تتكون مخطوطة الزاوية الحمزاوية من نسخة كانت في الأصل رباعية سَلِم طرفاها: السِّفْر الأول، والسِّفْر الرابع وهو الأخير؛ وهما معًا بخطِّ واضح أندلسي من خطوط القرن السادس، يرجع إلى سنة: ٥٧٩ هـ، وهو المنصوص عليه ذلك في نهاية الجزء الرابع صفحة ٣٢٧، وبقي مقروءًا منه: " في شهر شعبان من عام تسعة وتسعين وخمس مائة، وبهذا كمُل الديوان".
وهي نسخةٌ نفيسةٌ كُتِبت بعد وفاة المؤلِّف بعهدٍ قريبٍ، أي في العهد الَّذي يحتمل أن يكون أبناؤه وتلاميذه وحملة تراثه ما زالوا على قيد الحياة في المغرب والأندلس، ويظهر أنَّ هذه النُّسخة كانت في القرن الثامن بغرناطة كما تشهد بذلك طُرَّة على آخر صفحة (٣٠١)، من السِّفْر الأوَل، يُقْرَأ منها بخطٍّ مُغايرٍ لخطِّ النُّسخة كُتبَ متداخلًا، وبعضه يُقْرَأ من أسفل إلى أعلى: "أكملتُ هذا السِّفر مطالعةَ بغرناطة من المعظم من عام ثمانية بعد سبع مائة".
_________________
(١) وتُعرَف أيضًا بالزاوية العيّاشية، وعن هذه الخزانة يقول شيخ شيوخنا عبد الحي الكتاني في كتابه تاريخ المكتبات الإِسلامية: ١٢٨"وأما مكتبة الزاوية الحمزاويّة الموجودة في سفح آيت عيَّاش [جنوب ميدلت] من المغرب الأقصى، فمنسوبة إلى رئيس الزاوية المذكورة أبي عمارة حمزة بن الرحّالة النقّاد المتبحِّر الشيخ أبي سالم العيّاشي (١١٣٠ هـ) صاحب الرحلة الحجازية المفيدة المطبوعة في فاس في مجلّدين، وهي مكتبة عظيمة فيها ذخائر كثيرة، كنت رأيت برنامجها في صِغري". وانظر -إن شئت- دور الكتب في ماضي المغرب: ٧٧، وقبس من عطاء المَخطوط المغربي: ١/ ٣٦٥، وتاريخ خزائن الكُتُب بالمغرب لأحمد شوقي بنبين: ١٣٧. وكتاب المغرب للصديق بن العربيّ: ١٥٥ [ط. دار الغرب الإِسلامي].
[ ١ / ٢٧١ ]
وفي أوّل هذا السّفر تملّك هذا نصُّه: "لأحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد القرشي -وفقه الله- اقتناه بمدينة وجدة -حرسها الله- بالشراء الصحيح، ثم صار لابنه" وفي الزاوية اليسرى مكتوب مُنَكَّسًا: "تملَّكَه الطا سنة: ".
وعلى الصفحة نفسها ترجمة للمؤلِّف يحسن إيرادها، بيانًا لنباهة المتَمَلِّكِين الّذين يقْدُرون المؤلِّف ويحرصون على التعريف به أوَّل النُّسخة تنويها بإمامته، ونثبتها على ما قد شابها من تآكلّ في الأطراف جار على بعض الألفاظ، ولعلَّه من أثر عدم التحري عند التصوير، وفي النية بحول الله الرحلة إلى الربوع الأطلسية للوقوف على النُّسخة لجَبْر واستكمال الفوات، وهذا نصُّها:
"المؤلّف - ﵁ -: هو محمّد بن عبد الله بن محمّد بن أحمد المعافري من أهل إشبيلية، يُكنى [أبا بكر] ويعرف بابن العربيّ.
مولده سنة: خمس وستين وأربع مائة، وتأدب بإشبيلية، ورحل عند انقراض دولة بني عباد سنة: خمسة وثمانين وأربع مائة من نحو سبعة عشر [عاما] ولقي أشياخا أعلاما أخذ عنهم كأبي حامد الغزالي، وأبي بكر الشاشي، وأبي بكر [الطّرطوشي] ودخل بغداد مرتين، وأقام في الإسكندرية عند الطّرطوشي، وبها توفي أبوه ﵀. ثم [عاد إلى] الأندلس سنة: خمس وتسعين، فسكن بلده، وشُووِرَ فيه، وسمَّع ودرَّس الفقه و[الأصول- أو الأصلين] وجلس للوعظ والتّفسير، ورُحل إليه. وهو فصيحٌ حافظٌ ذاكرٌ، عظيم القَدْرِ، عالم
من تواليفه:
"أحكام القرآن" وهو من كتبه الحسان.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وهذا التأليف "المسالك" و
و"العارضة".
و"سراج المريدين": وهو كتابٌ جليلٌ مُفيدٌ في معناه، نحا فيه منحى التصوُّف.
و"الإنصاف في مسائل الخلاف".
و"تلخيص التلخيص".
وتُوُفِّيَ على مقربة من مدينة فاس، في شهر ربيع الأوُّل، وقيل: في الآخر من سنة: ثلاث
وقيل: مولده لثمان بقين من شعبان سنة: ثمان وستِّين وأربع مئة.
ويبدو أن مالك النُّسخة كان من العلماء، فلخّص هذه التّرجمة الَّتي تقتربُ في صياغتها وترتيب معلوماتها من صيغة ترجمة ابن الزُّبير في "صلته"، كما يتجلى ذلك من المقارنة بينهما من خلال ما احتفقالنا، البُنَّاهي مثلا في "قضاته": ١٠٦ (ط. بروفنسال) من نقول عن ابن الزبير.
