قال الإمامُ الحافظُ: فإن قال قائل: كيف يصِحُّ اليوم أنّ يقول القارئ لكتاب "الموطَّأ": حدّثني يحيى عن مالك، ولم يحدِّثه (١)؟ وإنما هو نقل تواتر؛ لأنّ الخبر على ضربين: تواتر وآحاد.
فالتَّواترُ: ما يقعُ العِلْمِ بعَقِبه ضرورة (٢)، وما لم يقع العِلْمِ بعقبه فليس بتواترٍ.
وقال جماعة من المحدِّثين: إنّ التَّواتُرَ ما عُلِمَ خبرُهُ ضرورةً.
وقيل: الأخبارُ على ثلاثةِ أقسامٍ:
تواتر؛ وهو الَّذي ينقله العَدَدُ الكثيرُ عن الكثيرُ، وهو يُوجِبُ العِلْمَ الضروريَّ لسَامِعِهِ، كعِلْمِنا أنّ الكعبةَ بمكّةَ، وأنّ الرّسولَ مقبورٌ بالمدينةِ.
_________________
(١) يقول القاضي ابن القصار في مقدمته: ٣٦ في إجابته على مثل هذا السؤال: "فهذا سبيلُه أنّ ينظرَ، فإن كان من الكتب الّتي قد اشتهر ذِكْرُها، مثلُ الموطَّأ لمالك. ﵀. وجامع الثوري، وكتاب الرّبيع، جاز أنّ يُعْزَى ذلك إلى المترجم عنه إذا كان الكتابُ صحيحًا مقروءًا على العلماءْ، مُعَارَضًا بكتبهم، وإن كان من الكتب الّتي لم يشتهر وينتشر ذِكْرُها، لم يجز ذلك حتّى يروي ما فيها عمّن تُنْسَبُ إليه بروايات الثقات عنه".
(٢) عرّفه المؤلِّف في المحصول: ٤٧/ أبقوله: "هو كلُّ خبرٍ جاء على لسان جماعة يستحيلُ عليهم التواطؤ والتعمّد للكذب، ولا خلاف في ذلك".
[ ١ / ٣٤٩ ]
والثاني: خَبَرُ الاستفاضةِ، وهو الَّذي نقَلَهُ عددٌ وانتشر، لكنه لم يبلغ التّواتر، ولا يوجد له مُنْكِرٌ (١).
فإن قال قائل: هل أخبرنا وحدّثنا واحدٌ أم لا؟
فالجواب عن ذلك (٢): أنّ بعض المحدِّثين قال: حدّثنا أبلغ من أخبرنا؛ ولأنّ الخبر قد يكون صفة للموصوف، والمُخْبِرُ من له الخبر.
وقيل: الْمُخْبِرُ هو الواصفُ للموصوفِ، فكلُّ مُخْبِرٍ واصفٌ، وكلُّ واصِفٍ مُخْبِرٌ، وهو مذهبُ مالكٍ في أخبارِ الآحادِ أنها تُوجِبُ العملَ دونَ العِلْم عند العلماء (٣)، وهذا أشهر عند العلماء من أن يُحتاج فيه حكاية عن مالك؛ لأنّه أصلٌ من أصول الحديث، وعليه العلماء من لَدُن الصّحابة إلى زماننا هذا على قَبُولِ خَبَرِ الواحدِ، وإيجابِ العمَلِ به إذا ثيتَ، ولم ينسخه غيره من أَثَرٍ أو إجماعٍ، وعلى هذا أجمعَ الفقهاءُ في كلِّ عصرٍ، إلَّا طائفة من الخوارجِ وأهل البِدَعِ (٤).
وأمّا الرِّوايةُ، فهي نوعٌ من كتاب الأخبار، وكتابُ الأخبار أصلٌ من أصول الفقه، عليه مدار أكثر الأحكام.
وأما تحصيلُ الرَّوايةِ، فلها خمسُ صُوَرٍ على حَسَبِ ما تقدّمتِ الإشارةُ:
الصّورة الأولى: قراءةُ العالِم على النّاس
ولا خلافَ فيها، وهي أصلُ الدِّينِ، وكذلك أخذَ النّبيُّ - ﷺ - عن جبريل، وكذلك أخذ
_________________
(١) سها المؤلِّف أو الناسخ عن ذكر القسم الثالث، وهو كما في العواصم من القواصم: ٢/ ٤٤ (ط. ابن باديس): " [الثالث]: آحاد، وهو جملة أخبار الشرع".
(٢) هذه الفقرة نقلها من المسالك السخاويُّ في فتح المغيث: ٢/ ١٥٩.
