يروي صاحبنا محمد بن الحسين السُّليماني- عَفَى الله عنه - أنَّ شقيقته عائشة فوَّضته لكتابة هذه الطليعة في هذه الأيام المباركة من ذي الحجة من عام ١٤٢٧ للهجرة، وبعد تردُّدٍ وإحجام، عَلِمَ أنّه أمر لا سبيلَ له عنه، فشَحَذَ عَزمَه للكتابة، ونفض عنه غبار الكسل. وما إن أمسك بالقلم بين أنامله حتّى أحسَّ بخاطرٍ غريبٍ، إذ عادت به الذِّكرَى إلى ماضٍ بعيد، يوم كان طالبًا في قسم الدِّراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز، منذ نحو من ربع قرن، في يوم من أيام شتاء مكّة الدافئ، في بيت شيخه الوقور العالم الزاهد والتكلم النظار سليمان دنيا -برَّدَ الله مضجعه ونوُّرَ ضريحه- بحي الروضة (١)، كان صاحبنا يقرأ على شيخه مقدمة "قانون التأويل" لابن العربي، والّتي قال فيها: "ودعَتِ الضرورةُ إلى الرِّحلة، فخرَجنا والأعداءُ يَشْمَتون بنا، وآياتُ القرآن تَنزِعُ لنا، وفي عِلْم البارئ - جلَّت قدرتُه - أنه ما مرَّ عليَّ يومٌ من الدَّهر كان أعْجَبَ عندي من يوم خروجي من بَلَدي، ذاهبًا إلى ربِّي، ولقد كنت مع غزارة السَّبيبَة ونَضَارَةِ الشَّبيبةِ، أحرِصُ على طلب العلم في الآفاق، وأتمنُّى له حال الصَّفَّاقِ الأفَّاقِ، وأرى أنَّ التّمكُّن من ذلك في جَنْبِ ذهاب الجاه والمال، وبُعْدِ الأهل بتغَيُّرِ الحال، رِبْحٌ في التجارة، ونُجْحٌ في الطلب، وكان الباعث على التّشبُّث - مع هول الأمر- هِمَّةٌ لَزِمَت، وعَزْمَةٌ لَجَمَت، ساقَتها رحمةٌ سَبقَت".
_________________
(١) من عجائب الاتفاق الإلهي، أن يكتب صاحبنا هذه الطليعة في الحي نفسه وعلى بعد أمتار من سكن شيخه رحمة الله عليه. نننننن
[ ١ / ٢٥ ]
لم يخطر على بال صاحبنا آنذاك أنّ القَدَرَ يُخبِّئ له المصير نفسه، فقد امتحنه الله كما امتحن به شيخه ابن العربي، وابتلاه بالهجرة الاضطرارية، فتجَلَّدَ على مَضَضِ المحنة، وائتسى بابن العربي ورَضِيَ لنفسه ما رَضِيَه، وإليك - أخي القارئ- قبسا من سيرة هذه الهجرة وأسبابها، لعلها تشفع عندك إذا ما وقع بصرك على ما تُنكرُه أو تُقَبِّحُه من عمله في "المسالك".
بعدَ عودة صاحبنا من رحلة طلب العلم في المشرق العربي، استقرَّ به المقام في جامعة الجزائر، مُدَرِّسَا للكلام والأصول، مجتهدًا - قَدْرَ الاستطاعة- في تشكيل خمائر النهوض العرفي المرتكز على قيم الوحي، واكتشاف الطاقات العلمية -وهي كثيرة والحمد لله- ومحاولة تذليل كلّ العَقَبات الّتي تُعطّل إمكاناتها، وتحاصر مَلَكاتها، لكن الإرهاب العلماني بتحالُفٍ مع قوى الشَّرِّ والبَغْي والاستئثار بالثروة والسُّلطة، غاظهم جو الحرية والانفتاح الّذي انتهجه النظام آنذاك، فقاموا بانقلاب على الشرعية، وصادروا اختيار الشعب، وتحدّوا عقيدة الناس، بأدوات القمع والقهر والاستبداد، وأدخلوا البلد في نفق مظلم أشد ما يكون الظلام ظلمة وسوادا، متذزِّعين بفلسفاتٍ ومُسَوِّغَاتِ علمانية تُعادي كلّ ما هو أصيل في هذه الأمة.