بقيت الإشارة إلى أن المرحوم بكرم الله تعالى أستاذنا العلّامة محمّد المنوني؛ قد تناول هذه النُّسخة بالذِّكر الموجَزِ في مقالة له بعنوان: "مكتبة الزّاوية الحمزاوية صفحة من تاريخه"، نشره في مجلة "تطوان" صفحة: ١١٦، تحت رقم: ٢٤ (١) وهو بالنُّصّ:
_________________
(١) نشر هذا المقال فيما بعد ضمن كتابه: قبس من عطاء المخطوط المغربي: ١/ ٣٨٦.
[ ١ / ٢٧٣ ]
"كتاب "ترتيب المسالك في شرح مُوَطَّأ مالك"، لأبي بكر محمّد ابن عبد الله ابن العربيّ المعافري، الأندلسي، الإشبيلي، المتوفَّى سنة: ٥٤٦ هـ ١١٥١م. مجلّدان: الأوّل والرّابع الَّذي يبتدئ من كتاب "الشُفْعة"، وهما معا مكتوبان بخطِّ أندلسيِّ عام: ٥٧٩ هـ".
ولنا ملاحظات على ذلك:
الملاحظة الأولى: خُلُوُّ التّعريف من معالم التّعريف العلميّ، فلا تنصيص على عَدَد الصّفحات، ولا على بدايات كلّ مجلَّد على حِدَة، ولا على المعلومات الضرورية في مقاس الكتاب وعدد الأسطر وغير ذلك، مما يدل على أنَّه لم يحظ عنده بالتّأمُّل اللاّزم، ولا شكٌّ أنّ وراء ذلك ضيق الوقت، وعدم توفُّر العوامل المساعدة على التّحقيق والتّدقيق.
الملاحظةُ الثانية: تحديد وفاته سنة: ٥٤٦ هـ هو إثباتٌ للمرجوح وإعراضٌ عن الرّاجح المشهور.
الملاحظة الثالثة: أنّه سمَّى الكتاب: "ترتيب المسالك"، ولم يُعِر اهتماما لما جاء في أوُّل السِّفْر الأوَّل صفحة: ٣، ونهايته في صفحة: ٣٠١ من أنَّه كتاب "المسالك في شرح موطّأ مالك"، ولعلَّ الشّيخ كان متأثرًا بما وقَر في ذِهْنِه عند بعض مُتْرجِمِي أبي بكر بن العربيّ أنَّ له كتاب "ترتيب المسالك"، فتابع ما عندهم مقلِّدًا إياهم، وليس الأحوط والأوْلى، إذ إعمال ما جاء على هذه الذخيرة أولى من إهماله؛ إلَّا إذا كان يقصد من طرف خفيِّ إلقاء ظلال من الشَّكِّ على العنوان المثبت على النُّسخة، وتقديم بديل عنه، وهو ما عرضنا له بالمناقشة في أثناء تحقيق عنوان الكتاب (١).
_________________
(١) صفحة: ٢٠٥ - ٢٠٩ من هذا المجلّد.
[ ١ / ٢٧٤ ]
تتكون نسخة الزاوية الحمزاوية من سِفْرَيْن كما سبقَ الإيماء إلى ذلك، أوّلهما يبتدئ بالمقدِّمة إلى ما قبل جامع الصلاة. وقد أثبت النّاسخ في نهاية الجزء الفقرة التالية:
"كمل السِّفْر الأوَّل والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمّد الخاتم وعلى آله وسلم تسليما، وذلك من كتاب "المسالك في شرح مُوَطَّأ أبي عبد الله مالك" ﵁ وغفر له ورحمه، ويتلوه في الثاني: جامع الصلاة، مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن إبي قتادة الأنصاري؛ أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل إمامة بنت زينب بنت رسول الله ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها".
ومعنى ذلك: أن هذا الجزء قد تضمن من الكتب: وقوت الصلاة، والطهارة، والصلاة، والسهو، والجمعة، والصلاة في رمضان، وصلاة الليل وصلاة الجماعة، وقصر الصلاة في السِّفْر، وشارف كتاب العيدين.
أمّا السِّفر الرّابع فعذرنا في الإشارة إليه والتعامل معه، أنَّه كان لنا مضيئا لا يتصلّ بالنُّسخة على العموم، حيث استطعنا أن نصل إلى بعض الإفادات:
أوّلها: التّقسيم الرُّباعي المستفاد من نهاية النُّسخة.
ثانبا: أنَّ السِّفْرين معًا بخطِّ واحدٍ.
ثالثا: تأكيد أنَّ اسم الكتاب "المسالك" اعتمادًا على الصّفحة الأولى من السِّفْر الرّابع الَّتي جاء فيها: "الرّابع من المسالك لابن العربيّ ﵁".
[ ١ / ٢٧٥ ]
رابعا: تاريخ نسخ الكتاب المثبث على الصّفحة الأخيرة من السِّفْر الرّابع وهو: سنة: ٥٧٩ هـ.
خامسا: خصائص الخطّ، والّذي هو واحد في السِّفْرَيْن من كونه أندلسبا فيه الضَّبط بالقلم لبعض الكلمات المشكلة، وفيه علامات المقابلة والإهمال وغير ذلك.
وقد رمزنا للسِّفْر الأوّل من هذه النُّسخة بحرف: "غ"، وابتداء من السِّفْر الرابع والّذي بدايته كتاب الشُّفْعَة، رمزنا للنُّسخة بحرف: "م".