أبو بكر بن العربي من الأعلام الّذين ملئوا الدنيا وشغلوا الناس وتجاوزت شهرتهم الآفاق، بحيث تظلّ أيهّ محاولة للتّعريف به لا تخلو من مغامرة، على أنَّ أفضل ما يمكن أن يقوم مقام هذه المحاولة، أن ننظر نظرة نقديّة في مصادر ترجمته ومراجعها، فربما تغني الدّارس عن التَّكرار المملول الّذي يتكلّفه مقدِّمو طبعات كُتُبه، ويتداولون نفس المعلومات على ما يشوبها من إخلال وتقصير وسَذاجَة في التّناوُل، وتبسيط في أمور في حاجة إلى تعمُّق.
أوْلَى مُترجميه بالتقديم هو المترجم نفسه أبو بكر بن العربي، فقد كان حريصا غاية الحرص على أن لا يضيع المناسبات الّتي تسمح له ببسط الحديث عن جوانب من حياته وشخصيته، وشيوخه ومواقفه، وأحكامه وآرائه في أحداث عصره، وقضايا ذات طابع عَقَدِيّ أو فقهيّ أو تاريخيّ أو سياسيّ أو اجتماعيّ، وما شابه ذلك.
على أننا ناسف لضياع معجم شيوخه، بالقَدْر الّذي نأسف أيضًا على ضَياع ما كَتَبَه من رحلته، بنفس القَدْر الّذي نأسف على كلّ حرف خطَّه بقلمه؛ لأنَّ في الّذي ضاع ما يُسعفُ على جلاء الصورة، وتوضيح الرؤية،
[ ١ / ٥٣ ]
ورفع اللَّبس، وتفصيل المجمل، والكشف عن كثير من القضايا الّتي اكتنفها الغموض والإبهام.
ولا شكّ أنّه كانت لطبيعة حياته الّتي عرفت بعض القَلَق في بعض مراحلها دخلٌ في ما تعَرَّضَ له تراثه من ضَياعٍ أو إحراق وتدمير، على نحو ما حدَثنا هو نفسه عن هجوم الدّهماء عليه، وسلبه كتبه وذخائره ونفائسه.
ولا نُلقي باللّوم على أبي بكر بن العربي نفسه، إذ لا حيلةَ له في طبيعة المرحلة الّتي عاشها، من تقلّباث عرفت انهيار دول وقيام دول، وذهاب شخصيات وأفولها، وصعود نجم شخصيات أخر، ولم يكن ابن العربي محايدًا في كلّ ذلك، إذ ارتبط مصيره دائمًا بالّذي أفل نجمه، وقد كان يبحث لنفسه عن مكانة تضمن له الشّفوف والظّهورة فتعلّقه المحموم بالسلطة لم يكن مصادفة، وإنما كان عن وَعْيٍ وحسابات دقيقة، فقد آمن بأن المكانة والوظيفة لن تكون هبة، وإنما هي أمور تتعلق برضا الحاكم وثقته.
وتحفِلُ كتبه بالإشارات الدَّالة؛ إذ لا يكاد يخلو كتاب من كتبه، ولا رسالة من رسائله من إشارة تسهم في إضاءة جانب من جوانب حياته، من مثل أسماء شيوخه، ومروياته، ومؤلفاته، ورحلاته ومشاهداته، إلخ.
على أنَّ بعض كتبه تحوز قصب السَّبق في غناها بالإشارات، فمن ذلك:
أ- قانون التأويل: الّذي فصَّل فيه القول عن نشأته ودراسته وسيرته ورحلته .. الخ.
[ ١ / ٥٤ ]
٢ - سراج المريدين: الّذي أمَدَّنا فيه بجملة وافرة من المعلومات، فهو سخيّ العطاء فيه حول أحداث في حياته وذكرياته، وجوانب من حياته الروحية، إضافة إلى المعلومات العلمية المتعلّقة بشيوخه ومؤلَّفاته.
ولانتَكَثر بتشقيق القول حول ما تضمَّنه كلّ مصنف من مصنفاته؛ إذ لا نجازف إذا ما زعمنا أنّه لا يخلو كتاب من كُتبه من مادَّة تصلحُ للاستمداد منها في ترجمته، وأحكام القرآن، وعارضة الأحوذي، العواصم، والقبس، وسراج المريدين، والمسالك، خير شاهدٍ على ذلك، فلا نغرب إذا وضعنا تراث ابن العربيّ المفقود والموجود، المطبوع منه والمخطوط في مقدِّمة مصادر حياته.
تأتي بعدها مباشرة مصادر لطبقة من معاصريه، فيهم أصحابه الّذين ربطتهم به رابطة الدَّرْس والتّحصيل: كعياض، وابن بَشْكُوَال، أو من رَبَطَتْهُ به رابطة الزَّمالة كالفتح ابن خاقان.
على أنَّه لا يحسنُ أن نغفل ذِكره الذائع في المشوق، حيث لا ببعُدُ أن تتناوله بالترجمة بعض الكتب المشرقية في مصر والشام والعراق والحجاز، كتاريخ دمشق لابن عساكر، وذيل تاريخ بغداد لابن النجار.
ولعلَّ الأفيد أن نقدّم مُتَرجِمِيهِ على سياق التّاريخ، اعتبارا بتقدُّم وَفَيَاتهم، معتَذِرينَ عن خَرْق هذا السِّياق بخصوص اثنين من مُتَرجِمِيهِ وهما القاضي عياض وابن بشْكُوَال؛ نقدِّمهما لأنَّ ترجمتهما له العناصر ظَلَّ -يتودّدُ صَداهُ في كُتُب الّلاحقين إلى يوم الناس هذا، دون أن يغيب عنّا أنّ أصحاب أبي بكر ابنْ العربيّ الذين تحلَّقوا حوله ونهلوا من رحيق علومه من الكثرة بحيث لا يكاد يحيط بهم حَصْرٌ، حتىَّ غدا إجراء ذِكْرهم في مُعْجَمٍ من أغراض التأليف الّتي تصدّر لها كبار العلماء.