وفي ظِلَّ مناخ التَّسَلُّط والظّلم والارتهان، والتّهديد والوعيد، اضطَرَّ صاحبنا إلى الهجرة اضطرارًا، فترك الجامعة والأهل والأحباب، ورَضِيَ بما سبق به القضاء المحتوم والأمر المختوم، فلا مُغَيِّرَ لنافذ الحكم، ولا مُبَدَّلَ لسابق العِلْم، وصبرَ على ما نزل به صبرا جميلا، وظلَّ يتنقَّلُ بين عواصم الفرنجة وشبه جزيرة العرب، سنين عددا، وتعَرَّفَ في ديار الدَّعوة على "الآخر" بكلِّ إنجازاته الحضاريّة ومنظومته العرفية بأبعادها الفلسفيّة، وخالط كثيرا من
[ ١ / ٢٦ ]
المستشرقين، وتعرَّف دخائلهم، وخَبَر أهواءهم، واستفاد في ديار الإسلام من شيوخ العصر الوسطيّة في الفهم، وإقامة التوازن المطلوب بين الأمنيات والإمكانات في التعامل مع الأحداث والمواقف، مما مكَّنه من مُغالبة الأقدار، وتذليل العَصِيَّ وتقريب القَصِيَّ.
كان صاحبُنا يقضي جُلَّ أوقاته في منفاه الاضطراريّ برُومِيَّة بالدِّيار الإيطاليّة، يختلسُ أوقاتَ الفراغ ليقضي بعض الوقت في سياحات ممتعة مع روائع التراث الإِسلامي المحفوظة بمكتبة الأمير ليون كايتاني وخزانة الفاتيكان، يستعينُ بحلاوة الفقه وأصوله والحديث ورجاله، على السِّياسة ومرارتها والسِّياسيِّين ونفاقهم، تلك الأيام الْمُمِضَّة الّتي بلغت فيها الخصومة بين أبناء وطنه أقصاها، فتَنَكَّرَ بعضُهم لبعضٍ، وأضمَر بعضُهم لبعض من الحقد والكراهية والعَداوة ما أدَّى إلى الاقتتال الدّاخلي، واستباحة الأعراض والأموال، وجرت الدماء أنهارا، دون أن تكون في هذا التعبير مبالغة أو غُلُوّ، في مَشهْدٍ مُرْعِبٍ تنخلعُ له القلوب، وتمِيدُ له الجبال فَرَقا.
وفي وسط هذه الأهوال القاسية الفظيعة، كانت نفسُ صاحبنا تجدُ شيئًا كثيرا من الألم والحسرة، ولكن الضّعف لم يعرف إليه طريقا، بل لا نبالغ إذا قلنا إنّ الألم زاده عنادًا في محاولة إيجاد الحلول والبدائل الّتي تؤدِّي إلى شاطئ الأمان، أو إلى تخفيف المعاناة على أقلِّ تقدير، فسَعى بكلّ ما أوتي من قوة -مع المخلصين من أبناء الوطن- إلى جمع الفُرَقاء السِّياسيِّين الممثِّلين للشَّعب الجزائري في روما في: ١٢/ ٨/ ١٤١٥هـ الموافق ١٣/ ١/ ١٩٩٥ م، بعد أن تعذَّر التّلاقي في الوطن، فتمخَّض الاجتماع عن وثيقة العقد الوطني، هذه الوثيقة التي شخّصت الدّاء ووَصَفت الدُّواء بإجماع من أغلب التيارات
[ ١ / ٢٧ ]
الإِسلامية والوطنية والديمقراطية، ومن أسفِ فإنّ "حزب فرنسا" في الجزائر رفض هذه الوثيقة جملة وتفصيلا، مما أدخل البلاد والعباد في دوامة من العنف والعنف المضاد، الّذي أشار إليه صاحبنا سابقا، ولا زال الوضع في حاجة إلى مزيد من فتح أبواب المراجعة والمصارحة والجادلة والحوار، لتوسيع دائرة التفاهم ومعرفة حقيقة ما جرى، ثم المصالحة، والاشتراك في بناء المتّفق عليه، ومعالجة الخلل والانحراف أينما وُجدَ.
