١ - " الْمُدَوَّنَة" لعبد السلام بن سعيد التنوخي، اللقب بسحنون (ت.٢٤٠ هـ)
وهي أصل علم المالكيِّينَ، وهي مقدَّمَةٌ على غيرها من الدَّواوين بعد موطّأ مالك. وُيروَى أنَّه ما بعد كتاب الله أصَّح من موطّأ مالك - ﵀ - ولا بعد الموطَّأ ديوان في الفقه أفيد من المدوَّنة، هي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحو، وككتاب أُقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه موضع أم القرآن من الصلاة، تجزئ عن غيرها، ولا يجزئ غيرها عنها (١).
وأصل "الْمُدَوَّنَة" هو ما دَوَّنه عليّ بن زياد في كتابه الَّذي سمّاه "خير من زنته"، ثم كتاب "الأسَدِيَّة" لأسَد بن الفُرَات (ت.٢١٣ هـ) أو كما يسميها البعض: "مدونة أسد" واستدراك سحنون عليها؛ في القصة الشهورة، الَّتي حكاها شيخ شيوخنا محمَّد الفاضل بن عاشور (٢)، وهي أنّ سحنونا لاحظ فيما كتَبَه أسَد بن الفُرات نَبوات أو اختلافات عمّا يظنُّ لأنه سمِعَه من عليّ بن زياد، فحَدَا به ذلك -إخلاصًا في خدمة دين الله ونُصحًا لله ولرسوله ولعامّة
_________________
(١) المقدمات لابن رشد: ١/ ٤٤ - ٤٥.
(٢) في كتابه المجموع باسم: محاضرات:٧٠ (ط. مركز النشر الجامعي، تونس، و١٩٩ م).
[ ١ / ٢٣٠ ]
المسلمين - حَدَا به ذلك إلى أن يرجع في تحقيق ما وقع له فيه الشّكّ، وما اتّهم فيه ما أخذَه من أسَد بن الفُرات بالاضطراب، أن يرجع إلى الَّذي كان مُسَلَّمًا له من بين أصحاب مالك جميعًا بأنّه أتمهم قيامًا على فِقْهِ مالك، وأكثرهم ملازمة له، وأكثرهم إتقانا لضبط ما روى عنه من المسائل، وهو عبد الرحمن بن القاسم، فتوجَّه سحنون إلى مصر كما هو معروف، وصدرت عنه "المدوّنة" الَّتي تُعتبر في الحقيقة أثرًا لأربعة من الرِّجال على التّعاقُب، هم: عليّ بن زياد المدَوِّن الأوّل، وأسدُ بن الفُرات مُدَوِّن "المدونّة" الَّتي عوضها سحنون على ابن القاسم، وابنُ القاسم الَّذي صُحِّحَت لدَيْه مدوَّنة أسَد بن الفُرات "الأسَدِيَّة"، وسحنون الَّذي كتب خلاصة ما سمع من ابن القاسم، مع ما سمع من غيره من أصحاب مالك بإفريقية وبمصر.
وقد أصبحت "المُدَوَّنَة" دستور المالكيّة الَّذي يحتكمون إليه أيَا كانت مدارسهم، حتَّى إنَّه أذا أطلق "الكتاب" فإنُّما يريدونها، لصيرووته عندهم علمًا بالغلبة عليها، وهي الَّتي تُسَمَّى "الأم" (١).
فلا غرو أن يُكثر المؤلِّف عن النقل عن هذا المصدر (٢).
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ١/ ٣٤. وانظر البحث القيم لأخينا الأستاذ "حمزة أبو فارس" بعنوان: "مدونة الإمام سحنون: مراحل تدوينها، منزلتها بين الأمهات، شروحها واختصاراتها" ضمن كتابه: "بحوث ودراسات في بعض مصنفات العقه المالكي": ٤٣ - ٧٦. منشورات فاليتا، مالطا، سنة ٢٠٠١ م.