[ ١ / ٥٥ ]
وما من شَكّ أنّ منهم نُبهاء تعرَّضوا لترجمته والتعريف به والإشادة بذِكْرِه، وتسجيل ما أخذوه عنه في فهارسهم وأثباتهم وبرامجهم ومعاجمهم ومَشْيخاتهم، وسائر أنواع التآليف الّتي تُعْنَى بذِكْرِ فحول العلماء، مما يمكن أن تنتمي إلى العصر القريب من عصر أبي بكر.
ترجمة القاضي عياض بن موسى بن عياض اليَحْصُبيّ السَّبتي (ت. ٥٤٤ هـ) لأبي بكر ابن العربيّ وصلتنا في كتابه "الغنية" (١) عاشر شيوخه، تناولَ فيها تقديم شيخه في منشئه في إشبيلية وقرطبة، وسَفَرِهِ صُحبةَ أبيه بعد انقراض دولة بني عبّاد إلى المشرق، ومن لَقِيَ من شيوخ العصر في مصر والشام والعراق والحجاز، إلى مُنْصَرَفِه إلى الأندلس، وتولِّيه وظائف القضاء والشّورى والتدريس، إلى أن قضى، دون إغفالٍ لما نالَه من طعن يصوّر الجانب السّلبيّ من حياة شيخه، ولقد لقيه وكتب عنه، وسمع من لفظه حين اجتيازه مُنْصَرَفِه من المشرق بسبتة، ولعلّ ذلك سنة: ٤٩٥هـ، وفيها أجازه بجميع مروياته، وحدَّثه بكُتُبٍ في الرّجال من عيون ما جَلبَهُ من المشرق، ككتاب الدارقطني في "المؤتلف والمختلف"، وكتاب "الإكمال " للأمير ابن ماكولا، كما أتيحت له فرصة أخرى للّقاء بإشبيلية وقرطبة لا نعلم تاريخه، وإن كنّا نرجِّح أن هذا اللِّقاء كان متأخّرًا عن اللّقاء الأوّل الّذي تم في سبتة، والّذي نرجِّح فيه أنّه قرأ عليه فيه "مسألة الإيمان اللاّزمة" من تأليفه، وأجازه إجازة عامّة بمرويّاته ومؤلَّفاته.
_________________
(١) صفحة ١٣٣ وما بعدها (ط. باعتناء: محمّد بن عبد الكريم الزموري).
[ ١ / ٥٦ ]
وينبغي أن لا يعزبُ عن بالنا أنّ أبا بكر ابن العربيّ من أعيان المالكيّة؛ فهو بذلك على شرط القاضي عياض، يدخل حَتْمًا ضِمْنَ نطاق كتابه "ترتيب المدارك" ولكن من العجب ألَّا يتضمّن مطبوع الكتاب هذه التّرجمة، وهو شيء يُلْقِي بظلالٍ داكنةٍ من الشَّكِّ والحيرة واللَّبس حول سلامة نصِّ "ترتيب المدارك" ولن يجلو سواد هذه السُّحُب إلّا استقراءُ كتب التقدِّمين الّذين تصدَّوا لاختصار المدارك أو الاستمداد منه، أمَلًا في أن نجده مع أهل طبقته عندهم، إمّا في نطاق الاختصار، أو في نطاق الاستدراك، وحتى يقدّر الله الإسعاف بذلك (١)، نُعوّلُ على ما جاء في مخطوطة برنستون (مجموعة يهودا رقم ٤١٢٦/ ٨٥٤٠ اللوحة ٢٨، وهي "اختصار ترتبب المدارك" لأبي عبد الله بن حَمَادُه الصّنهاجيّ السَّبْتِيّ تلميذ القاضي عياض (٢)، بترتيب عبد الله بن سهل القضاعي، وبالقارنة بين هذه التّرجمة وبين ترجمة "الغنية"، يلاحظ التّشابه القريب من التّطابق، مِمّا يُوحِي بأنّ ابن حَمَادُه إن لم يكن قد نقل من نسخة من "الترتيب" فإنّه يحتمل أن يكون قد رجع إلى "الغنية" مع إضافات جعَلَتْنا
_________________
(١) انظر المقدمة الماتعة للأستاذ قاسم علي سعد لكتابه "جمهرة تراجم الفقهاء المالكيّة" فقد تكلّم -باستفاضة يُحمَد عليها- عن كتاب "ترتيب المدارك" طبعاته ومختصراته ومنتقياته وترتيباته [ط. دار البحوث للدراسات الإِسلامية بدبي. سنة: ١٤٢٣ هـ].
(٢) وقف الأخ الأستاذ قاسم سعد على مختصر ابن حمالُه المسمَّى (بغية الطالب ودليل الراغب " والمحفوظ بالمكتبة الأزهرية، تحت رقم: (٢٠٨ تاريخ خ/ ٦٠٩٧ عام) وذكر الأستاذ قاسم أن ابن حمادُه تفرَّد بنقل الطبقة الحادية عشرة عن القاضي عياض، وهي في أهل المغرب الأقصى والأندلس، واشتملت على ثلاثين ترجمة.
[ ١ / ٥٧ ]
نتردَّدُ في الجزم بالتّطابق، ونعبِّرُ بالقُرْب من التّطابُق. على أن في الأمر سَعَة للبحث والتّدقيق والتّمحيص.
