كثيرا ما كان الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي يُرجِّح ما يظنُّه صحيحًا، على ما جاء في رواية يحيى، وهو أمر مخالفٌ لقواعد القراءة والنَّشر العلمي الدّقيق، وآية ذلك: أنَّ المعتني بالنَّصِّ إنّما يهدفُ إلى إثبات ما دوَّنه المؤلِّف أو الرّاوي عنه، بغضِّ النَّظَر عن الصّواب أو الخطأ، فإنْ تَعْجَب -أخي القارئ - فاعْجَب من صنيعه في حديث مالك (١) عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد بن الصديق، عن عائشة؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
فهذا الحديث لم يروه يحيى بن يحيى اللَّيثيّ باتِّفاق علماء هذا الشَّأن، يقول ابنُ عبد البرّ في "التّمهيد" (٢): "طَلْحَةُ بن عبد الملك الأيليّ، رَوَى عنه مالكٌ حديثّا واحدًا مُسْنَدًا صحيحًا، وليس عند يحيى عن مالك، وقد رواه القَعْنَبِيُّ (٣)، وأبو مصْعَب (٤)، وابن بُكَيْرٍ (٥)، والتِّنِّيسيُّ (٦)، وابن وَهْبٍ (٧)، وابنُ
_________________
(١) في "المُوَطَّأ": ٢/ ٤٧٦ من طبعة عبد الباقي.
(٢) ٦/ ٨٩ من طبعة المغرب، ١٢/ ٥٦٩ من طبعة هجر ضمن شروح "المُوَطَّأ".
(٣) أخرجه أبو في اود (٣٢٨٩) والجوهري في مسند "المُوَطَّأ": ٣٩٥ من طريق القَعْنَبيّ.
(٤) في موطئه: ٢/ ٢١٦ (٢٢١٦).
(٥) في موطئه: لوحة: أ / ١٤٤.
(٦) أخرجه من طريقه البخاري في تاريخه الكبير:٤/ ٢.
(٧) أخرجه من طريقه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٠٢١٤٦) والبيهقي في السنن: ٩/ ٢٣١.
[ ١ / ١٥٨ ]
القاسم (١)، وجماعةُ الرُّواة (٢) للمُوَطّأ وما أظنُّه سَقَطَ عن أحدٍ من الرُّواة إلّا عن يحيى، فإنِّي رأيتُه لأكثرهم، والله أعلم".
قلنا: أقحم الأستاذ عبد الباقي هذا الحديث في رواية يحيى، مع أنه لم يرد في مخطوطة ابن الطَّلاَّع، وربّما وَرَدَ -وهو الغالب- في المطبوعات المصرية القديمة، وقد أدّت هذه الإضافة إلى جُنُوح بعض المعاصرين لتَخْطِئة ابن عبد البرّ بأسلوب فجٍّ قبيح، فقال (٣): "لا يحزنك يا أبا عمر [في الأصل: عمرو] أنك لم تجده في مُوَطَّأ يحيى، فهو فيه تحت رقم: ١٠٣١، ك: النذور والأيمان، ب: ٤ ما لا يجوز من النذور في معصية الله، ص: ٢٩٦. ولم يشذّ [في الأصل: يشد] عن غيره من رواة "المُوَطَّأ"، ومن عجيب أنك لم تجده عنده، كان الأولى أن تتهم نسختك من "المُوَطَّأ" أو حفظك له، أو من رويته عنهم، وتحاول استقراء البحث قبل أن تقع في هذه الأعجوبة، ولكن لكلّ جواد كبوة".
فانظر أخي القارئ إلى هذا التّعالُم الكَرِيه، والادِّعاء الأجوف، الَّذي لا يقع فيه من شَدا من علوم الحديث والرِّجال، وعُذْرُ الرّجل أنّه طَلَبَ هذا الفنّ من العلم بأَخَرَة، فهو قاصر الآلة، لا يمكن أن يستبطن دخائل علم الرِّواية ويقف على دقائق أغراضها، بدون تلق واع من الشيوخ، وممارسة ومدارسة لهذا العلم مع أهله.
_________________
(١) كما في تلخيص القابسي: ٢٤٢.
(٢) مثل محمد بن الحسن: ٢٦٤، وسويد بن سعيد: ٢٦٨ (ط. البحرين)
(٣) في حاشيته على عوالي مالك برواية هشام بن عمار:٦٢ (ط. دار الغرب الإِسلامي بيروت، ١٩٩٧م).
[ ١ / ١٥٩ ]
ولكن الغريب حقا أن يقع في هذا الخطأ نفسه عالم من العلماء الّذين لهم اشتغال بهذا العلم، وكتبوا فيه كتابات جيدة، ونقصد الأستاذ محمد مصطفى الأعْظَمِيّ (١)، الَّذي قَلَّدَ محمد عبد الباقي وقال في تخريجه: "هذا الحديث ليس في الأصل [أي نُسخة ابن الطَّلَّاع] ولا في "ق" [أي مخطوطة صائب سنجر بأنقرة] وقد أضيفت من النُّسخة المطبوعة، ومن رواية أبي مصعب الزهري".