(٢) انظر على سبيل المثال: المسالك: ٢/ ٢٢٩، ٤٨١. ٣/ ٥٠٧. ٤/ ١٢١. ٥/ ٢٠٤، ٣٤٥. وبواسطة المنتقى للباجي انظر: ٣/ ٣٤٢. ٤/ ٣٦، ١٣١، ٢١٠. ٥/ ٧٨، ١٣٨، ٢٥٧. ٦/ ٦٠، ٧٩، ١٢٠. ٧/ ٦٤. وبواسطة المقدمات لابن رشد انظر: ٢/ ١٢٥، ١٦٠، ١٧٨. ٤/ ٢٦٠. ٥/ ١٤٨، ٢٠٢.
[ ١ / ٢٣١ ]
٢ - "الواضحة في السنن والفقه" لعبد الملك بن حبيب السُّلَميّ، (ت.٢٣٨ هـ)
ثانية الأمّهات والدَّواوين، وقد اعتنى بها مالكية الأندلس بخاصَّة، فهي إحدى المفاخر عند التّفاخر، وفيها يقول ابن حزم الأندلسي: "وألِّفتْ عندنا تآليف في غاية الحسْن، لنا [أي معشر أهل الأندلس]، في بعضها ومنها في الفقه الواضحة" (١)، وظلَّت "الواضحة" مرجعًا فقهيًا لا يُنافس في الأندلس، حتَّى غلب عليها بعد حين من الدَّهر، ضاع أغلبها فيما ضاع من عيون إرثنا الإِسلامي، وبقيت منها أجزاء في الوضوء بخزانة القَرَويِّين تحت رقم: ٨٠٩، استفدنا منها في قراءة النَّصِّ وتحريره، كما وصلتنا قطع مختلفة محفوظة بمكتبة رقادة في القيروان بتونس، تحتوي على شذرات من صلاة السَّفَر، ومناسك الحجّ، والشّهادات، ونشر بعضها أحد المستشرقين الأعاجم بألمانيا (٢).
وقد أكثر المؤلِّف من الرُّجوع لهذا الكتاب في كثير من المواضع، بواسطة الباجي في المنتقى (٣).
_________________
(١) عن نفح الطيب: ٤/ ١٦١ - ١٦٤، يقول ابن حزم في "رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها": ١٨١ (ومنها في الفقه الواضحة، والمالكيون لا تمانع بينهم في فضلها، واستحسانهم إياها). [ط. رسائل ابن حزم الأندلسي، تحقيق: إحسان عباس. بيروت ١٩٨١ م]
(٢) انظر دراسات في مصادر الفقه المالكي: ٥٠ - ٥١. ولا يستغرب في تونس أن تُفَتَّحَ أبواب المكتبات المتخضصة للمستشرقين الأعاجم، وتوصد بالأقف الَّذي وجه أبناء العروبة والإِسلام، وإلى الله المشتكى.
(٣) انظر المسالك: ٢/ ٤٧، ٧٩. ٤/ ٣١٣. ٥/ ٢١٤، ٢٢٥، ٤٠٩. ٦/ ٦١، ٨٠، ٣٠٩. ٧/ ١٢٨، ١٣٠.
[ ١ / ٢٣٢ ]
٣ - "العُتْبيَّة" أو"المستخرجة من الأسْمِعَة" لأبي عبد الله محمَّد بن أحمد العتبي (ت.٢٥٥).
وهي ثالثة الأمّهات والدّواوبن، يقول عنها ابن خلدون في مقدِّمته: "اعتمد أهل الأندلس كتاب العُتْبيَّة وهجروا الواضحة" (١). فالعُتْبيَّة كتاب قد عوَّل عليه الشيوخ المتقدِّمون من القروِّيين والأندلسيِّين، واعتقدوا أنَّ من لم يحفظه، ولا تفقَّه فيه كحفظه للمدوَّنة وتفقُّهه فيها، بعد معرفة الأصول وحفظه لسُنَنِ رسول الله - ﷺ -؛ فليس من الرّاسخين في العِلْم، ولا من المعدودين فيمن يُشار إليه من أهل الفقه (٢).
و"العُتْبيَّة" عبارة عن حصر شامل لمسائل فقهية يرجع معظمها لابن القاسم العتقي عن مالك بن أنس، وهي برواية من جاءوا بعده مباشرة، كما أنَّها تحتوي على آراء فقهية لتلاميذ مالك وخلفائه (٣).