التّرجمة الثانية لأبي القاسم خَلَف بن عبد الملك بن بَشْكُوَال (ت. ٥٧٨ هـ)، وهذه التّرجمة فيها من العناصر ما يتكامل مع ترجمة القاضي عياض، ولا نبعد في الادِّعاء إذا جنحنا إلى القول بأن ابن بَشْكُوال اتَّكَأَ على عياض، لا لأنّه تأخّرت وفاته عنه، ولا لأنّه اطلع على ترجمة أبي بكر عند عياض، ولكن لِمَا نعلَمُه من الصِّلات العلميّة بينهما، وكانا على تعاوُنٍ تامّ في ميدان التراجم، وقد أكثر ابن بَشْكُوال من النقل في صلته (١) عن عياض مصرِّحًا بذلك بعبارات منها: "أفادَنِيهِ عياض مِمَّا كتبَ به إِلَيَّ، تولَّى الله كرامته"، ويغلبُ ذلك في الغُرَباء.
على أنّ ترجمة ابن بَشْكُوال فيها مكان لقائه بأبي بكر، مؤرَّخًا بضحوة يوم الاثنين لليلتين خَلَتَا من جمادى الآخرة من سنة: ٥١٦هـ وُيستشفُّ من هذه الترجمة التقدير البالغ الّذي يصلُ إلى حدّ التّهويل، مثل قوله: "وقدم بلده إشبيلية بعِلْمٍ كثيرٍ لم يُدخِله أحدٌ قبلَه مِمّن كانت له رحلة إلى المشرق"، وهو تهويل لا يمكن أن يخفِّف من غلوائه إلّا أن يُحملَ على أنّ إشبيليّة لم تنل حظّها من عطاء الرّاحلين إلى المشرق على توالي طبقاتهم؛ لأنّها لم تكن سوق العلم نافقة فيها نفاقها في جارتها قرطبة، يصوّر ذلك زعم من ذهب إلى أنّ العالِم إذا مات بإشبيلية تُحمل كتبه إلى قرطبة؛ لكساد سوق العِلْم بإشبيليّة ونفاقها بقرطبة.
_________________
(١) ١/ ١٨٥، التّرجمة (١٨٤) لأحمد بن عبد الله بن موسى الكتامي.
[ ١ / ٥٨ ]
وقد صرَّح ابن بَشْكُوال أنّه سمع بقرطبة وإشبيلية كثيرًا من روايات شيخه وتآليفه، وهو أوّل مَنْ سجَّل تاريخ مولد أبي بكر بن العربي؛ لأنّه سأله عنه، كذلك نرجِّح لأنه ظَلَّ المورد الّذي نهل منه جُلّ من تكلم عن تاريخ مولد ابن العربيّ. وانحياز ابن بَشْكُوَال إلى شيخه ظاهرٌ جَلِيٌّ؛ فإنّه ضرَبَ صَفْحًا ووَرُّى علينا خبر المطاعن الّتي وُجِّهَت إلى شيخه، وأشار إليها قبلَه عياض في "الغُنية" وتداولتها الرُّواة، وتُحُدِّث بها في المجالس، وتمحَّض ابن بَشْكُوال لتسجيل الثّناء العَطر الّذي تصوّره هذه التّحلية: "الإمام، العالم، الحافظ ختام علماء الأندلس، وآخر أيمتها وحفّاظها".
وتصوّره هذه الأحكام الّتي ننقُلها عنه في هذه الفقرة (١) على أنه كان ينظر إلى ابن العربيّ بعين واحدة كليلة هي عين الرضا:
"وكان من أهل التفنُّن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها. متقدمًا في المعارف كلّها، متكلّما في أنواعها، نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها. ويجمع إلى ذلك كلّه آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة ولين الكنف، وكثرة الاحتمال. وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الوعد. واستُقْضِي ببلده فنفع الله به أهلَه لصرامته وشدَّتِه ونفوذ أحكامه. وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، ثم صُرِفَ عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثِّه" (٢).
_________________
(١) ٢/ ٥٩١ من الصلة.
(٢) ٢/ ٥٩١، من الصلة
[ ١ / ٥٩ ]
وهي فقرة تغضُّ الطَّرف عن الجوانب السلبية في شخصية الرجل، وتركِّز على مناقبه، وتختزل الحقيقة في شطر واحدٍ، كان ابن بَشْكُوال - ﵀ - لم يضع في اعتباره أن الأجيال ستقرأ كلامه وتوازن بينه وبين معاصره وشريكه في التّلمذَة على المترجم عياض حين سجل في "غُنْيَتِه" (١): "ولكثرة حديثه وأخباره وغرائب حكاياته ورواياته كثر الناس فيه الكلام".
بعد هذين المترحمَيْن نرجع إلى مترجِمِ تقدمت وفاتُه وفاة عياض وابن بَشكُوال. وهو الوزير الكاتب أبو نصر الفتح بن محمّد بن خاقان الإشبيلي (ت. ٥٢٩ هـ) في كتابه: "مَطْمَحُ الأنْفُس ومَسْرَحُ التَّأَنُّس في مُلَحِ أهل الأندلس" (٢)، وهو مُترجِمٌ تقدَّمت وفاتُه وفاةَ المُتَرجَم، وابن خاقان بلديُّ المُتَرْجَم، أديبٌ كاتب، طغت عليه صَنْعَةُ التَّرَسُّل والكتابة (٣)، إن لم نقل جارت على التّرجمة، وأشاعت فيها روح المجاملة المتكلّفة، ولعله قصد بها مصانعته والتودُّد إليه، استدرارًا لجاهه. فهذه التّرجمة وان خَلَت من العناصر الّتي تُكسِبُها دفئا وحرارة، فإن إيرادها لقصيدة ابن العربيّ الرائية الّتي يتشوق فيها إلى بغداد ومصر والشام مما يُذكر لها:
سقى الله مصرا والعراق وأهلها وبغداد والشامين مُنْهمِلَ القَطْرِ
_________________
(١) صفحة ١٣٥ (ط. محمّد بن عبد الكريم).
(٢) صفحة: ٢٩٧ - ٣٠٠.