وكأننا بصاحبنا وقد جمح به القلم، لم يلتزم كما تعارَفَ عليه أهل العلم من كتابة المقدمات، وراح يجاري خواطره، ويبثُّ ما يجيشُ به صدره المكلوم، وعَدَلَ عن مُراعاة الأشكال والرُّسوم، فلنقنع من صاحبنا بهذا الاختصار المفهم، والإيماء الخاطف، ولنستنبئه عن قصة القاضي أبي بكر بن العربي وكتابه المسالك، لعلّنا نتجاوز عن هَنَاتِه، ونغتفر له ما فَرَطَ منه في حقِّ مناهج البحث العلمي.
كان أوّل عهد صاحبنا باسم القاضي ابن العربي في بداية العقد التاسع من القرن الهجري الماضي، الموافق لبداية العقد السابع من القرن الميلادي، حيث دأبت وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية -آنذاك- على عقد ملتقيات منتظمة للتعرُّف على الفكر الإِسلامي، يشارك فيها كبار الفقهاء وأعلام الفكر والثقافة من عرب وعجم ومستشرقين، وكانت عواصم الولايات تتسابق في التشرف باستضافة المشايخ والعلماء، وكان من نصيب مدينة صاحبنا "المدية" زيارة الشيخ "محمد أبو زهرة " صاحب العلم الغزير، والحجة البالغة، والشخصية المؤثِّرَة، وعلى مائدة الغداء سمع من أبي زهرة نقدا لاذعا للشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا، ثم أفاض في الحديث عما يحوكه
[ ١ / ٢٨ ]
المغرضون من مكائد ضد الإسلام، ووقوف علماء الأمّة لهم بالمرصاد، ثمّ ضرب مثلا بالقاضي أبي بكر بن العربي وجهاده بالقلم واللِّسان ضدّ الفلاسفة والباطنية وغلاة الصوفية والظاهرية والمقلِّدة، وفي هذه المناسبة طلب الشيخ من والد صاحبنا نسخة من كتاب "العواصم من القواصم" طبعة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وقد عظم قدر أبي زهرة في نفسه، ووقرت منزلته في صدره، فحث والده على إسعافه بحاجته، وتمكينه من بغيته، ومن يومها وصاحبنا حفي بابن العربي ومؤلَّفاته، يجمعها ويزيِّن بها خزانة والده، ويفاخر بها أكفاءه ونظراءه.
أمّا أوّل عهده العلمي -أو العَمَلِيّ بصورةِ أدقّ- بأبي بكر بن العربي في حياته الدراسيّة فكان بعد حصوله على درجة الإجازة في العقائد والأديان من جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وانتسابه إلى قسم الدراسات العليا الّذي كان يضم آنذاك كبار شيوخ وأساتذة الفكر الإِسلامي في العصر الحديث، من أمثال سليمان دُنْيا، وسيد سابق، ومحمد قطب، ومحمد الغزالي، ومحمد كمال إبراهيم جعفر، وسيِّد أحمد صَقْر، ومحمد يوسف الشّيخ، ومحمد الصّادق عرْجُون، ومحمد محمد أبو شَهْبَة، ومحمد عبد النعم القِيعِيّ، وعليّ العَمَّاري، وتمَّام حَسَّان، ولطفي عبد البديع، وخليل عساكر، ومحمود الطناحي، وغيرهم من أساطين العلم وحُفَّاظ الشريعة، وفي ظلِّ هذه الكوكبة من شموس المعرفة أخذ صاحبنا يفكِّر في الإعداد لدرجة العالمية الأولى، كان فتى لا يملُّ الدُّؤوب والسعي، يتردَّدُ على أغلبهم في قاعات الدَّرس أحيانًا، وفي دورهم أحيانا أخرى، وأسبغوا عليه من برِّهم وإحسانهم وتشجيعهم، كما لا ينهض به ثناء، ولا يقوم بحقِّ شُكره لسانٌ.