فالمستخرجة إذا هي سماعات أحد عشر فقيها، ثلاثة منهم أخذوا عن مالك، وهم: ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع المدني، وابن وهب، ويحيى اللَّيثيّ، وسحنون وغيرهم.
فالعُتْبيّ حفظ لنا في "المستخرجة" -فضلًا عن الرِّوايات المسموعة - سماعات كثيرة عن مالك وتلاميذه، ورَتَّبه على السماعات؛ فجمع سماع
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: ٢٤٥ (المطبعة الخيرية، القاهرة، عام: ١٣٢٢ هـ).
(٢) مقدمة البيان والتحصيل: ١/ ٢٩.
(٣) دراسات في مصادر الفقه المالكي لميكلّوش موراني: ١١٨ (ط. دار الغرب الإِسلامي، بيروت: ١٤٠٩ هـ).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ابن القاسم من مالك على حدة، وكذلك فعل بسماع أشهب وابن نافع وغيرهما، ثم جمع سماع سحنون من ابن القاسم على حدة، وكذلك فعل بسماع يحيى بن يحيى منه، ثم جعل كلّ سماع في دفتر، وجعل بكلّ دفتر عنوانا يعرف به، وهي أول كلمة منه، ولولا أنّ الله سبحانه ألهمه إلى حفظ هذه السماعات لضاعت، إلَّا أن العُتبيَّ لم يتمكن من تمحيصها وعرضها على أصول المذهب ومقارنتها بالرِّوايات الأخرى. وكان من حسن حظّ "العُتْبيَّة" أن يهتم بها ابن رشد الجدّ فقام بهذه العملية النقدية في "البيان والتحصيل والشرح والتوجبه والتعليل في مسائل المستخرجة" (١)، وأصبحت "العُتْبيَّة" -بعد أن تميَّز فيها الصحيح من السقيم- خيرًا وبركة.
وقد أكثر ابن العربيّ من الوجوع إلى "العُتْبيَّة" بواسطة الباجي في "المنتقى" (٢).، وربما رجع إليها مباشرة بدون واسطة (٣).
٤ - كتاب "المجموعة" لمحمد بن إبراهيم بن عبدوس (ت. ٢٦٠ هـ).
وقد رجع إليه كثيرا (٤)، ويعتبر هذا الكتاب من الأصول عند المالكيّة
_________________
(١) وقد طبع بدار الغرب الإِسلامي ببيروت، عام: ١٤٠٨ هـ).
(٢) انظر على سبيل المثال المسالك: ٢/ ٢٢٤، ٤٣٦، ٤٨٠. ٤/ ٩٠، ١٠٥، ١٣٠. ٥/ ٧٦، ١٣٩، ١٨١. ٦/ ١٤١، ١٦٣، ٢٦٥. ٧/ ٩٩، ١٢٦، ١٢٨.
(٣) انظر على سبيل المثال: ٢/ ٣٨. ٣/ ٢٤١. ٦/ ٧١، ١٩٥.
(٤) في الغالب الأعم بواسطة الباجي في المنتقى، انظر على سبيل المثال المسالك: ٢/ ٤١، ١٦٣، ٣٦٦. ٤/ ٨٠، ٨٢، ١٠٥. ٥/ ١٣٨. ٦/ ٢٣٢، ٢٣٧، ٢٣٩. ٧/ ١٤،٢٠، ٤٦. وتارة يرجع إليه بواسطة ابن رشد في المقدمات، كما في: ٢/ ١٦١.
[ ١ / ٢٣٤ ]
كالمدونة، ويقع -فيما ذكر القاضي عياض (١) - في خمسين كتابًا، وقد أعجلتهُ
المنيَّة قبل تمامه، والكتاب يُعدُّ مفقودًا.
٥ - "الموَّازِيَّة" لمحمد بن إبراهيم، المعروف بالمَوَّاز (ت.٢٦٩ هـ).
يذكر أحد الباحثين أن "الموّازيّة" صارت في القرن الرابع الهجري أحد أشهر كتب الفقه في شمال إفريقيا، حيث ضمَّت كلّ المسائل العويصة في الفقه المالكي، فضلًا عن الاهتمام بفروع المالكيّة (٢).