(٣) وهو الَّذي نصَّ عليه ابن القصّار في مقدمته: ٦٧ حيث قال "ومذهب مالك - ﵀ - قبول خبر الواحد العدل، وأنّه يُوجِبُ العملَ دونَ القطع على غيْبِه، وبه قال جميع العلماء". وانظر إحكام الفصول للباجي: ٣٢٩، وتنقيح الفصول: ١/ ١٢٠.
(٤) يقول المؤلِّف في الأحكام: ٢/ ٥٧٩ "خبر الواحد أصلٌ عظيمٌ لا ينكره إلَّا زائغ رقد أجمعتِ الصحابةُ على الرجوع إليه، وقد جمعناه في جزء".
[ ١ / ٣٥٠ ]
جبريل عن ربِّ العالمين، وكذلك قال الله تعالى للنّبيِّ - ﷺ -: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١) الآية.
الصّورةُ الثّانيةُ: هي القراءةُ على الشّيخ (٢)
وهي التي ثبتت عن النَّبيِّ - ﷺ - في قوله: "الَرِبَاطُ يَوْمِ في سَبِيلِ الله" (٣) الحديث (٤). وله نظائر كثيرة، ولا خلافَ فيه.
الصّورةُ الثّالثةُ: سماعُه منه لما يعرض ويقرأ عليه
كما فعل أنس في قصَّة ضِمَام (٥)، وكما فعلَ جميعُ الصّحابةِ.
الصّورةُ الرّابعةُ: وهي المناولةُ
وهي ثلاثة أنواع:
- إمّا أن تكونَ من يَدِ الشّيخِ كفاحًا (٦)، كما فعلَ النّبيُّ - ﷺ - مع عبد الله بن جَحْش (٧).
- وإمّا أن تكونَ بواسطةٍ، كما ثبتَ عنه صلى الله عليه حين أرسلَ إلى كِسْرَى (٨) وقَيْصَر وغيرهما على الخصوص.
_________________
(١) القيامة: ١٨.
(٢) سَوَّى المؤلِّف في العارضة: ١٣/ ٣٠٨ بين هذه الصورة والتي قبلها، فقال: "لا فرق بين أن تسمع من الشيخ، أو يسمع وأنت تقرأ، كان جبريل ينزل على النبي -﵇-[بالوحي]، ثم يلقيه ﵇ إلى الصحابة فيسمعون ويحفظون"، وانظر الإلماع للقاضي عياض: ٧٠.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٦٨) من حديث أبي بن كعب، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: ٣/ ١٥٦ "هذا إسناد ضعيف، لضعف محمَّد بنيعلى وشيخه عمر بن صبيح".
(٤) لا ندري وجه الاستدلال بهذا الحديث، والصواب هو ما استدل به المؤلِّف في العارضة: ١٣/ ٣٠٩ حيث قال: "وقد قال النبي -﵇- لأبيّ بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن" والحديث أخرجه البخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩) عن أنس بن مالك
(٥) أخرجها البخاري (٦٣)، ومسلم (١٢).
(٦) أي لقاءًا ومواجهة.
(٧) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٨٠٣) من حديث جندب بن عبد الله.
(٨) أخرجه البخاري (٢٩٣٩) من حديث عبد الله بن عباس.
[ ١ / ٣٥١ ]
- وإمّأ أن تكون بواسطة على العموم، كإرسال عمر المصاحف إلى الآفاق، وكما رُوي في الآثار من إرسال الكُتُب إلى القبائل (١).
الصورة الخامسة: في الإجازة
وهي على قسمين:
- خاصّةٌ، كما يقول الرَّجُل للرَّجُل: أذنتُ لك في أن تحدِّث عني بكذا، لشيءٍ مُعَيَّنٍ.
- أو يقولُ: حدِّثْ عنِّي، أو يقول له: أذِنْتُ لك في أن تحدِّثَ عنِّي بجميعِ رواياتي.
واختلف النَّاسُ في المناولةِ خاصّة؟
فمنهم من قال: لا فائدةَ فيها، وكفى أن يحيلَهُ الشيخ على كتابه، أو يأذنَ له في الرِّواية. ولا شكَّ في أن التعيين مع الإذن أقوى من الإذن مطلَقًا؛ لأنّ التّعيين يرفعُ الإشكالَ وينفِي الاحتمالَ، ويمنعُ من تعيين غير الشّيخ، ويُوجِبُ الطّمأنينةَ واليقينَ للنَّفسِ.