[ ١ / ٢٩ ]
وكان يسعدُ ويغتبطُ أشدَّ السَّعادة والاغتباط -ولا يزال- عندما يتشرَّف بخدمة أساتذته وشيوخه حُبًّا وكرامةً، فكثيرا ما كان يهديهم المطبوعات المغارببة، ومن جملتها كتاب "العواصم من القواصم" في طبعته الجزائرية، مما اضطرَّه للتوسُّع في البحث والاستقصاء عن مؤلَّفات ابن العربي، حتى يكون كلامه مع أساتذته كلام البصير العارف بمطبوعات بلاده.
وهكذا وجدَ صاحبُنا نفسه يُقبل على مطالعة تراث أبي بكر بن العربي وُيحِيطُ به خُبْرًا، ويستكشفُ معالم فِكرِه، ويتعرَّف على مُجمَل مصنَّفاته، وكان أوّل ما نصحه أستاذه سَيِّد أحمد صقر بقراءته، "العواصم من القواصم" (١)، في مطبوعاته الثلاث، طبعة الشيخ عبد الحميد بن باديس، والقسم الأخير الذي طبعه الأستاذ محب الدين الخطيب، وطبعة الأستاذ عمار طالبي، ولا أكتمك أخي القارئ أن صاحبنا استثقل وكَرِه الرُّجوعَ في كلّ فقرة إلى مختلف الطّبعَات، واعتَبَره آنذاك -بجهله وغَرَارَتِه- نوعا من أنواع الضياع، ضياع الوقت والجهد، ولكن ما إن قرأ الصفحات الأولى من الكتاب، حتى تَبيَّنَ له أن الأمر ليس عَفْوا صَفْوا، بل محفوفٌ بكثيرٍ من المخاطر والمزالِق، فقد صَعُبَ
_________________
(١) علم صاحبنا فيما بعد سِرَّ اختيار أستاذه سيَّد أحمد صقر لهذا الكتاب، والَّذي وافقه فيه شيخه سليمان دُنيا، فكتاب العواصم يمثِّلُ الذّروة الّتي وصل إليها ابن العربي في نضجه الفكري، فهو يحتوي على صورة متكاملة لتفكيره واختياراته العَقَدَيَّة والمذهبيّة، كما أن طبعاته تصلح أن تكون نموذجا تطبيقيا للتّدَرُّب على قراءة النّصوص والموازنة بين القراءات وحسن اختيار الراجح منها دون المرجوح، وهذا سيفتح لصاحبنا -فيما بعد- آفاقا رحبة ومجالات واسعة في التعامل مع إرثنا الإِسلامي المخطوط منه والمطبوع.
[ ١ / ٣٠ ]
عليه فهم مراد المؤلِّف وتَعَسَّرَ، فكان يكرِّرُ قراءة النَّصِّ مرّات ومرّات، يقلِّبُ النَّظَر في متن الطبعتين "ابن باديس والطالبي" وبخاصّة في هامش الثانية الّذي أخلَصَه صاحبها لِذِكْرِ فروق النُّسَخ وبعض التعليقات، وكان يقف السّاعات الطّوَال أمام لفظة أو جملة، يقتدح لها زناد الرَّأي، ويقلِّبُ وجوه النَّظَر، ثمّ يقف حائرًا وقد استعجمتْ عليه دَلالات الألفاظ، وتنَكَّرت له معاني الحروف، فكان هذا يُحْزِنُه وَيشُقُّ علَيَّ، فيلتجئ إلى أستاذه البارّ العَطُوف سَيِّد أحمد صقر يستعين به -بعد الله سبحانه وتعالي- في ما التبس عليه من وجه الصّواب، فيرشِدُه -رحمةُ الله عليه- إلى معالِمِ الطريق، ويدلُّه على مَقْطَع الحقِّ وفَصْل الخطاب، فجزاه الله خير الجزاء عما قدّم له ولجيله كلّه من توجيه ورعاية وإرشاد، وجعل كلّ ذلك في موازينه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خيرِ مُحضَرا.