ويتميَّز منهج ابن الموّاز في كتابه بأنَّه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم؛ لأنّ غيره إنَّما قصدَ جمع الرِّوايات ونقل منصوص السّماعات والاختيارات وأجوبة المسائل. ويُعتَبر هذا الكتاب من جملة ما فُقِدَ من إرثنا الفقهي الخالد.
وقد وصلتنا قطعة نادرة في المكتبة العاشورية بتونس، تقع في ١٥ ورقة (٣)، يقوم الأخ الأستاذ حميد لحمر الفاسي بالاعتناء بها تمهيدا لنشرها.
وأغلب الاقتباسات والإحالات على هذا الكتاب -إن لم نقل كلّها- بواسطة الباجي في "المنتقى"، وقد تعددت الصيغ في الإشارة إلى الكتاب، فتارة
_________________
(١) في ترتيب المدارك ٤/ ٢٢٣.
(٢) دراسات في مصادر الفقه المالكي لموراني: ١٥٢.
(٣) نص على ذلك فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربيّ: ١/ ٣/ ١٦١.
[ ١ / ٢٣٥ ]
يسمِّيه؛ "الموّازية" (١) وتارة: "كتاب محمَّد" (٢) وتارة أخرى: "كتاب ابن المواز" (٣) وفي بعض المواضع يقتصر على: "قال محمَّد" (٤).
٦ - "المبسوط في الفقه" للقاضي إسماعيل بن إسحاق (ت. ٢٨٢ هـ). يعتبر إسماعيل القاضي أحد الّذين شهد لهم بالاجتهاد بعد مالك، حيث قال الباجي (٥): "ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلَّا لإسماعيل القاضي" والدرسة العراقية الَّتي يتزعمها إسماعيل القاضي هي وليدة مدرسة المدينة النبويّة المنوّرة، غير أنَّ منهجها الفقهي تأثر بالبيئة الفقهيّة بالعراق، والَّتي كان منهج مدرسة أهل الرأي هو المتغلِّب فيها، ونتيجة لهذا التأثر، تميَّز مالكية العراق بميلهم إلى التّحليل المنطقي للصُّور الفقهيّة والاستدلال الأصولي، وذلك بإفراد المسائل وتحرير الدّلائل على رسم الجدَليِّين وأهل النَّظر من الأصوليِّين، وهو المنهج الَّذي يُشار إليه عند المالكيّة المتأخِّرين بطريقة العراقيّين، ويمثلُهُم في ذلك القاضي إسماعيل، ومِن بَعْدِه ابن القصَّار وابن الجلاب، والقاضي عبد الوهّاب، والقاضي أبو الفَرَج، والأبهري، ونظراؤهم.
_________________
(١) كما في: ٢/ ١٦٣. ٤/ ١٣٠، ١٣٢. ٥/ ٧٥، ٧٨، ١٣٨. ٦/ ١٣٤، ٢٣٩. ٧/ ١٦، ٦٤، ٩٨.
(٢) كما في: ٥/ ١٦١، ١٦٧، ٤٦٦. ٦/ ٥٩، ٩٣، ١٤٥. ٧/ ١٢١. وربما عَبَّرَ بـ "ابن المواز في كتابه" كما في: ٥/ ١٩٩.
(٣) كما في: ٥/ ٢٢٣، ٢٣٢. ٦/ ٧٩.
(٤) كما في: ٥/ ٢٣٧.
(٥) فيما نقله عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك: ٤/ ٢٨٢.
[ ١ / ٢٣٦ ]
ومن أسفٍ فإنُّ كتاب "المبسوط" لا زال إلى يوم الناس هذا في حكم المفقود، يَسَّر الله من يبحث عنه بحِدٍّ وَسَطَ المجاميع الأجزاء المجهولة النِّسْبة في مكتبة القرويِّين بفاس.
وقد أكثر المؤلِّف من الرُّجوع إليه بواسطة الباجي في "المنتقى" (١).
٧ - "التفريق" لأبي القاسم عُبَيْد الله بن الحسن بن الجلَّاب (ت.٣٧٨ هـ).
يعتبر كتاب "التفريع" مثالا رائدًا لنوع جديد من المؤلَّفات الفقهيّة، وهي المختَصَرات الجامعة الَّتي تتناول عددًا ضخمًا من المسائل المندرجة تحت أبواب الفقه كلّها، بصورة شاملة، وبصِيغَةِ مُوجَزة.
