّ، وإذا كان "ط" في شرح لفظٍ فهو البَطَلْيَوْسِيّ".
وتحتوي هذه النّسخة على سماعات مهمّة لكبار العلماء، زادت من قيمة الرِّواية، وأحاطتها بسياج دقيق من الضوابط المختلفة، والشيخ المسمِّع في محطوطنا هو الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عمر بن رُشَيْد السَّبْتي [ت.٧٢١] حيث كتب بخطِّه: "قاله محمّد بن عمر بن محمّد بن رُشَيْد السَّبتِي الفِهرِيّ- وفقه الله - وكتبه في وسط محرّم عام عشرين وسبع مئة ".
وقد اعتمد الأستاذ الأعْظَمِيّ في نشرته لموطأ يحيى (١)، على هذه النّسخة، ولكن استفادته منها كانت محدودة جدًّا في نظرنا، بدليل أنّه لم يحسن قراءة كلّ ما في المخطوط، وهذا ما صرَّحَ به في المقدمة (٢) عندما قال: "الكتابة واضحة باهتة على وجه العموم، ولكن في أماكن باهتة جدًّا، خاصّة الهوامش، ولا يمكن قراءتها وليس هذا العيب في التصوير فحسب، ولكن في الأصل نفسه"
قلنا: هذا الكلام فيه نظر؛ لأن العارف المتمرِّس بالخطِّ المغربي والأندلسيّ، لن يجد صعوبة في قراءة ما استشكلّه الأستاذ، بل والغريب حقا أن يقول (٣): "حسب علمي، هذه النّسخة فريدة، ولم أطلع على آية نسخة أخرى تشتمل
_________________
(١) نشر باسم: "مُوَطَّأ الإمام مالك" تحقيق محمّد مصطفى الأعْظَمِي، مؤسسة الشّيخ زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، أبو ظي، الإمارات، سنة: ١٤٢٥ هـ.
(٢) ١/ ٣٢٠.
(٣) ١/ ٣١٨.
[ ١ / ١٤٨ ]
على فروق الرِّوايات بالتّوسُّع كما في هذه المخطوطة وبالرغم من كلّ المحاسن، ففيها عيب؛ لأنّها خالية من أيّه سماع، لا في البداية ولا في النهاية، ولا في داخل الكتاب في موضع ما".
قلنا: وكأننا بالأستاذ الفاضل وقد استعجمت عليه الخطوط الأندلسية وغَمُضَت، فأصبحت نظراته في الكتاب يُعْوِزُها كثير من الصّبر والتَّأَنِّي والممارسة؛ وإلاّ كيف يخطئ نظره قراءة السّماعات المختلفة المثبتة في بداية المخطوط، وهي أبين من فَلَقِ الصُّبح وضوحًا، نرجو أن يتمكّن من مراجعة الأمر في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.