نَوَدُّ أن نُنَبِّه بادئ ذي بدءٍ إلى معضلة سبقت الإشارة إليها، وهي أنَّ كتاب "المسالك" تضمّن آراءا كثيرة في الفقه والأصول والحديث والكلام واللغة، ساقها ابن العربيّ غير معزُوَّةً إلى أحد ممن تقدُّمه، ولم نستطع أن نقطع بنسبتها إليه، لاحتمال نسبتها إلى غيره ممن سبقه، وقد أمكننا الله بتوفيقه أن نرُدَّ بعض هذه الآراء إلى أصحابها (١)، وبقي الكثير الَّذي لم نوفق إلى ردِّه، ولهذا فإنَّنا نعتقدُ أنَّ محاولة دراسة منهج ابن العربيّ وموارده في "المسالك" أمر في غاية العُسْرِ والصُّعوبة، ومحفوفٌ في ذات الوقت بكثير من المخاطر والمزالق، وهو الَّذي يقع لكثير من الباحثين الّذين يدرسون عَلَمًا من الأعلام، يحشُدون آراءه حشدًا، تبيينًا لمنهجه زعموا، دون فصْل بين ما قال وما حَكَى. وهو الأمر الَّذي حاولنا اجتنابه في عملنا؛ لأنَّ ابن العربيّ لم يُعْن في "المسالك" بعَزْوِ كل رأي إلى قائله، وربما كان ذلك منه خوفًا من الإملال والإطالة، ولا نظنُّ به إلَّا خيرًا، والأمرُ من قبلُ ومن بعدُ موكولٌ إلى ثقافة الدّارس والدّارسة ومحاولتهما التّعرُّف على مسار التأليف العربيّ، وإدراك العلائق بين الكتب: تأثرًّا أو نقدًا أو شرحًا أو اختصارًا أو تذييلًا. وهذا أمرٌ زاولناه - بحمد الله - فتوصَّلنا إلى
_________________
(١) وبخاصة آراء ابن عبد البرّ والباجي.
[ ١ / ٢٥٧ ]
نتائج لا بأس بها، إلَّا أنَّ فُقدان كثير من المصادر وقفَ عائقًا دون إتمام العملية النقدية الَّتي لو قُدِّر لها أن تتمّ، لسهّلَت علينا وعلى الباحثين والباحثات من بعدنا دراسة منهج المؤلِّف وآرائه بدقَّة متناهية لا تشوبها شائبة. وحَسْبُنا الآن أنَّنا قرأنا وضبطنا نَصّ "المسالك" مع محاولة توضيح مُبهَمِه وتوثيق مسائله، مع أملِ أن يأتي بعدنا من يكمِّل المسيرة، فيستخرج نفائسه، ويستلهم غوامضه بالتأمُّل الصّادق والصَّنعة الكاملة (١).
أوَّل ما يستوقف النَّاظر في كتاب "المسالك" هو ذلك التّسلسُل المنطقي في البناء الفكريّ لمحتويات الكتاب، فقد وضع المؤلِّف - ﵀ - لشرحه خُطة مُحْكَمَة، اتَّبَعَها بدقّة في جميع الأبواب الَّتي فسّرَها، فجاء الشرحُ -بحمد الله- نَسَقًا واحدًا يدل على عقل يُتقِنُ التصنيف والتبويب، فعمد ابتداءً إلى كتابة مقدِّمات كاشفة، تُرشِد الباحثَ للوُلوج إلى "الموطَّأ"، وتُمكِّنُه من فهم الحديث على الوجه الصحيح. وتكلم المؤلِّف في مقدِّمته الأولى عن فضل مالك - ﵀ - ومناقبه،. وسَلَفِه، مع ذِكْرِ موطَّئه وشَرَفِه.