ولقد اختار ابن الجلَّاب في كتابه "التفريع" منهجَا يُلائم الغرض الَّذي كان يرمي إليه من وراء تأليف كتابه التفريع، فاعتمد خطَّة محكمَةً لإخراج مؤلَّف جامع يقوم على أركان أربعة:
١ - التفريع والتفصيل، سعيا لتغطية أكثر ما يمكن من المسائل الحادثة، أو المتوقعة الحدوث.
ب- الإيجاز والاختصار.
جـ- تقرير الآحكام لمختلف المسائل، لتحديد الشارع من كلّ أمر.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال المسالك: ٣/ ٢٤١، ٣٤٠، ٤٥٩. ٤/ ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٦١. ٥/ ٢١٣، ٢١٥، ٢٣٢.
[ ١ / ٢٣٧ ]
د- التبسيط والتوضيح، مع شدَّة الضَّبط والدّقة والتمحيص (١).
وقد تأثر المؤلِّف بمنهج ابن الجلاّب في تناوله لبعض القضايا الفقهية، ونقل أقواله في عدة مواضع (٢).
٨ - "النّوادر والزِّيادات على ما في المدوَّنة من غيرها من الأمّهات" لأبي محمَّد ابن أبي زَيْد القيروانيّ (ت. ٣٨٦ هـ).
يعتبر ابن أبي زيد مالكًا الصّغير، فهو الَّذي لَّخص المذهب، وضمَّ نشره، وذبَّ عنه (٣)، ونقل الدّبَّاغ في "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" (٤)، قال: يقال: لولا الشيخان، والمحمَّدان، والقاضيان، لذهب المذهب، فالشيخان: أبو محمَّد بن أبي زيد وأبو بكر الأبهري. والمحمدان: محمَّد بن سحنون ومحمد بن المَوُّاز. والقاضيان: أبو محمَّد عبد الوهاب وأبو الحسن بن القصّار".
وقد استطاع ابن أبي زيد أن يرجع بالفقه إلى صفائه العِلْمِيّ، ويَفُكّه من قيود الجدليّات والعصبيات، وأن يسلك في خدمة المذهب المالكي مسلكًا فريدًا، ويضبط ما تناثر في مصادره من الأقوال، مما قاله مالك وخالفه فيه أصحابه، أو ما وافقوه فيه، أو ما انفرد أصحاب مالك ومن بعدهم بتقريره من الأحكام. فدرَسَ الأقوال الفقهيّة، وحقَّق الصُّوَر الَّتي تتعلَّق بها، حيث كان
_________________
(١) مقدمة المعتني بالتفريع: ٢/ ٣٥٣.
(٢) انظر على سبيل المثال المسالك: ٢/ ٢٢٨. ٤/ ٢٦١. ٥١٧٥، ٣٠٩، ٣٣٤. ٧/ ٥٠.
(٣) ترتيب المدارك: ٦/ ٢١٦.
(٤) ٣/ ١١٠ (أكمله وعلق عليه أبو الفضل أبو القاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي، مكتبة الخانجي بمصر، والمكتبة العتيقة بتونس).
[ ١ / ٢٣٨ ]
صورة واحدة واختلفت فيها الأنظار، أو صورًا مختلفة يرجع كلّ قولٍ إلى أحَدٍ منها (١). وذلك هو المنهج الَّذي سار عليه ابن أبي زَيْد في كتبه الموسَّعة، ويعتبر "كتاب النوادر" الَّذي طبع في بيروت بدار الغرب الإِسلامي، بمثابة الجامع" في أمهات الكتب الفقهية المالكيّة من المسائل والخلاف والأقوال، فهو مَعْلَمَةٌ فقهيّة شاملةٌ. كما يعتبر "كتاب النوادر" في نظر شيخ شيوخنا محمَّد الفاضل بن عاشور (٢) من أعظم الكتب الفقهيّة وأعونها على تكوين الملَكَة الفقهيّة الحقّ، والتّخريج على حُسْن الفهم ودِقَّةِ التّنزيل وبَراعة التّعليل، فقد جمع فيه صُوَرَ الحوادث الَّتي لم تنصّ أحكامها في "الْمُدَوَّنَة"، واهتم بأكثر الصُّوَر الَّتي تعرض في عصره في القيروان، فبيَّنَ أحكامها بحسب تنزيل النُّقول وتحقيق مناطها، أو الجواب عنها مما يتخرَّجُ من الأصول أو من النُّقول على سُنُّةِ الاجتهاد في المسائل.