قلنا: وهكذا يُقْحِمُ الأعظميُّ ما ليس في رواية يحيى بحجَجٍ واهية، ظاهرة البطلان، فما قيمة النُّسخة المطبوعة وبين يديه نسخة ابن الطَّلاَّع الَّتي حقّقها [بالتعبير المعاصر] المحدِّث الثبت ابن رُشَيْد، وبين يديه أيضًا نسخة صائب سنجر الَّتي قرأ فيها أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني؟ هذا أمر منكر لا يرضاه أهل الحديث، بتعبير القاضي عياض (٢). وأيضًا ما دخل رواية أبي مصعب حتى يستعين بها في الاستدراك والتعقيب؟
نعود إلى ذكر ما أفسد به الأستاذ عبد الباقي موطّأ يحيى، فنقول: يصعُبُ على الباحث تتبُّع كلّ كتب وأبواب الموطّأ، فهذا أمرٌ يحتاج إلى تفرُّغٍ كاملٍ، مع توفير أغلب النُّسخ المعتبرة، والمقارنة بينها، وإبراز نسخة مُتْقَنَة من رواية يحيى كما سمعها ورواها عن الإمام مالك. ولكن حسبُنا في هذا المقام أن ننبِّه القرّاء والباحثين إلى ضرورة الاعتناء بهذا الموضوع، وسنقتصر على ذكر بعض
_________________
(١) في مُوَطَّأ الإمام مالك: ٣/ ٦٧٨ (١٧٢٧).
(٢) في ترتيب المدارك: ٢/ ٧٣ حيث تعَّقَب محمد بن وَضَّاح في تصَرُّفِه في رواية يحيى: "ولكن لم يكن ينبغي له أن يزيد في رواية الرجل، ولا يردّها إلى رواية غيره، ففي ذلك من الإحالة ما لا يرضاه أهل الحديث".
[ ١ / ١٦٠ ]
الأخطاء الواقعة في كتاب الصلاة وكتاب الجامع، لضيق المقام في مثل هذه المقدمة عدى ضرب الأمثلة من جميع كتب وأبواب "المُوَطَّأ".
جاء في طبعة عبد الباقي (١) وبشار (٢) في كتاب الصلاة، ما جاء في النداء، أنّ رسول الله - ﷺ - قد أراد أن يتخذ خشبتين يُضْرَبَ بهما ليَجْتَمِعَ النَاسُ للصّلاة.
وقوله: "لِيَجْتَمِعَ" هي رواية ابن القاسم ومُطَرَّف، أمّا رواية يحيى فهي بلفظ: "لِيُجْمَعَ" هذا ما وُفِّقَ فيه الأعظميّ في طبعته، وهو الثّابت في طُرَّةٍ من طُوَرِ نسخة ابن الطَّلاَّع.
وجاء في طبعة عبد الباقي (٣): "مالك، عن نافع، عن ابن عمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: الحمَّى من فَيْحِ جَهَنَّمَ، فأطفئوها بالماء"، وهذا الحديث لا وجود له في موطّا يحيى باتِّفاق الحفَّاظ، إذ يشير الدَّارَقُطنِيّ في "أحاديث المُوَطَّأ" (٤) إلى أنّ هذا الحديث هو من رواية ابنِ وَهْبٍ (٥)، وابن القاسمِ (٦)، وابن عُفَيْرٍ، والشّافعيّ (٧)، كما يقول: ابن عبد البرّ في التّمهيد (٨): "وهذا حديثٌ ليس في الموطّأ عند أكثر الرُّواة، وهو فيه عندَ ابنِ القاسمِ، وابنِ وَهْبٍ، وابنِ عُفَيْرٍ".
_________________
(١) ١/ ٦٧.
(٢) ١٧٢ [١١١٣/ ١].
(٣) ٢/ ٩٤٥.
(٤) صفحة: ٢٨.
(٥) أخرجه من هذا الطريق البخاري [٥٧٢٣] ومسلم [٢٢٠٩].
(٦) كما في تلخيص القابسي: ٢٨٨.
(٧) كما في صحيح ابن حبان [١٣/ ٤٣١]
(٨) ٢٢/ ٦٠٩ [ط. هجر ضمن شروح "المُوطَّأ"].
[ ١ / ١٦١ ]
وعن هذا الحديث أيضًا يقول الدَّانيّ في الإيماء (١): "هذا عند ابنِ القاسم، وابنِ عُفَيْرٍ، والشّافعيّ بهذا الإسناد [أي: مالك عن نافع عن ابن عمر] ".
ومع هذا البيان فقد قَلَّد الأعظمِيُّ عبدَ الباقي وأثبته في طبعته. (٢)