وهكذا كان هذا الكتاب خير مِرَانٍ لصاحبنا على التَّمَرُّس بكُنْهِ المخطوطات والتعلُّق بإرثنا المخطوط، وزَيُّنت له حِدَّةُ الشباب وعنفوانه آنذاك، تصوير نسخة من "المسالك في شرح موطأ مالك" لابن العربي من المكتبة الوطنية بالجزائر، قصْدّ قراءتها وضَبطِها ونشرِها، وعَرَضَها على أستاذه سيد أحمد صقر، يستنصحه الرأي والمشورة، فصرفه عن نيته وثناه عن مراده، وأشار عليه بالتَّأنِّي والتَّريُّث، وتَلَمُّس الأسباب من مظانِّها، وعلى رأس المطالب التي طلبها الأستاذ سيد: وجوب التَّضلُّع من مجمل العلوم العربية والشرعية التي ينبغي أن يتحلّى به المتصدِّي لقراءة وتصحيح كتب التراث، واستفراغ الوسع في جلب نُسَخِ الكتاب أينما وُجِدت في مكتبات العالم، كما حث صاحبنا على إشراك شقيقته عائشة في إخراج الكتاب، مع ضرورة التمهل وعدم
[ ١ / ٣١ ]
الاستعجال، فما كان من صاحبنا إلّا أن ينزل طائعا مختارا عند رأى شيخه، وأن يأتمر بمشورته ويقتدي بهَدْيه، راضيًا كلَّ الرِّضَى، ومثنيا كل الثناء الحسن على أستاذه رحمة الله عليه.
ومَضَت الأيام، وتصَرَّمَت الشُّهور، وَمَحَت سَنَةٌ أختَها، وصاحبُنا يعود إلى "المسالك" بين الفينة والأخرى، كلّما آنَس فسحة من الوقت، أو غفلة من شواغل الدّهر والناس، فيقرأ ما أنجزته شقيقته عائشة، مراجعا ومستدركا، واضعا أمام عينيه وصية شيخه سيد أحمد صقر بوجوب إعطاء نص "المسالك" حظّه الكامل من النظر والتأمُّل وإنْ طال الزَّمن، وعدم العجلة في القراءة والضبط، ولم يدّخر صاحبنا وشقيقته سعيا في العمل بهذه الوصيّة، فتَطَلَّبا جلّ الوسائل المتاحة لهما في غربتهما من أجل إخراج النَّصِّ سليما معافى من آفات التّصحيف والتّحريف، ومع هذا لا يزال صاحبُنا يرى أنّه قد يكون من الحق لقرّاء هذه الأسفار أن يعترف هو وشقيقته لهم بأنّهما -وبعد الدَّأب والنَّصب وإنفاق شطر من العمر في إعدادها- ما كتبا مبحثا من مباحثها ولا قرآ نَصًّا من نصوصها إلّا وهما يعلمان أنه محتاجٌ إلى استئناف العناية به وتجديد النظر فيه، ولطَالَمَا مَنَّيا أنفسهما بهذا النظر، ولكنّهما تيقّنّا بأنّ الأمر يَضيقُ عنه نطاق الطَّمَع، فالأيّام تمضي، والظّروف تتعاقب، مختلفة متباينة أشدّ الأختلاف وأعظم التّباين، ولكنّها متَّفِقة على الحيلولة بينهما وبين ما كانا يريدانه ويأملانه من تجديد العناية وتدقيق النظر، ولكن مما لا يُدرَك كلّه لا يُترك جلّه؛ لأن صاحبنا يرى أنّنا أحوج ما نكون -في هذه الظروف- إلى بعث دفائن إرثنا المخطوط، الّذي يضمُّ بين جَنَبَاتِه ثروة فكريّة لا تفنَى، وكنوزا علمية لا تنفد، تمنحنا عِزَّ الأصالة وشُموخَ الكبرياء وشَرَفَ الانتماء، كلّ هذا تمهيدًا للمرحلة
[ ١ / ٣٢ ]
الأهمّ والتي تُشكِّل المقصد، وهي فقه هذا التراث والإفادة منه في تشكيل الحاضر واستشراف المستقبل، من أجل استئناف الحياة الكريمة في ظلِّ مجتمعٍ إسلامي تسُودُه عقائد الإسلام، وتُزَكِّيه عبادات الإسلام، وتُحرِّكُه مشاعر الإسلام، وتَحكُمه تشريعات الإسلام، وتُوجِّه اقتصاده وفنونه وسياسته تعاليم الإسلام (١).
