وأوُّل ما يُستَغرَب في صنيع الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي، هو قيامه بالتصرّف في تقسيم كُتُبِ وأبواب "الموطَّأ"، فاجتهد في وضع كتب وأبواب لا توجد في أيّ من الأصول المخطوطة، ومُسْتَنَدُه في اجتهاده: هو أن ترقيم كتب وأبواب "الموطَّأ" سيتلاءم مع الأرقام الَّتي وضعها المستشرق الهولندي فنسيك في "مفتاح كنوز السنة"، وما صنعه جماعة المستشرقن الأعاجم في "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النّبويّ".
[ ١ / ١٥٥ ]
وبهذا الصّنيع لم يعد لكتاب الجامع الَّذي تَمَيَّزَ به الإمام مالك عن أترابه أيّ معنى، فقد قسمه الأستاذ عبد الباقي إلى سبعة عشر كتابا، كلّ كتاب يشتملُ على أبواب، والأبواب تشتمل على مجموعة من الأحاديث المختلِفَة الَّتي لا تنتظم تحت معنى مُعَيَّنِ، فنجدُ كتاب صفة النبي - ﷺ - قد اندرج تحته باب: ما جاء في نَزْعِ المعَالِيقِ والجرَسِ من العُنُقِ، فأيّ علاقة ظاهرة أو خفيّة بين صِفَتِه - ﷺ - وبين نزع المعاليق؟! وهكذا دواليك نجد هذا التَّحَكُّم الظّاهر في جلِّ الأبواب الَّتي ابتدَعَها الأستاذ عبد الباقي لتتماشى مع ما فَهْرَسَه المستشرقون الأعاجم، مما أدى إلى غُموضٍ مُرْبكٍ في فقه ترجمة الباب، تَنَكَّرَتْ معه واستعجمت حِكْمَةُ الإمام مالك في وضع تراجمه.
ومن أسَفٍ، فقد قَلَّدَ الأعظميُّ (١) عبد الباقي في بدعته عن إرادة واختيار -بئس الاختيار- يقول في مقدِّمته (٢): "وبما أنّ هذا التغيير [في الكتب والأبواب] يسبب بلبلة في أوساط طَلَبَة العلم؛ لأنّ عَشَرات الألوف من النُّسَخ المطبوعة منتشرة في العالم، فإذا غيّرنا التّرتيب حسب مخطوطة ما فقد قَضَينا على تلك النُّسَخ والبحوث الَّتي كتِبَت منذ مئة سنة أو كئو وهي ترمز إلا تلك الكتب والأبواب، لذلك قرّرنا اتِّباع المألوف، وتطويع المخطوطات في التّرتيب بما هو [في] المطبوع".
_________________
(١) وهو الَّذي له باع يذكر فيشكر في الرد على الجهلة من المستشوقين الأعاجم، ورد شبههم بالحجج الدامغة والأدلة المفحمة، فجزاه الله عن العلم خير الجزاء.
(٢) لكتاب مُوَطَّأ الإمام مالك: ١/ ٣٦٩.
[ ١ / ١٥٦ ]
ويقول في موضع آخر (١): "في المخطوطات كافة الَّتي اعتمدناها للتحقيق لا توجد عناوين الكتب الكثيرة خاصة في كتاب الصلاة وكتاب الجامع، لكننا وضعنا عناوين تلك الكتب في كلّ المخطوطات نظرا لترتيب الأحاديث على نسق الكتاب المطبوع، وكذلك العمل في كتاب الجامع".
قلنا: وهذا المنهج الَّذي ارتضاه الأستاذ الأغظميّ منهج باطل جملةً وتفصيلًا، فهو نقبٌ يمكنُ أن يدخلَ منه أعداء الأمّة والملّة، فيعيثونَ في إرْثِنا الإسلاميّ فسادًا، بالتّبديل والتّغيير، والزِّيادة والنقص، بدون ضابطٍ ولا رادعٍ، متَّكِئينَ على ما أَلِفَهُ النّاس واستأنسوا به، وهذا المنهج الباطل هو الَّذي وقع فيه مَنْ قَبْلَنَا من أهل الكتاب، الّذين سمحوا لرهبانهم وقساوستهم التّصرُّف في كتبهم المقدَّسة زعموا، فكانت النتيجة ما نشاهده من فوضى عارمة في كتبهم الَّتي لا تثبت على النَّقْد، وفيها من المطاعن والمغامز ما ملأ الخزائن "الكبرى" كما هو معلوم عند الباحثين في علم مقارنة الملل والنحل [الأديان].
ونحن نجلّ الأستاذ الفاضل عن إتيان مثل هذا الفعل المشين، ونَرْبَأ به عن أن يكون أداةً لأعداء الدِّين في ما يضمرون وينتوون، من القضاء على إِرْثِ أمَّتِنا، بتهذيبه تارةً، وبتيسيره تارةً أخري، وبتغير مناهجه حتّى يتلاءم مع العصر. نسأل الله الثّبات، والاستقامة على الطريقة المثلى في العلم والمنهج والعمل.
_________________
(١) ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ١٥٧ ]