(٣) من سمات هذه الطربقة الكتابية المبالغة الشديدة في انتقاء ماله رنين في السمع من ألفاظ اللغة، للمجانسة والمشاكلة والأمعان في زخرفة الكلام وإشاعة ألوان البديع فيه.
[ ١ / ٦٠ ]
وهذه التّرجمة وإن لم يتردّد صَداها عند المؤرخين والمحدِّثين، إلا أن أبا العباس المقَّريّ احتضنها واقتطف منها في "أزهاره " (١) و"نفحه" (٢) إعجابًا بأسجاعها المتكلّفة الباردة.
وقد استمرَّ ذِكْرُ أبي بكر ابن العربيّ عند طبقة تلاميذ أصحابه الّذين سجّلت ذواكرهم ما حدَّث به أشياخهم عن شيخهم الإمام ابن العربيّ، ويأتي في مقدِّمة هؤلاء أبو العباس أحمد بن يحيى بن عَمِيرَة الضَّبِّي (٥٩٩هـ)، الّذي دوَّن في كتابه "بُغية الملْتَمِس في تاريخ رجال أهل الأندلس" (٣) الّذي نلاحظ أنّه أورد أشعارًا وأخبارًا لابن العربيّ نقلت مسندة من طريق أصحاب أبي بكر بن العربي، كالقاضي أبي القاسم عبد الرحمن ابن محمّد وأبي الحسن يحيى بن نجبة، كما ذكَر من طريق هؤلاء التلاميذ أنهم حدّثوه بكتاب "القبس"، قال: "القبس في شرح مُوَطَّأ مالك بن أنس"، أملاه [ابن العربيّ]، بلفظه بقُرطبة في عدَّة مجالس، حدّثني به جماعة من أشياخي شاهدوا إملاءه إياه" ومن أسَفٍ فإنّه لم يعيِّن في هذا المقام أسماء شيوخه الّذين حدّثوه بالكتاب.
وحاول الضّبي أن يقدِّم سردًا بعناوين مؤلفات القاضي، ذكَرَ منها: "أحكام القرآن" و"كتاب التَّلخيص" و"مُلْجِئَة المتفقِّهين" و"القَبَس" وختمها بقوله: "وعِدَّةُ تواليفه نحو الأربعين". ولا نعلم من سَبَقَه إلى مثل هذا التحديد،
_________________
(١) ٣/ ٩٢.
(٢) ٢/ ٣٣.
(٣) صفحة: ٨٢ (ط. أوربا). وصفحة: ٩٢ - ٩٣، التّرجمة (١٧٩) [ط. دار الكتاب العربي].
[ ١ / ٦١ ]
ولا أجرى ذكرًا لمؤلفاته، إلَّا أن تصحّ نسبة الترجمة الّتي عند ابن حمادُه للقاضي عياض في المدارك؛ لأنّ عياضًا لم يزد على ذِكْرِ "مسألة الإيمان اللازمة"، والباب مفتوح للمقارنة بين لائحة "مختصر ترتيب المدارك" و"بغية الملتمس"، وعلى كلّ حال، لو افترضنا جدلا أنها لا تصحّ نسبتها لعياض، فلنُسلِّم بنسبتها لابن حمادُه السَّبتيّ الّذي نجهلُ تاريخ وفاته، ولكنّنا على يقين بأنّه معاصرٌ لابن عَمِيرَة إن لم يكن أسنّ منه، فقد تتلمذَ على عياض المتوفّى سنة: ٥٤٤هـ، ولا ندري متى ذلك، ولا كم كان عمره حين أخذ عن عياض، ولكن يغلبُ على الظّنِّ أن وفاته لن تتأخّر حتّى عَشر التّسعين.
والمقام يقتضي الإشارة إلى صَنِيع هذا المؤرِّخ السَّبتي الّذي تتلمذ على عياض، فهو من أهل هذه الطبقة، أي طبقة تلاميذ أصحاب أبي بكر بن العربي، فهو أبو عبد الله محمّد بن حمادُه السبتي الصنهاجي الّذي اختصر "ترتيب المدارك" وقد وقفنا على ترتيب أبي محمّد عبد الله بن سهل القضاعي لهذا "المختصر" الّذي يتضمن ترجمة لأبي بكر ابن العربيّ في مخطوطة برنستون السابق ذكرها.
والجديد في هذه التّرجمة هو التنصيص على أسماء مؤلّفات القاضي ابن العربيّ، ويحسن إيرادها بنصِّها، قال: "وصنَّفَ في غير فَنٍّ تصانيف مليحة كثيرة، حَسَنة، مفيدة، منها:
"أحكام القرآن" كتاب حسن.
و"المسالك في شرح مُوَطَّأ الإمام مالك".
و"عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي".
[ ١ / ٦٢ ]
و"القواصم والعواصم".
و"المحصول في أصول الفقه".
و"سراج المريدين".
و"سراج المهتدين".
و"كتاب المتوسِّط".
و"كتاب المشْكِلَيْن".
وله: "تأليف في حديث أم زرع".
و"كتاب الناسخ والمنسوخ".
وقال في "القبس": إنه ألف "أنوار الفجر في تفسير القرآن" في عشرين سنة، ثمانيها ألف ورقة، وتفرَّقت بين أيدي النّاس.
و"تلخيص التلخيص".
وكتاب "القانون في تفسير الكتاب العزيز".
وله غير ذلك من التآليف ﵁ ".
ويبدو من عرض هذه التّرجمة -على ما بين أيدينا من تراجم- ما يلي:
١ - أنّ جزءًا منها تبدو آثار عياض فيه واضحة، وذلك مثل: "طعن النّاس في ابن العربيّ لكثرة رواياته وأخباره وغرائبه"، مما يدعو إلى الجزم بأنّ هذا كلام عياض الّذي لم يسبقه فيه أحد.