وصاحبُنا على يقينٍ جازمٍ لا يعتريه فيه شكٌّ، أنه لا قوام للعِلْمِ بغير نقدٍ، لأنّ من مظاهر فساد حياتنا الأدبية المعاصرة؛ أنها أصبحت هادئة فاترة أشدَّ الفتور، أو بتعبيرٍ أدقّ راكدة أشدَّ الرُّكود، فقد أمسك العلماء الثقات عن إبداء الرّأي في ما تُخرِجه المطابع من عيون إرثنا الإِسلامي، فلا مُعَقَّبَ ولا مُناقشَ لهذه الكتب والأسفار الّتي تحتوي على جَيِّدِ العِلْمِ وسَفْسَافِه، ولا مُنْكِرَ ولا مُعْتَرِضَ على هذا العَبَث الكريه بإرثنا المخطوط الّذي أصبح كلأ مباحا لكل من هَبَّ ودَبَّ من المحقِّقين!! الذين لا يأنَفُون من العار، ولا يَتَصَوَّنون من المعايب، وصدق الأستاذ الطناحي عندما قال: "وقد قَصّرْنا كثيرا هذه الأيام في نقد النّصوص المنشورة، حتى اختلَطَتِ الأمور، وامتلأتِ السّاحةُ بالأدْعِياء، مما هو واضحٌ ومشهور، ويوم أن كان لدينا محقَّقون كبار كان معهم نُقَّادٌ كبار وهكذا يكون النقد ضرورة حين يَعْمِدُ إلى الأعمال الجيِّدة فيُبرِزها ويدلُّ على مواضع الجوْدة فيها والنَّفع منها، ويُنبِّه على ما يكون فيها من نقصٍ أو سَهْوٍ، ثم حين يتعقَّب الأعمال الرديئة فيُعَرِّيها ويكشف زيفها، فيكون ذلك
_________________
(١) انظر ملامح المجتمع الإِسلامي الّذي ننشده، للشيخ الإمام يوسف القَرَضَاويّ (ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٧ هـ).
[ ١ / ٣٣ ]
رادعًا وزاجرًا لمقْتَرِفيها من المضِيِّ في هذا الطريق الّذي لا ينبغي أن يسلكه إلّا من أعدَّ له عدّته، وأخذ له أخذه، أمّا إذا ظلَّت أمورُنا تسيرُ على المصانعة والتَّجَمُّل وغَضِّ الطَّرف، فلا أمَلَ في تقدُّمٍ أو صلاحٍ" (١).
وكم كانت فرحة صاحبنا غامرة عندنا تناول شيخه الإمام يوسف القَرَضَاويّ مقدّمة "المسالك" بالتّعليق والنّقد، فبَيَّنَ لصاحبنا وشقيقته بأسلوب العارف الخبير والنقّاد البصير ما اعترى بعض أحكامهما من اعْتسافٍ وشَطَطٍ، ودلّهما على ما شاب بعض اجتهاداتهما من مُجازفة وتهَوُّر، وحسب صاحبنا وشقيقته أنَّهما التزما الصِّدقَ فيما يُسَطِّران، بعد رويَّة وتفكير، وبعد تمهل وترجيح، والصدق في هذا النِّطاق خير شَفيعٍ إن شاء الله.
