للمؤلِّف نَصُّ في كتابه "عارضة الأحوذي" في غاية الأهمية؛ لأنّه يضع الضوابط المنهجية الدقيقة الَّتي ينبغي أن يراعيها من يتصدَّى للكتابة والتصنيف، فالمؤلِّف في نَظَر صاحبنا يجب أن يتوَخَّى إحدى الغايتن: إمّا أن يخترع معنى من المعاني، بمعنى أنه يأتي بشيء جديد مُبْدِعٍ، وبذلك يُسهِم في مسيرة العِلْم الصّحيحة، وهي الابتكار والتجديد، طبقا لقوانين الحياة المتجدِّدة. وإمّا -وهو أضعف الإيمان- أن يبتدع وصفًا ومتنًا، وهذا الجانب أيضًا له أهميّته، فكما يظهر التّجديد في جانب الاخترل والابتكار -وهو الجانب الموضوي - يظهر أيضًا في جانب ابتداع الوصف واعادة الصِّياغة، وهو الجانب الشكليّ. وكلّ تأليفٍ لا يستهدف إحدى هاتين الغايتين، فهو لا يستحقّ أن يُطلَق عليه لقب التأليف العلمي الصحيح، وكلّ ما يُمكن أن يقال في شأنه، أنه عبارة عن عملية تسويد الوَرَق بالمداد، وسرقة وسطو على أعمال من سَبَق؛ ذلك لأنّ التأليف الَّذي لا يستهدف إحدى الغايتين المذكورتين، يكون عبارة عن اجترار وإعادة لما قيل، وأية فائدة ترجى من إعادة تدوين ما دُوِّنَ؛ (١).
_________________
(١) أبو بكر بن العربيّ المعافري أصوليا، لعبد الرحمن الزخنيني: ١/ ١٦٨
[ ١ / ٢١٢ ]
يقول ابن العربيّ (١): "ولا ينبغي لحصيف إذ (٢) يتصدّى إلى تصنيف أن يعدل عن غرضين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وصفا ومتنا وما سوى هذين الوجهين، فهو تسويد الورَق، والتحلي بحلية السرق".
بهذا التحديد المنهجيّ الدّقيق رام صاحبنا ابن العربيّ استبعاد المتطَفِّلِين على موائد الكَتَبَة، ووضع الحواجز المانعة أمام كلّ ضعيف الأداة قاصر الآلة من الولوج إلى ميدان صناعة التأليف، ومع هذا فقد سلَّم صاحبنا بأن إبداع المعاني أصبح متعذّرا في زمانه فقال (٣): "فأما إبداع المعاني فهو أمر مُعْوِزٌ في هذا الزمان، فإنّ العلماء قد استوفوا الكلم، ونصبوا على كلّ مشكل العلم، ولم يبق إلَّا خفايا في زوايا، لا يتوَلّجها إلّا من تَبَصَّر معاطفها، واستظهر لواطفها " ونزعم أن صاحبنا كان من جملة المصنفين البارعين الّذين حملوا هذه الأمانة، وقاموا بهذا الواجب، حين أجادوا الكشف عن الغوامض، وأحسنوا الغوص على الحقائق، بفِكْرِ صائبٍ ورَوِيّةٍ ثاقبة، فابدعوا كأشدِّ ما يكون الإبداع تألُّقًا وجمالًا، في صياغة إرثنا الثقافي صياغة دانية القطوف، مُتَسَنِّية التحصيل للمبتدئ والنتهي على السواء. وهذا المنهج الأمثل هو الَّذي بَوَّأَ الثقافة الإِسلامية تلك المنزلة الرفيعة والرتبة السامية بين مختلف الثقافات العالية، وإلى هذا المزيّة الظاهرة الَّتي تُقِرُّ بتفرُّد أمَّتِنا عن النُّظَراء أشار صاحبنا
_________________
(١) في عارضة الأحوذي: ١/ ٤.
(٢) في الأصل: "ان" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٣) في العارضة: ١/ ٤.
[ ١ / ٢١٣ ]
في كتابه "العارضة" عندما قال (١): "ولم يكن قطُّ في الأمَم من انتهى إلى حدِّ هذه الأمَّة من التصرُّف في التصنيف والتحقيق وجاء بها إلى الحقائق من أبوابها، وسائر الأمَم غَمَرتهم الآفات، وتوَالت عليهم الحادثات ولما صان الله هذه الأمّة عن المحنة، وبسط لها في الدَّوحة، فتبسّطَت في بحبوحنها، وتصرّفت في فروع مِلَّتِها، فاستفتح السيف العلق، واستولوا على الظلف".