[ ١ / ٦٣ ]
٢ - تأثّره الواضح بابن بَشْكُوال، مثل: إيراده عبارات الإطراء باللّفظ كما وردت في "الصِّلَة".
٣ - خروجُه عنهما عندما أورد قائمة بمؤلّفات أبي بكر بن العربي، لم تَرِد عند أيّ واحد منهما، وقد تضمّنت زيادات عل! ما عند ابن عميرة الضبّي، مما يفسح المجال لاحتمال أن تكون قائمة ابن حمادُه من أوائل القوائم الّتي عُنِيَت بسَرْدِ مؤلَّفات الإمام القاضي قبل قائمة ابن عميرة طبعًا.
وممن ينتمي إلى هذه الطبقة أبو يحيى اليسع بن عيسى بن اليسع (ت. ٥٧٥ هـ) (١)، الّذي يغلبُ على الظّنِّ لأنه ذكَرَ ابن العربيّ في كتابه: "المغرب في آداب المغرب"، الّذي ألّفه للملك صلاح الدِّين الأيوبي، والمؤلِّف فقيه مُشَاوَرٌ مقرىء، حافظ نسَّابةٌ، اتُّهِمَ في تأليفه لهذا الكتاب الّذي قال عنه ابن سعيد (٢): "وكأنّه أراد معارضة "كتاب القلائد" فنهق إثر صاهل، فلم يأت في جميع ما أورد بطائل"، والكتاب سواء أتى فيه أولم يأت بطائل، فإنّه ضاع بمحاسنه ومساوئه، وبقيت منه نقول، يهمّنا منها ما أورده الذَّهبيّ في "التَّذكِرة" (٣) و"السِّيَر" (٤) بخصوص أبي بكر ابن العربّي معلقًا عليه بقوله (٥): "وقد ذكَرَهُ الأديب أبو يحيى وبالغ في تعظيمه وتقريظه، وقال: ولي القضاء
_________________
(١) ترجمته عند ابن الأبار في المغرب لابن سعيد: ٢/ ٨٨، والشذرات: ٤/ ٢٥٠.
(٢) في المغرب: ٢/ ٨٨.
(٣) صفحة: ١٢٩٦.
(٤) ٢٠/ ٢٠١.
(٥) النقل من تذكرة الحفاظ.
[ ١ / ٦٤ ]
فمحن، وجرى في أعراض الإمارة فلحن. وأصبح تتحرك بآثاره الألسنة: ويأتي كما أجراه عليه القَدَر اليوم والسَّنَة، وما أراد إلّا خيرا. نصب الشيطان [وفي سير النُّبَلاء: السلطان] عليه شباكه، وسكن الإدبار حَرَكَه، فأبداه للناس على صورة تُذَمُّ، وسوأة تبلى [في سير النُّبَلاء: سورة تتلى] لكونه تعلَّق بأذيال الملك، ولم يجر مجرى العلماء في مجاهرة السّلاطين وحزبهم، [وفي سير النُّبَلاء وخربهم] بل داهن، ثم انتقل إلى قرطبة معظَّمًا مُكرّمًا، حتّى حول إلى العُدْوة فقضى نحبه".
ولانستطيع حمل ما في النّصِّ على التّعظيم والتقريظ، إلّا أن يكون شمس الدِّين الذّهبي قد قرأ التّرجمة كاملة، فاستفاد من جزئها الأوّل ما يفيد التعظيم والتقريظ، وتجازوه، ونقل هذا الجزء الملئ بالإشارات والتلميحات الموحية، والّتي تُصَوِّر لنا أبا بكر ابن العربّي يجري لاهثا وراء الظُّهور والسُّلطة، فتتناوله الألسنة: باللَّوم، وينصب عليه السلطان أو الشيطان شباكه -والنّاس ضِعافٌ أمام السُّلطان والشّيطان، كما يملكان من التّرغيب والتّرهيب، وما يستندان عليه من هوى وضعف- فتكون نتيجة ذلك خسرانا مُبينا، إذ يصبح أبو بكر صورة تُذَمُّ؛ لأنّه داهَنَ في الحقِّ، في الوقت الّذي كان يتحتَّمُ عليه المجاهرة بالحقِّ، فتُسرع إليه السُّلطة تُنقذه بإبعاده إلى العدوة سترًا عليه، فيتولاّه الله الّذي يعلم السِّرَّ وأخفَى.
والَّذي يؤكِّد ما ذهبنا إليه من أنّ المقام مقام تجريح، أنّ الذّهبي يسوقُ بعد ذلك من "معجم ابن مَسْدِيّ" قصّة حديث المغفر الّتِى اتُّهِمَ فيها ابن العربيّ، حتىّ قال الشّاعر:
[ ١ / ٦٥ ]
فخذوا عن العربيِّ أسمارَ الدُّجَى وخذوا الرِّواية عن إمام مُتَّق
ويتدخّل الذّهبيّ عقب النّقلين -نقل اليسع بن حزم ونقل ابن مَسْدِيّ- بأنهما غير كافيين في التجريح قائلا (١): "ولم أنقم على القاضي -﵀ - إلّا إقذاعه في ذمَّ ابن حزم واستجهَاله له، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم، وأحفظ بكثير، وقد أصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأيمّة والإنصاف عزيز".
ونحن على يقين بأن الّذين ذكرناهم من أصحابه وتلاميذ أصحابه هم بعض من ترجموه، والغالب على الظّنّ أن تكون هناك تراجم طواها النسيان ولفّها الإهمال، نرجو أن يتاح لها النشر بعد الطَّيِّ واللَّف، وأن تبعث من مرقدها.
