الوقوف على مصادر ابن العربيّ في "المسالك" أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر؛ فقد عانينا فيه صَعَدًا، وكلفنا خُطة شديدة، فلطالما قرأنا الكتاب مرَّات ومرَّات، واستصحبنا مصادرهُ الَّتي صرُّح بها، وأصُول مادَّته العلمية الَّتي وثقها، إلَّا أننا وقفنا عاجزين أمام كثير من النُّصوص، هل هي من بنات فكره وحرِّ لفظه، أم هي مقتبسة من غيره؟ ونعتقدُ أن الوعي بهذه المسألة قادنا إلى محاولة معرفة كيف يقرأ ابن العربيّ كتب من تقدَّمه؟ وإلى أيِّ مدى كان يعيش في أفكارها ومسائلها؛ ثم أيّ الكتب كان حضور ساطع في نفسه وهو يُملي عِلْمه على طَلَبَتِه ومُرِيدِيه؟ وما هي المصادر الَّتي تُمثِّلُ الفكر الُّذي قدح عقل هذا العالِم فاستفاض علمه؟ إنَّه ليس باستطاعتنا في هذا الدخل أن نُجيبَ عن هذه التّساؤلات الهامَّة والمشروعة في ذات الوقت، ولكن حسبُنا في هذا المبحث الآن أنّنا سندُلُّ القارئ على المصادر الَّتي صرَّح بها الْمُؤلِّف في ثنايا بحثه، وكذلك بعض المصادر الَّتي أغفلها واستطعنا تحديد بعض الواضع المنقولة منها، وبصَنِيعِنا هذا لم نحاول أن نضع ابن العربيّ في غير موضعه، أو نرتفع به على من سبقوه، فإنَّ من آفات البحث العلمي العصبيّة الطائشة للكتاب المدروس ولصاحبه، ومحاولة نسبة كل إبدل وفكر جديد له خاصّة دون غيره، وهذا مخالف للحقيقة، مجانبٌ للصّواب، فقد جاء ابنُ العربيّ وقد استوت العلوم الإِسلامية
[ ١ / ٢١٩ ]
على سُوقها أو كادت، فقد فرغ ابنُ حبيب والبُونيّ والقَنَازِعِيّ والباجيّ من شَرْحِ "الموطَّأ" ووضعوا الأصول ومهَّدوا الفروع، ولم يكد ابن عبد البرِّ القرطبي يضع قلمه المُبدع بعد تأليفه للتّمهيد والاستذكار، حتَّى كان هذا إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من التّصنيف في شرح الحديث، عكفَ فيها العلماء - ومنهم ابن العربيّ- على هذا الموروث العظيم الَّذي آل إليهم، شارحين للمُوطَّأ، ومتعقِّبين وناقدين، ومُضيفينَ ومستَدْرِكينَ، فمِن الممتع حقًّا أن يرقبَ الباحث حركة الأفكار وهي تتحاور، ويفتح بعضها لبعض، ويخرج بعضها من بعض، ويأتي بعضها في إثر بعض، وكيف يقوم الثّاني على المراجعة الدّقيقة للأوَّل، وإخراج ما يقتضي الرَّأي إخراجه، وإضافة ما يقتضي الرّأي إضافنه، ثم ترى الحذق واليقَظَة في استخراج رَسِيسَ الصّواب من تحت أنقاض الخطأ، وهكذا نجد المراجعة الدائمة هي الَّتي تتولَّد منها -بإذن الله- المعرفة، وهذا لا يوجد إلَّا إذا عكف الثاني على عِلْمِ الأوَّل، واستخرج منه صافيات الصّواب وخافيات الخطأ.
وابنُ العربيّ واحدٌ من هذا النَّفَر الكريم الَّذين أحسنوا النَّظَر في ذلك الحصاد الطِّيب الَّذي سبق به الأوائل؛ كما أخذ بنصيب وافر من ثقافة وعلوم عصره، وكان يمدّه في كل ذلك ذكاء قويٌّ، وطَبعٌ سليمٌ، وشَغفْ بالاطِّلاع والتّحصيل شديدٌ وكانت الثمرة كتاب "المسالك" الَّذي يعتبر معرِضًا لأراء كبار علماء اللّغة والكلام والفقه والأصول والحديث على اختلاف مذاهبهم وتعدد مشاربهم، فيه النُقُول المُستفيضة عنهم، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كُتبهم الضائعة، من مثل: "الواضحة" لابن حبيب و"المبسوط" لإسماعيل القاضي، و"المجموعة" لابن عبْدُوس، و"كتاب ابن المَوَّاز" وما إلى ذلك.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وليس يعنينا هنا أن نتحدّث عن كلّ الأعلام الَّذي حَكَى عنهم ابن العربيّ القول والقولين، وإنَّما نذكرُ مِن هؤلاء الأعلام مَنْ أكثرَ ابن العربيّ من النَّقل عنهم والاستفادة من علومهم، وها نحن نذكُرهم بحسب موضوعات العلوم.