ولا يملُّ صاحبنا من تَرْدَادِ ما قاله شيخه العلاّمة المحقِّق سَّيِد أحمد صَقر - بَرَّدَ الله مضجعه- في خاتمة مقدِّمته لكتاب "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" للآمديّ (٢): "وإنِّي -على نَهجي الّذي انتهجتُ منذ أوّل كتابٍ نشرتُ- أدعو النقّاد إلى إظهاري على أوْهامي فيها، وتَبْيينِ ما دَقَّ عن فهمي من معانيها، أو نَدَّ عن نظري من مَبَانِيها، وفاءً بحقِّ العِلْمِ عليهم، وأداءً لحقِّ النّصيحة فيه، لأبلُغ بالكتاب فيما يُستَأنَف من الزّمان أمثل ما أستطيع من الصّحة والإتقان. والنشرُ فَنٌّ خَفِىُّ المسالك، عظيمُ المزالق، جمُّ المصاعب، كثيرُ المضايق، وشواغلُ الفكر فيه متواترة، ومَتَاعِبُ البال وافرة، ومُبهِظاتُ العقل غامرة، وجهود الفرد في مضماره قاصرة، يؤودُها حفظ الصواب في سائر
_________________
(١) في اللغة والأدب للأستاذ محمود الطناحي: ١/ ٢٣٤ (دارالغرب الإِسلامي).
(٢) ١/ ١٤ (دار العارف)
[ ١ / ٣٤ ]
نصوص الكتاب، وُيعجزها ضبط شوارد الأخطاء، ورَجْعُها جميعًا إلى أصلها، فيأتي الناقد وهو موفور الْجَمَامِ، فيقصد قصدها، ويسهل عليه قَنْصها، ومن أجل ذلك قلت -وما أزالُ أقول-: إنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون ناشريها بذكر ما يراه فيها من أخطاء، لتخلص من شوائب التحريف والتصحيف الّذي مُنِيَت به، وتخرُج للناس -صحيحة كاملة، والله وليّ التوفيق".
ولا يسع صاحبنا إلَّا أن يتقدَّم بالشكر الموصول لرفيق عمره الأستاذ محمد عُزَيْر شمس (١) والعلاّمة النبيل محمد الراوندي، والعالم الأخ أحمد حاج عثمان الّذين شاركوه وشقيقته هموم بعض ما أشكل من الكتاب، واجتهدوا في اقتراح ما يرونه صوابا، والشكر الخالص أيضا مع العرفان والتقدير للمجاهد الأستاذ حبيب اللَّمْسي صاحب دار الغرب الإِسلامي على اصطباره على تأخّرهما وعسر مطالبهما، غير مبال بجهد أو وقت أو مال، ولأساتذتهم الأفاضل بالمغرب الأقصى أطيب الثناء وإجزل الشكر على تفضُّلهم بقراءة الكتاب وإجازته، وتبصيرهم كما غاب عنهما من دقائق الأغراض ولطيف الإشارات، وهم: عصمت دندش، وأحمد الريسوني، والتهامي الراجي، ومحمد أمين السماعيلي، ومحمد بن شريفة، ومحمد الروكي، جزاهم الله عن العلم خير الجزاء.
_________________
(١) كان أستاذنا محمود الطناحي يلقبه ب "الميمني الصغير".
[ ١ / ٣٥ ]
أما أستاذهما الشيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي -أطال الله عمره- فيسألان الله تعالى أن يبقيه سَقْفًا لهذه الأمّة (١)، محروسًا بالرّعاية، محفوفًا بالعافية، مُوَفَّقًا دائما للرّشاد.