وفي الوقت الّذي كان ذكره يملأ سماء العُدْوَتَيْنِ، كان صدى ذكره يتردّد في محافل الدَّرس المشرقيّة، وتستعيد ذكراه كتب التّواريخ، فيعقد له مؤرخ دمشق الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن بن عساكر (٢) (ت. ٥٧١ هـ)، ترجمة مبكّرة، يسجِّل فيها دخوله دمشق، وسماعه من شيوخها: أبي الفتح المقدسيّ، وأبي البركات بن طاووس، وأبي الفضل بن الفُرات، وأبي محمّد عبد الله بن عبد الرزاق، وأبي القاسم نسيب، وأبا محمّد بن الأكفاني، وغيرهم. ويرصد خروجه من دمشق سنة: ٤٩١ هـ أثناء وجوعه إلى بلده، وكأنه يشير إلى أن
_________________
(١) في سير أعلام النُّبَلاء: ٢٠/ ٢٠٢.
(٢) في تاريخ دمشق، صورة من نسخة المكتبة الظاهرية، الجزء ١٥، صفحة: ٥٥٤.
[ ١ / ٦٦ ]
دمشق لم يدخلها إلا أثناء قُفُوله، ويذكر أسماء من سمع عليه: ابني أحمد بن صابر عبد الله وعبد الرحمن، وأحمد بن سلمة بن يحيى الأبار، ولم يزد على هؤلاء الثلاثة، وكأنه يذكرهم للتمثيل لا للحصر، أو يمثِّل بالأعيان. ويسجِّل أنّه لما عاد إلى بلده صنَّفَ شرحًا على سُنن التّرمذيّ سماه: "عارضة الأحوذي في شرح كتاب الترمذي"، ونشير هنا إلى أنّ سُمْعَة أبي بكر ابن العربيّ ومساهمته في التّصنيف التقطَها ابن عساكر ليحلِّي بها جيد تاريخه، ويهمّنا أنّ "كتاب عارضة الأحوذي" كان مُسَجَّلاَ في كتابِ تاريخٍ يُعتبرُ من دواوين تاريخ الإسلام المشهود لها ولصاحبها بالإمامة.
وإذا كانت التراجم المغربية قد تنوعت في هذا القرن، وكان منها مثل تأليف الفتح بن خاقان، فإن من عجائب الاتّفاق أن تعقد له ترجمة مشرقية في كتاب قريب من نهج "القلائد" و"المطمح" هو كتاب: "خَريدَة القَصْر وجَريدَة العَصر" (١) للكاتب العماد محمّد بن محمّد الأصفهاني الكاتب [ت. ٥٩٧هـ]، أذ ترد لأبي بكر ابن العربيّ ترجمة قصيرة خَطَّطَه فيها بقاضي الجماعة بإشبيلية، وأضاف: "ورد العراق وطاف الآفاق، وقرأ على أبي حامد الغزالي، وتحلَّى من فضله البهيّ بأبهج الحلي، وعاد إلى بلاد الأندلس في سنة: سبع وخمس مئة، وألَّف على نمَطِ الغزالي كُتُبًا، وفرَّع بها رُتَبًا" ثمّ أورد له بواكير شِعْرِه قطعة رائية في ثلاثة أبيات.
_________________
(١) القسم:٤ الجزء ٢ صفحة:٢٢٠.
[ ١ / ٦٧ ]
ويهلّ القرن السابع؛ فهذا نحن أمام ظاهرة شُحّ في ترجمة ابن العربيّ، إذ لا يكاد يبلغ عدد مترجميه أصابع اليد الواحدة، في مقدّمتهم المحدِّث المؤرِّخ أبو الحسن عليّ بن المفضل المقدسي المتوفى سنة: ٦١١هـ، في كتابه: "وفيات النقَلَة" الّذي وصل به كتاب الحافظ أبي سليمان بن زَبْر، وذيل أبي محمّد الكتّاني، وأبي محمّد بن الأكفاني، وقد أرَّخ به وَفَيَات العلماء حتّى سنة: ٥٨١هـ، تكميلًا لابن الأكفاني الّذي وقف في سنة:٤٨٥هـ والكتاب مفقود، ولكنّنا نعلمُ بوساطة الذّهبي في "السِّيَر" (١) و"التَّذكرة" أنّ الحافظ أبا الحسن بن المفضّل المقدسيّ أرَّخَه سنة:٥٤٣ هـ.
ثم يأتي بعده مؤرِّخ بغداد أبو عبد الله محمّد بن النجار [ت. ٦٤٣ هـ] الّذي ذيَّل على الخطيب في تاريخه الموسوم: "التاريخ المجدِّد لمدينة السلام وأخبار فضلائها الأعلام ومن ورَدَها من علماء الأنام"، الّذي ربما يكون في خمسة عشر مجلدا، لم يظهر منها إلى الآن إلّا الجزء العاشر الموجود بظاهرية دمشق، والحادي عشر بالمكتبة الوطنية بباريس، والمجلّدان معًا فيهما بعض تراجم العين والفاء، فتكون تراجم المحمّدين في حُكم المفقود الآن، إلَّا أن الحافظ الذّهبيّ احتفظ لنا بنُتفَةٍ من ترجمة ابن النجار في "سِيَرِه" (٢) و"تَذْكِرَتِه" (٣) ونصّها: "حدَّث ببغداد ببسير، وصنَّف في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتواريخ، واتّسع حالُه، وكثُر
_________________
(١) ٢٠/ ٢٠٣.
(٢) ٢٠/ ٢٠١.
(٣) صفحة: ١٢٩٦.
[ ١ / ٦٨ ]
إفضالُه، ومدحته الشّعراء، وعلى بلده سور أنشأه من ماله".
ورغم وجازة هذه الفقرة؛ فإنّها لا تخلو من إشارات عميقة الدّلالة:
أولاها: تحديثُه ببغداد بيسير، أي أنّ الكتب الّتي حدَّث بها قليلة، والّذي يَعنينا لا القِلّة والكثرة، ولكن أنه باشر التّحديث، وتحلَّق حوله طلبة العلم يستفيدون من روايته، وربما أعجله الرّحيل من أن يُطيل المكث ببغدادة فحال بينه وبين التّوسع في الرّواية.