وأغلب النقول عن ابن أبي زيد (٣) وكتابه "النّوادر" كانت بواسطة "المنتقى" للباجي (٤).
_________________
(١) أعلام الفكر الإِسلامي في تاريخ المغرب العربيّ لمحمد الفاضل بن عاشور: ٤٦ - ٤٧.
(٢) في المصدر السابق: ٤٨.
(٣) وبهذه الصيغة أحال على "النوادر" كما في: ٦/ ٢٣٦. وأحال عليه في موضع آخر بقوله: "قال أبو محمَّد بن أبي زيد": ٢/ ٣٠. كما اختار في: ٢/ ٢٠ صيغة: "قال الشيخ أبو محمَّد".
(٤) انظر على سبيل المثال: ٢/ ١٥٤. ٥/ ٤٨، ٣٢٥. ٦/ ٢٣٣، ٢٥٤، ٣٠٨.
[ ١ / ٢٣٩ ]
٩/ ١٠ - "المعونة" و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب ابن نصر البغدادي (ت.٤٢٢ هـ) نالت مؤلّفات القاضي عبد الوهاب شهرة عند المالكيّة المغاربة، بَلْه المشارقة، فهو وإن كان عراقيًا في مدرسته المالكيّة، إلَّا أنَّ آراءه اتَّسمت بتبنِّيها لمبادئ وقواعد الترجيح القيروانية المصرية، ولذا فكتبه تعتبر جسرَا يربط بين آراء الفرع المالكي العراقي، وترجيحات الفرع المصري القيرواني، وقد ظهر تأثير القاضي عبد الوهاب على المدرسة الأندلسية متمثلة في زعيمها أبي الوليد الباجي وكتابه "المنتقى"، الَّذي يتردَّد على صفحاته آراء الفاضي معزوَّة إلى كتبه "التلقين" و"الإشراف" و"المعونة" و"شرح الرسالة"، وربما مال الباجي في بعض القضايا إلى ترجيح رأي القاضي عبد الوهاب (١)، والظاهر أن ابن العربيّ نقل ما نقل من كتب القاضي بواسطة الباجي (٢).
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: المنتقى: ١/ ١٩٥، ٥/ ٢٧٥ [عن اصطلاح المذهب عند المالكيَة للأستاذ محمّد إبراهيم عليّ، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة: ٦، العدد: ٢٢، عام: ١٤١٥ هـ ـ، صفحة: ٩٥].
(٢) انظر أمثلة لنقل ابن العربيّ من المعونة، في: ٥/ ١٧٥ - ٢/ ١٥٤. ٥/ ٢٠٨، ٢٢٠، ٢٦٩. ٦/ ٢٣٢، ٢٧٥، ٣٨١، ٧/ ١٦،١٤. وانظر أمثلة لنقل ابن العربيّ من الإشراف، في: ٢/ ٢٧٠. ٥/ ٥٤٣. ٦/ ١٦٧، ٥١٤ - ٤/ ٢٧٦. ٥/ ١٩٩.
[ ١ / ٢٤٠ ]
١١ - "المقدِّمات لبيان ما اقتضته رسوم الْمُدَوَّنَة من الأحكام الشَّرعيات والتّحصيلات المحكَمَات لأمّهات مسائلها المشكِلاَت" لأبي الوليد محمّد ابن أحمد بن رشد (ت. ٥٢٠ هـ)
يمثل كتاب "المقدِّمات" حلقة جديدة في التآليف المالكيّة، ونظرة جديدة إلى "الْمُدَوَّنَة" وإلى التّصانيف الفقهية لشيوخ المذهب" (١)
ومن الغريب حقا أن يُكثِر ابن العربيّ من النّقل عن المقدِّمات، بدون إشارة إلى ابن رشد (٢)، وفي أحسن الأحوال كان يستعمل صيغة: "قال علماؤنا" (٣).