وأمّا مجرّد الإذن، فإن وجهَ الروايةِ على الشيخ شهادةٌ عليه، فإذا أسْمَعَكَ قوله، أو سَمِعْتَهُ منه، قصدَ إليك به أو إلى غيرك، وقد يحصلُ لك ما نقَلَه وشهد لك تَكرَارُكَ إذا قال لك: حدِّث عنِّي بكذا، فقد ألقَى إليك الرِّواية وقلَّدَكَ الشّهادة، فأداؤها صحيحٌ في الدِّين، وأصلٌ صحيحٌ عند جميعِ المحقِّقينَ (٢).
قال الإمامُ الحافظُ: أنكرَ بعضُ المحدِّثين الاعتماد على الكُتُب، وقالوا: لا يُعَوَّلُ إلَّا على السّماعِ والحفْظِ، وقد كتبَ النبيُّ صلى عليه لأمير السَّرِيَّة في الدّعوة، وكتب الصّدقات عمر بن الخطّاب عند أبي بَكّرٍ.
_________________
(١) انظر الإلماع للقاضي عياض: ٨١.
(٢) راجع الإلماع للقاضي عياض: ٩١ - ٩٢.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وأنكر بعضُ المحدِّثين الإجازة، وقبِلَها بعضُهم.
وقال بعضُهم: تُجزِىءُ في أمور الآخرة ولا تُجْزِىءُ في الأحكام، وهذا الحُكْم - بأنّ
العدالةَ هي المنتقاة والإقرارَ للرّواية - هو الشرط المعوَّل عليه إن شاء الله.
تنبيهٌ على مقصدٍ (١):
اختلفت مقاصدُ المؤلِّفينَ في استفتاح كُتُبِهِم على ستَّةِ أنحاءٍ:
١ - فمنهم من بدأ بالوَحْيِ (٢).
٢ - ومنهم من بدأ بالإيمانِ (٣).
٣ - ومنهم من بدأ بالاستنجاء (٤).
٤ - ومنهم من بدأ بالوضوء (٥).
٥ - ومنهم من بدأ بالصلاة.
٦ - ومنهم من بدأ بالوقت (٦)، وهو أسعدُهُم في الإصابة؛ لأنّ الوحيَ والإيمانَ عِلْمٌ عظيمٌ مُنفَرِدٌ بنَفْسِه، إن ذَكَرَ منه قليلًا لم يُغْنِهِ، وإن ذَكَرَ منه كثيرًا صُرِفَ عمّا تَصَدَّى له.
وأمّا من بدأ بغير ذلك، فإنّه لا يُلْزِمُ الاستنجاءَ ولا الوضوءَ ولا الصّلاةَ إلَّا عندَ دخولِ الوقتِ، ولذلك قال محقِّقو علمائنا -رحمة الله عليهم-: إنّه ليس في الشّريعة نَفْلٌ يُجْزِىءُ عن فَرْض إلَّا الوضوءُ قبلَ الوقتِ.
_________________
(١) انظره في القبس: ١/ ٧٥ - ٧٦.
(٢) كما فعل البخاري: ١/ ١٣ [فتح الباري].
(٣) كما فعل مسلم: ١/ ٣٦ [ط. عبد الباقي]، والحاكم: ١/ ٤٣.
(٤) كما فعل أبو داود: ١/ ١.
(٥) كما فعل الترمذي: ١/ ٥١، وابن الجارود في المنتقى: ١٣، وابن خزيمة: ١/ ٣.
(٦) كما فعل مالك في الموطأ: ١/ ٣٣
[ ١ / ٣٥٣ ]
قال الإمام الحافظ: سمعتُ الشّاشي (١) بمدينة السلام يقولُ: إنّ الوضوءَ واجبٌ عليه في وقت غير مُعَيَّنٍ، فمتى فعَلَه أجزَأَه، وهذا ضعيفٌ لأنّه لا يَصِحُّ وجوبُ الفَرْعِ مع عدَمِ وُجُوبِ الأصلِ، ولا وُجُوبَ الشّرْطِ مع عدَمِ وُجُوبِ المشروط.
قال: وإنّما بدأ مالك بذِكّرِ أوقاتِ الصّلاةِ في "كتابه"؛ لأنّه أوّل ما يراعَى من أمرِ الصّلاة؛ لأنه حينئذٍ يجب عليه فعلا الطّهارة بحَسَبِ وجوبِ الصّلاة، فكان الابتداءُ بذِكرِ أوقات الصّلاة أوْلَى في الرُّتبة، وبالله أستعين.
_________________
(١) هو الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمَّد بن أحمد الشاشي (ت. ٥٠٧) انظر أخباره في سير أعلام النُّبلاء: ١٩/ ٣٩٣.
[ ١ / ٣٥٤ ]