الثانية: أنّه سجّل اسمه في كتاب من أمهات كئب التاريخ والطبقات، مصنّفا في فنون من العلم: الحديث، والفقه، والأصول، وعلوم القرآن، والأدب، والنحو، والتواريخ.
الثالثة: أنّ ابن النّجار يسوقُ ترجمة ابن العربيّ تسجيلًا لمفاخر المدرسة البغدادية الّتي تخرَّجُ النابهين الّذين يتقلَّدون الناصب العَليَّة، ويتولون سلطة القرار في بلدانهم عندما يعودون، مُزوَّدِين بما اكتسبوه من معارف وقطفوه من ثمار مجالس الدّرس على يد شيوخ بغداد، وذلك ما عناه بقوله: "واتّسعَ حالُه، وكَثُرَ إفضاله، ومدَحَته الشّعراء"، وهل أدلّ على النجاح من اتِّساع الحال، وهل أبلغ في المكانة الرفيعة من تَمَدُّحِ الشّعراء.
الرابعة: أن يتفطّن أبو عبد الله بن النّجار إلى قصّة سور إشبيلية، ويسوقها في مناقب أبي بكر ابن العربيّ وأفضاله، عبَّرَ عن ذلك بقوله: "وعلى بلده سور أنشأه من ماله"، وقد تداولت كُتُب التّاريخ قصّة إصلاح أسوار إشبيلية وترميمها مقرونة بما يُشْبه تعسُّف أبي بكر ابن العربيّ الّذي فرض على النّاس،
[ ١ / ٦٩ ]
وألزمَهُم أن يقدَّموا جلودَ أضحياتهم، ليستخدم ثمنها في تكاليف إعادة السُّور المنهار، وهو الإجراء الذي أثار حفيظة الإشبيليين، فنقموا على قاضيهم أبي بكر بن العربي، وثاروا عليه ونهبوا داره.
وواضح أن هناك فرقا بَيِّنا بين من ينظر إلى قصّة السّور على أنّها دليل على مداهنة ولاة الأمر الّذين يتحكّمون في خزائن الأمّة، وتحت مسؤوليتهم يقع الإنفاق على المصالح العامّة، من بناء الأسوار وغيرها من المرافق، ولا يجوز تغريم الأمّة وإحلالهم محلّ الولاة وتكلّيفهم بما لا يطاق، وبين من ينظر إلى أن استنفار النّاس وحشد طاقاتهم وتعبئتهم لما فيه المصلحة العامة تصرُّفٌ رشيد.
ومهما يكن من أمر، فإن خبر بناء سور إشبيلية قد تناهى إلى مؤرِّخ بغداد، فسجّله عنوان مَبَرَّة ومَنْقَبَةٍ من مناقب أبي بكر بن العربي، في الوقت الّذي يمكن أن يكون بناء السّور قد قام به ابن العربيّ بعد ثورة العامّة عليه ونهب داره واستباحتها، محاولة منه لاسترضائها، والتّكفير عمّا بدر منه من شدّة وصرامة، خدمة لولاة الأمر الّذين كانوا يحاولون أن يخفِّفوا على بيوت المال، ويثقلوا كواهل الجماهير، مستندين إلى فرض أنواع من الضّرائب أفتى بها بعض القُضاة والمتفقِّهَة.
وهناك مؤرِّخ آخر من القرن السّابع، هو أبو محمّد حسن بن عليّ، المعروف بابن القطّان، الكتاميّ المراكُشيّ [المتوفَّى في منتصف القرن السّابع الهجري]- وهو ابن المحدِّث المشهور أبي الحسن بن القَطَّان صاحب كتاب:
[ ١ / ٧٠ ]
"بيان الوَهْم والإيهام"- الّذي عرض لذِكْرِ ابن العربيّ في مواطن من كتابه: "نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان"، إذ نجد في باب ذكر أنباء سنة: ٥٢٨ هـ ـ، فقرة تُلقِي مزيدًا من الضّوء على واقعة بناء سور إشبيلية، يقول ابن القطان (١): "وولَّى [الأمير عليّ بن يوسف] على قضاء إشبيلية أبا بكر بن العربي (٢)، وشرع في بناء سور إشبيلية من جهة الوادي، بأمر من عليّ بن يوسف".
ومن مترجمي أبي بكر ابن العربيّ في القرن السابع أيضًا، مؤرِّخ من أيمة
الأدب المؤرِّخين، هو عليّ بن موسى بن سعيد الغرناطي المغربي
[ت. ٦٨٥ هـ] عقد ترجمتن قصيرتين في كتابيه: "الْمُغْرِب في حُلَى
الْمَغْرِب" (٣) "ورايات المبّرزين وغايات المميّزين" (٤) اعتمد في الأولى على أبي
عبد الله محمّد بن إبراهيم الْحِجَارِيّ في كتابه: "المسهب في غرائب المغرب"
فنقل منه قوله: "لو لم ينسب إلى إشبيلية إلَّا هذا الإمام الجليل لكان لها به من
الفخر ما يرجع عنه الطرف وهو كلّيل"، وعلى أبي عمر بن الإمام في كتابه:
"سِمْطُ الْجُمَان وسِقْطُ اللآلئ وسِفْطُ الْمَرْجَان" ونقل عنه قوله: "بحر العلوم،
_________________
(١) في نظم الجمان: ٢٣٤. (ط. دار الغرب الإِسلامي).
(٢) انظر خبر تولية ابن العربىّ قضاء إشبيلية، مُؤِّرخا بيوم الخميس منسلخ جمادى الآخرة سنة: ٥٢٨ هـ، في البيان المغرب: ٤/ ٩٢.
(٣) ١/ ٢٥٤.