وأخلص المقدِّمة الثانية للردَّ على نُفاة القياس من الظّاهرية الحزْمِيَّة، ومن الغريب حقا أن تتفق جميع النُّسَخ على إسقاط هذا البحث، فهل أهمله المؤلِّف بعد أن وعَدَ به في طليعة الكتاب، إمعانا في تجاهل الظّاهريّة والحطِّ من قدرهم،
_________________
(١) لا ريب أنّه لا سبيل إلى حديث مستوعب ودراسة شاملة لكتاب "المسالك" ما لم تتوافر أدوات البحث الضرورية الَّتي أشرنا إليها في المتن، مع ضرورة رجوع الدارس إلى شروح "الموطَّأ" السابقة على ابن العربيّ ودراستها دراسة مقارنة جادة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أم أنّ أيادي آثمة - من المعجَبين بابن حزم - تلاعبت بالنُّسخة الأم، فحذفت ما حذفت. وتكلم في المقدِّمة الثالثة عن علوم الحديث؛ فتطرَّق لموضوع معرفة الأخبار، وقَبول خَبَر الواحد العَدْل، وتبيين المرسَلِ من المسْنَد، والموقوف من المرفوع والبَلاغ، كما تكلم عن الرِّواية والإجازة والمناوَلة، والقول في "حدّثنا" و"أخبرنا" هل هما واحد أم لا؟
ثمَّ شرع المؤلِّف في شرح "مُوَطَّأ يحيى" على وجهه ونسق أبوابه، فيبدأ غالبًا بالكلام على الإسناد، فإن جاء الحديث منقطعا وصَلَهُ من طريق مالك، أو من غير طريقه، معتمدًا في ذلك على نقل الأيمُّة وما رواه الثقات، وبهذا يرى الناظر في "المسالك" موقع آثار "الموطَّأ" من الاشتهار والصِّحَّة.
كما أنَّه كثيرا ما تطرَّق لمعاني الآثار وأحكامها المقصودة بظاهر الخطاب، على ما عوَّل على مِثْلِه الفقهاء أولو الألباب، واستجلب أطايب أقاويل العلماء في تأويل الحديث وناسخه ومنسوخه، وأتى من الشواهد على المعاني والأسانيد جملة وافرة عظمت بها فائدة الكتاب.
عنايته باللغة والغريب:
على الرغم من أن اللغة ليست بضاعة هذا الكتاب الأساسية، فإن فيه الكثير من الملاحظات والاستطرادات اللغوية، فقد أشار في مواطن كثيرة إلى شرح ما استعجم من الألفاظ، شرحا بسيط موجزا، وربما تَوَسَّعَ فأورَد مواد لُغَوِيّة مفَصُّلَة، معتمدًا على كبار أهل اللِّسان كالخليل بن أحمد، وابن السِّكّيت وغيرهما.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ومن الملاحظ أنّ المؤلِّف اختصر الكلام في بعض الأبواب والمسائل اختصارا اكتفى فيه بإشارات خاطفة غير وافية الراد، لقضايا كان للشرُّاح فيها كلامٌ مسهبٌ، مما أدى إلى بقاء بعض النصوص المستغلقة من "الموَطَّأ" لم يُوَطَّأ كنفها، ولم يكشف عن وجوه الإشكال فيها.
بقي أن نذكر أنُّ لابن العربيّ في بعض المواضع من "المسالك" نزعة للإغراب في الأسلوب، يُغربُ أحيانًا في ألفاظه فيختارها من المعجم غير المألوف، رغبة منه في السُّموّ والتألُّق والارتفاع، وقد ساعدهُ على بلوغ مبتغاه علمه الواسع باللُّغة والأدب.
ومن الملاحَظ على أسلوبه أيضًا كثرة الاعتراض والفواصل، فقد يفصل بين المبتدأ والخبر بجملة تمتدّ سطرًا أو أكثر، كما يكثر البعد بين المتعاطفات مثلًا، ولذلك فقد اَثرنا شكل النَّصِّ في مواطن كثيرة حتّى يستبين القارئ تعلُّق الكلام بعضه ببعض.
ولئن كان يبدو أسلوبه في بعض الأحيان معقَّدًا غامضًا، فرُبما كان مرجعُ ذلك -في نظرنا- إلى طبيعة الطريقة الَّتي كان يكتب بها؛ فأغلبُ الظَّنِّ أنَّه كان يُملي مؤلَّفاته إملاةً على تلاميذه، كما أنُّ طبيعة النُقوُل الكثيرة من كتب السّابقين قد أوقعتهُ في هذا التّعقيد الَّذي نَزعَمُه.
كما أن كثرة النقول أوقعت المؤلِّف في شيء من التَّكرار، وأحيانا في شيء من الاختلاف، وربّما التناقض أيضًا.
وبالرغم من كثرة هذه النقول، فإن شخصية ابن العربيّ واضحة قويّة، تبرز في أكثر صفحات الكتاب من بين التعليقات الَّتي علَّق بها على آراء
[ ١ / ٢٦٠ ]
العلماء وأقوالهم، كما تظهر أشدّ وضوحا في أحكامه الَّتي أطلقها جازمة قويّة، شأن العالِمِ المعتدِّ بعِلْمِه، الواثق من صحّة رأيه وسَداد اختياره، فهو لم يكن مجرّد ناقل، وإنّما كان ناقلا ناقدا، ومحقِّقا بصيرا، لا يحجم عن تأييد ما يراه حَسَنا، ونقض ما يراه قبيحا (١).