وَيذكُر المؤلِّف غالبًا في كلّ حديث المسائل الفقهية الفرعية الَّتي تتعلَّق بالباب، ولو بأدنى مناسبة أو أضعف تعلُّق، والظَّاهرُ أنّه يقصد من هذا أن
_________________
(١) المسالك: ٢/ ٣٠٣.
(٢) المسالك: ٦/ ٣٦٢.
(٣) المسالك: ٢/ ١٢٤.
(٤) المسالك: ٧/ ١١٩.
(٥) المسالك: ٢/ ٥٦.
(٦) المسالك: ٦/ ٥٢٦.
(٧) المسالك: ٢/ ٢٧، ٢٨، ٥١، ٤/ ٣٤٦، ٤١٨، ٥/ ١١٥، ٢٠٤.
(٨) المسالك: ٢/ ٢٨، ١٨٩، ٢١٢، ٤/ ٥٦، ١٦٢، ١٩٠، ٥/ ١٢٦، ٤٥٦، ٦/ ٤٩٠.
(٩) المسالك: ٧/ ٢١٥.
(١٠) المسالك: ٢/ ١٧٨.
(١١) المسالك: ٢/ ٢٠١.
(١٢) المسالك: ٦/ ٤١٤.
[ ١ / ٢٦٣ ]
يوصل مسائل الفقه المالكي بحسب الإمكان بالأصول، ويرجع ما يستطيع إرجاعهُ إلى أصل من الأصول، ليكون ذلك الحديث أصلًا تُسْتَخْرَج منه هذه المسائل، فهو بهذا الصَّنيع كان يُنَقِّح الفقه المالكي بتحقيقه لمناط الأحكام ونَظَره في الأدلَّة، ونقضه على الفقهاء ما كانوا يفتون به تقليدًا أو عن ضعف دليلٍ.
وهكذا؛ فإنَّ الناظر في شرح حديث "المسألك" يرى بوضوح سمة طرائق علماء الأصول في الفكرة والعَرْضِ والمصطلح.
ونعتقدُ أنَّه في عمله الاجتهادي هذا، كان مُتأثرًا أكبر التأثر وأشدّه بالإمام الجليل أبي الوليد الباجي في "المنتقى" في إيراد الأقوال المختلفة في المذهب وغيره، فيتوسَّع في الخلاف، ويجنح إلى التّخفيف من التزام التّقليد، وذلك بفتح باب النَّظَر في الأدلَّة، ولو في حدود النَّظر الذهبي أحيانًا.
كما نُلاحظ أنَّ المؤلِّف اهتمٌ في كثير من المواطن بالضَّبط والتنظير، فأكثر من البحث والنّظَر والاستشكال، فنقد كثيرًا من الأقوال داخلَ المذهب وخارجَهُ واستبعدها، مُبيِّنًا ذلك بتصوير الوقائع، وملاحظة ما يتحققُ فيها من الصالح المقصودة للشَّرع وما لا يتحقَّق، وبهذه الأبحاث القيِّمة المُمحَّصة للنّصوص: نقدًا وتحريرًا، ومشاركة في المباني والمدارك، ظهرت براعتهُ في تنزيل القواعد والمقاصد، مِمّا يجعلنا نزعم أنّه بنزعته التجديديّة هذه، أنتهج بالفقه المالكي نهجًا متطوِّرًا جديدًا عدلَ فيه عن المنهج الالتزامي، وسار على المنهج التصرّفي (١) الَّذي مهَّد سببله ابن عبد البّر في "الاستذكار".
_________________
(١) على حَدِّ تعبير شيخ شيوخنا محمَّد الفاضل بن عاشور.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ومن الأشياء الَّتي ينبغي ملاحظتها أيضًا أن المؤلِّف - ﵀ - كثيرا ما يذكر تقسيما معيَّنًا للكلام إلى أكثر من مسألة أو وجه أو فصل أو فرع، ثمّ يقتصر على ذِكْرِ مسألة أو وجه واحد فقط، غير ذاكر لسائر ما وَعَدَ به، مما أوقعنا في حيرة من أمرنا! وكثيرا ما كنا نتساءل: هل سقطت باقي الوجوه والمسائل والفصول من النُّسَخ المعتمدة لدينا؟ أم أنّ ناسخ الأصل سها عن ذِكْرِها؟ وهو أمر مُسْتَبْعَدٌ أشدَّ الاستبعاد؛ لأنه تَكَرَر في مواضع كثيرة، فانتهى بنا الرأي إلى أنّ الأمر لا يعدو من أن يكون طريفة ومْنهجا ارتضاه المؤلِّف في سيرته في التأليف، فكأنّه يَوَدَّ أن يقول: إن للكلام أوجها عدّة، أو مسائل كثيرة، أهمُّها كذا وكذا، وهذا أمرٌ لا يتطلَّب ذِكْرَ الأوجُه أو المسائل الباقية. وعليه فإذا ما وجد القارئ تقسيما ذَكِرَ فيه الوجه الأوّل أو الفصل الأول دون أن يجد لذلك بقيّة، فهذا يعني أن المؤلِّف قصدَ بذلك أهمّ الأوجُه أو الفصول أو المسائل، والله أعلم.
وليست جميع مسائل الشرح قائمة على كلام مالك في موطئه، وإنما جاءت في الشرح مباحث وفصول اقتضاها المقام، فأوردها تفريعا أو استطراد، بدون أن يخل هذا التفريع والاستطراد بالنّسق العام للموضوع الشروح، فهو تفريع ذكي للمسائل، واستطراد مقصود، يساعد القارئ على تصور الموضوع، واستيعاب فهمة على أحسن وجه وأقومه.
هذا مُجمل ما توصّلنا إليه بتأمُلاتنا في الكتاب، وهي تأملات نعتقد أنها قاصرة، ولكن قد يكون في الإجمال بعض الغَناء؛ لأنه لا يخلو من تنبيه إلى مشارف الآراء، ومعاقد الأفكار، مع أمل العودة إلى الكتاب بالدّرس والتّمحيص فيما يستقبلُ من الأيام إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٦٥ ]