وكان مالك يجلسُ في منزلٍ له على ضِجَاعٍ، وكان له نَمَارق مطروحة يَمْنَةَ ويَسْرَةً.
وكان يحيى بن عبد الحميد يروي حديثًا (١)؛ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: "يُوشَكُ أنّ يَضْرِبَ النَّاسُ أكْبَادَ الإِبِلِ، فلا يَجِدُونَ عالِمًا أَعلَمَ من عَالِمِ المدينةِ" (٢).
فقال يحيى بنُ معينٍ: سمعتُ ابنَ عُيَيْنَةَ يقول: أظنّ أنّه مالك بن أَنَس (٣).
والكلام في فضلِه وأخبارِه أكثر من أنّ تُحْصَى، أضربنا عن ذِكْرِها.
فصل
اختلف الناسُ أي كتابٍ وُضِعَ في الإسلام أوّل على ثلاثة أقوال:
القول الأوَّل - قيل: إنّ أوَّلَ كتاب صُنِّف في الإسلام، وقُرِىءَ على النّاس "موطَّأ مالك بن أنس"، وهو قولُ جماعة كثيرة. وكان مالك من أصحاب الحديث، ثمّ اتَّبَعَ ربيعةَ بنِ إبي عبدِ الرَّحمن فقال برأيه. وألَّفَ كتابًا في الحلال والحرام والفرائض والأحكام والشّرائع سمّاه "الموطَّأ"، ورَوَى فيه أحاديث عن رسول الله - ﷺ - وخالفها وقال: "ليسَ العَمَلُ عليها" والعملُ عندَه ما أدركَ عليه العمل بالمدينة دون سائرِ الأمصارِ؛ لأنّها دار الهجرة ومنزلِ الوحيِ، ومنها تفرقّتِ الصّحابةُ في الأمصارِ، فَهُمُ الْحُجَّةُ على
_________________
(١) يقول ابن عبد البرّ في الانتقاء: ٥٠ "وهذا الحديث لا يرويه أحد إلَّا بهذا الإسناد، وهم أيمّة كلهم".
(٢) أخرجه الحميدي (١١٤٧)، وأحمد: ٢/ ٢٩٩، والترمذي (٢٦٨٠) وقال: هذا حديث حسنٌ، وهو حديث ابن عُيَيْنة"، والنّسائي في الكبرى (٤٢٩١)، وابن حبان (٣٧٣٦)، والدُّوري في ما رواه الأكابر عن مالك (٤٤،٤٦) والحاكم: ١/ ٩٠، والبيهقي: ١/ ٣٨٦، وابن عبد البرّ في الانتقاء: ٥١، والخطيب في تاريخ بغداد: ٥/ ٣٦.
(٣) انظر التمهيد: ١/ ٨٤، والانتقاء: ٥٢.
[ ١ / ٣٤١ ]
غيرِهم، وليس غيرُهم حُجّة عليهم. وجوَّزَ القولَ بالاجتهادِ في طلَبِ الحقِّ من الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وهو إجماعُ أهل المدينةِ ممّا أدركَ عليه العمل خاصّة دونَ غيره.
والقولُ الثاني - قيل: إنّ أوَّلَ كتابِ أُلِّفَ في الإسلام "جامع سفيان الثّوريّ" (١) ثمَّ نَدِم على ذلك وأَوْصَى إلى عمّار بن يوسف (٢) أنّ يحرق كُتُبَه، فبقيت في أيدي النَّاس.
والقولُ الثّالث - قيل: إن أوَّلَ كتابٍ صُنِّفَ في الإِسلامِ "كتاب ابن جُرَيْج" (٣) في التّاريخِ والتّفسيرِ أيضًا.
والّذي اشتهر خَبرُه عند النَّاس؛ أنّ أوَّلَ كتابٍ ألِّف في الإسلام "الموطَّأ" لمالك - ﵁ -.
قال الإمام الحافظ: وهو أنفعُ للمسلمينَ وأشملُ في حَمْلِ الآثارِ والدِّينِ، فهذا عِلْمُ مالكٍ في الأحاديث، ونَقْلُه العِلْمِ عن أهله، وأكثرُ عِلْمِه في موطَّئِهِ إنّما هو في أبوابه، وأنا أنبِّهُ عليه إن شاء الله.
_________________
(١) وهو من الكتب المفقودة، ذَكرَهُ ابن سعد في الطبقات: ٧/ ٣٢٨.
(٢) هو أبو ياسر الواسطي، من تلاميذ الثّوريّ، انظر تاريخ واسط: ٢٢٤.
(٣) هو من الكتب المفقودة لعبد الملك بن جُرّيج (ت ١٥٠) انظر طبقات ابن سعد: ٥/ ٤٩١، وتاريخ التراث العربيّ لسرزين: ١/ ١/ ١٦٦ - ١٦٧.
[ ١ / ٣٤٢ ]