وفي الختام يقول صاحبنا: انتهيتُ من كتابة هذه الطَّليعة في يوم عرفة المشهود، الّذي تزول فيه الشرور، وترتفع الأحقاد، وتعمُّ المساواة، ويسودُ السّلام، ويجتمع الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في صعيدٍ واحدٍ، لباسهُم واحدٌ، يتوجّهون إلى رَبٍّ واحدٍ، ويصيحونَ بلسانٍ واحدٍ: لبّيكَ اللهمّ لبّيك، وفي ظل هذا الصوت القدسي المجلجل، أحسستُ كَأنني قد خرجتُ من نفسي، وانفصلتُ عن حاضري، وأصبحتُ في عالَمٍ طَلْقٍ لا أثرَ فيه لقيود الزّمان والمكان، وسمعتُ صوتًا آتيا من بعيد، يقول: "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، وفي شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد" وفي صباح يوم عيد الأضحى المبارك، طالعتنا الأخبار -في استفزاز للمسلمين ظاهر- بما جرى في دار السلام بعراق الرشيد وصلاح الدين، وما آلت إليه الأوضاع في صومال العروبة والإِسلام، أخبار هائلة تصدع لهولها القلوب قلوب المؤمنين حُزنا وألَمًا، وتندى لها الجباه حَيَاءً وخَجَلًا، وتَكِلُّ عن وصفها الألسنة دَهشةً وتفظّعًا، فشعرتُ في صدري بنيران مشتعلة تخنقني، فعدتُ إلى القلم، وهو يكاد يصرخُ في يدي ويبكي، ويكاد
_________________
(١) هذا التعبير من ابداعات المؤرخ الثبت الأستاذ عماد الدين خليل في مكالمة هاتفية معه في ثغر العروبة حيث يرابط بمدينة الموصل -حرسها الله من شَرِّ المحتلِّين الغاصِبين وأعداء الأُمَّة الحاقدين-.
[ ١ / ٣٦ ]
يجري بالدَّم والدُّموع على القرطاس، من جزّاء الجراحات العميقة والظلمات والأهوال والتردي الّذي ليس له حدود، حيث تألَّبت علينا الصَّليبيّة المتصَهْينَة الحاقدة في تعصُّبٍ مسعورِ، متحالفة مع ميليشيا العجم أحفاد الفُرس والصَّفَويِّين، في جُنونٍ مجنونٍ، وحِقدٍ دَفينٍ، تَعُبُّ من دماء أهل السُّنَّة فلا تَشبَع، وتخرِّبُ مساجدهم فلا تَقنَع، وتَفْتِكُ بالزَّمْنَى والعاجزين، وتغتصب الحرائر، لا يصدُّها عن غيِّها خُلُقٌ أو رحمة، ولا يَرْدَعُها عن ضلالها ضميرٌ أو مُروءةٌ، فلا يحل لمسلم منذ اليوم أن يمالئ قومًا يكاشفونه بالعداوة والبغضاء ونذالة الأخلاق، نعم، لا يحلٌّ أن نخدعَ أنفسنا عن حربٍ دائرة الرَّحَى بيننا وبين الصهيونية المغتصبة والصّليبية الحاقدة وأشياعهما من الميليشيات الصَّفَوِيَّة باسم السِّياسة والكياسة والتّسامح، كفانا استخفافًا وغَفلةً وإهمالًا وقلّة مبالاة، كفانا مهانةً وصَغَارًا وهَوانًا، لابدّ من الرّجوع إلى الله، والاستعداد لإصلاح ما اختلَّ من شئون هذه الأمَّة، والتّعاون على ردِّ البَلاَء، بالرِّفق في مواضع الرِّفق، والبَأْس في مواضع البَأْس، إنه تحَدٍّ تاريخيٌّ مَصيريٌّ يواجهُنا، ويحتاجُ منّا إلى أقصى درجات التجرُّد والتّضحية والبذل والجهد الخارق، أبتهلُ إلى الله تعالى أن يرزقَنا العلم النافع، وُيبَرّأ قلوبنا من الجبن والضّعف، وأن يؤيِّدنا بالصّبر والقوّة، إنّه سميع مجيب.
وكتبه حامدًا ومُصلِّيًا، الفقير إلى الله تعالى:
محمد بن الحسن السُّليماني، مكة المكرمة
في ١١ من ذي الحجة:١٤٢٧ هـ
الموافق ٣١ من ديسنبر: ٢٠٠٦ م
[ ١ / ٣٧ ]
الباب الأوّل مدخل إلى سيرة أبي بكر ابن العربيّ
[ ١ / ٣٩ ]