ونعود إلى ذكر السبب المباشر الَّذي دفع صاحبنا إلى تصنيف هذا المجموع، فنقول: تكفَّل -رحمة الله عليه- ببيان السَّبب الَّذي حمله على تأليف كتابه "المسالك" فقال (٢): "اعلموا- أنار الله قلوبكم للمعارف، ونبَّهنا وإيِّاكم على الآثار والسُنن السَّوالف- أنَّه إنَّما حملني على جمع هذا المجموع كما فيه- إن شاء الله- كفاية وقنوع أمور ثلاثة، وذلك أنَّه ناظرتُ يوما جماعة من أهل الظَّاهر الحزمية الجهلة بالعلم والعلماء وقلَّة اللهم، على مُوَطَّأ مالك بن أنس، فكلّ عابه وهزأ به، فقلت: ما السبب الَّذي عبتموه من أجله؛ فقالوا: أمور كثيرة:
أحدها: أنَّه خلط الحديث بالرّأي.
والثاني: أنَّه أدخل أحاديث كثيرة صحاحًا، وقال: ليس العمل على هذه الأحاديث.
والثالث: أنَّه لم يُفرق فيه بين المرسَل من الموقوف، والمقطوع من البَلَاغ،
_________________
(١) في المصدر السابق.
(٢) في مقدمة المسالك: ١/ ٣٣٠.
[ ١ / ٢١٤ ]
وهذا من إمام قد صحَّت عندكم إمامته في الفقه والحديث نقيصةٌ، إذ قد أسند كلّ مصنّف في كتابه أحاديثه.
فقلت لهم: اعلموا أنَّ مالكًا - ﵀ - إمامٌ من أئمة المسلمين، وأنَّ كتابه أجلّ الدواوين، وهو أول كتاب ألّف في الإسلام، لم يؤلِّف مثله لا قبله ولا بعده، إذ قد بناه مالك - ﵀ - على تمهيد الأصول للفروع، ونبَّه فيه على علم عظيم من معظم أصول الفقه الَّتي ترجع إليه مسائله وفروعه، وأنا -إن شاء الله- أنبهكم على ذلك عيانًا، وتُحيطون به يقينًا، عند التنبيه عليه في موضعه إن شاء الله.
وإن من سلف من الأيِّمة المتقدمين من الفقهاء والمحدثين قد وضع فيه كتبا كثيرة وان كانت كافية شافية، وبالغرض الأقصى وافية، لكن لم يسلكوا فيها هذا الغرض من أصول الفقه وعلوم الحديث، واستخراج النُكت البديعة والعلوم الرفيعة".
وهكذا فإنه يظهر لنا جليًا واضحًا أن ابن العربيّ رام من وضع كتاب "المسالك" الرُّدْ على الظاهرية الَّذين عابوا "الموطَّأ" والمالكية، والحق أن الظاهرية لم ينطلقوا من فراغ، وإنَّما كانوا ردّ فعل عنيف للنزعة التقليدية الالتزامية الضيِّقة الَّتي طالما ناءت بكلّكلّها على أهل البحث والنَّظر، وأحرقت مواهب العلم الحقّ والفقه الصّحيح، إذ صارت على طريقة التّقليد، بحيث أصبح عمل المتقدِّمين حُجُّة لا يُلتفتُ بعدها إلى الأيِّمة الأوّلين.
وبالرغم من أنّ ابن العربيّ كان شديدًا على الظّاهرية، إلَّا أنَّه تأثر بطريق غير مباشر بابن حَزْم، فابن العربيّ الوالد كان من كبار أصحاب وتلاميذ ابن
[ ١ / ٢١٥ ]
حَزْم، ولا شكّ أنَّه أثر في ابنه، بدليل ما نراه ماثلًا عند أبي بكر ابن العربيّ أعظم المثول وأشدَّه، من سَعَةٍ في الفكر، وجنوحٍ إلى تضييق دائرة التقليد، وإيراد الأقوال المخالفة، وتوسيع دائرة الخلاف، والإشارة إلى الأدلّة، وهذا ما نلمسهُ ونراه عيائا في "المسالك" فابنُ العربيّ لا يلتزم فيه غالبا بالانتصار لتقليد مذهب معيَّن؛ بل يفتح باب النّظَر في الأدلَّة، ولو في حدود النَّظر المذهبيّ، وهو الطريق الَّذي نعتبره الطّريق الوَسَط بين الاجتهاد والتّقليد.
كما أنَّ من الأسباب الَّتي دفعت ابن العربيّ إلى وضع كتابه "المسالك" هو ما رآه من قُصورِ لدى العلماء في عصره وهذا هو الَّذي حكاه في "العواصم" (١) عندما قال: "صار التقليد ديدنهم، والاقتداء بغيتهم، فكلما جاء أحدهم بعلم حقَّروا أمره، ودفعوا في صدره، إلَّا أن يستتر عنهم بالمالكية، ويجعل ما عنده من علوم على رسم التبعية؛ فإن جاءهم بفائدة في الدين وطريقة من سلف الصالحين، وسرد لهم البراهين غمزوا جوانبه ونتجوا عجائبه، وعيبوا حقَّه استكبارًا وعتوًا. وجحدوا علمه وقد استيقنته أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وسعوا في إخمال ذكره، وتحقير قدره، وافتعلوا عليه، وردُّوا كلّ عظيمة إليه".
_________________
(١) صفحة: ٤٩٥. طبعة عمَّار الطالبي.
[ ١ / ٢١٦ ]