(٤) صفحة: ٤٤. (المجلس الأعلى للشؤون الإِسلامية بالقاهرة).
[ ١ / ٧١ ]
وإمام كلّ محفوظ ومعلوم، وله أشعار تشوّق فيها إلى بغداد وإلى الحجاز"، وساق مقاطع من شعره. واعتمد في الثانية على أبي الوليد الشَّقُندي صاحب الرِّسالة المشهورة في فضل الأندلس، والمتوفَّى سنة: و٦٢٩هـ، في كتابه: "طُرَف الطرفاء"، وعلى أبي عمرو بن الإمام في "السَّمْط".
وقيمة الترجمتين أنهما احتفظتا لنا بما يتردّد عن أبي بكر ابن العربيّ عند الأدباء مخضرمي القرنين السادس والسابع: أبي عبد الله الحجاري في "مسهبه"،، وابن الإمام في "سِمْطِه"، وأبي الوليد الشقندي في "طُرَفِه".
ومن مؤرِّخي القرن السّابع شمس الدِّين أحمد بن محمد بن خلِّكان [ت. ٦٨٤ هـ] صاحب الكتاب ذائع الصيت: "وَفَيَات الأعيان" وقد عقد لابن العربيّ ترجمة (١) كان له فضل النّقل الحرفيّ من "صِلَةِ" ابن بَشْكُوال، وأضاف إليها من عنده: "انتهى كلام ابن بَشْكُوال" وذكَرَ فيها كتاب "عارضة الأحوذي" شارحًا لفظتَي "العارضة" و"الأحوذي "، ضابطًا الأخيرة منها ضبطًا بالحروف، وقد تناقل المتأخِّرون تفسير اللَّفظتين معزوا إليه. كما تعرَّضَ في صُلب التّرجمة إلى التّعريف بوالد أبي بكر، على أن هناك شيئًا يستحقُّ التّعجُّب، وهو التّشويش على تاريخ مولد أبي بكر ابن العربيّ الّذي حدَّدَه بنفسه ونقله عنه ابن بَشْكُوال بتاريخ آخر، ليفسح المجال للقول بأنّ في تاريخ مولده قولين، في قضية لا تحتمل مثل هذا الاختلاف عقلًا وواقعًا، بعد تأكيد المعنيِّ بالأمر تاريخ مولده الّذي لا شكّ أن أبا بكر ابن العربيّ نقله عن أبيه أو
_________________
(١) ٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ١ / ٧٢ ]
أحد أفراد أسرته، وقد عاش في وسط متيقظ واعٍ يحتلُّ مكانةً مرموقة في الميدانَين العلميّ والسياسيّ.
فإن كانت هناك فضيلة تُرْتجَى من مثل هذه التّرجمة، فهي أنّها أذاعت ترجمة أبي بكر في العصور المتأخِّرة، لذُيوع كتاب: "وَفَيَات الأعيان".
واستمرّ ذِكْرُ ابن العربيّ موصولًا، تتواتر أخبارُه وتراجِمُه، ويحرصُ مؤلِّفو الطّبقات والتّواريخ على بيان منزلته قاضيًا وفقيهّا ومصنِّفًا من أعيان رجالات الإسلام، من ذلك ترجمة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم، المعروف بابن الزّبير الغرناطي [ت. ٧٠٨ هـ] الّذي عقد لابن العربيّ ترجمة في صِلَتِه للصِّلَة البَشْكُوالية، وهذه التّرجمة وإن لم تصلنا في القسم الّذي سلم من عوادي الزّمن، فإنّ أبا العباس المقَّريّ قد احتفظ لنا بمعالم من ترجمة ابن الزّبير في "أزهاره" و"نفحه" وليس في هذه التّرجمة ما يتجاوز بكثير ما عند القاضي عياض، وأبي القاسم بن بَشْكُوال؛ بل إنّه زاوَجَ بين التّرجمتين، واستخلص زبدتهما، فإنْ يكن هناك جديدٌ عند ابن الزُّبير يعتدُّ به فليُلْتَمس ذلك في مجمَلِ تراجم أصحاب أبي بكر وتلاميذه الّتي تناثرت هنا وهناك.
ومن ذلك أيضًا تردُّد ذِكْرِه عند أحمد بن محمّد المراكشي المعروف بابن عَذَارِي [الّذي كان على قيد الحياة سنة:٧١٢ هـ] في كتابه الجامع: "البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب" حيث تناثرت أخباره في أماكن متعدِّدة، حينما يتولّى القضاء سنة:٥٢٨ هـ (١)، وعندما يثورُ عليه السَّفَلَة الإشبيليون (٢)،
_________________
(١) البيان المغرب: ٤/ ٥٨.
(٢) ٤/ ٩٣ - ٩٤.
[ ١ / ٧٣ ]
مع التّفصيل في ذلك، ثمّ في قسم الموحِّدين في حوادث سنة:٥٤١هـ (١)، عندما يكون على رأس وقد أعيان إشبيلية الّذي ذهب لإبلاع عبد المؤمن بيعة الإشبيليين ودخولهم في طاعته، ويخطب خطبة يستجيدها الخليفة ويقبل بيعتهم، وينبسطُ لابن العربيّ فيُدْنِيه، لما له من صِلَةٍ بأبي حامد الغزالي شيخ إمامهم المهدي، فيسأله: هل لقي المهدي في مجلس الغزالي؟ فيجيبه ابن العربيّ جوابا يعرف أنه يُرضيه، ويهمّه أن يسمعه الحاضرون، وأن يشيع بين النّاس على أنّه شهادة من ابن العربيّ الفقيه العالم، مؤدَّاها أن الغزالي كان يقول: "لا بدّ من ظُهوره".
وفي نهاية الخبر تفيدُ الرِّواية أنّ الوفد انفصلَ من عند الخليفة بخيرٍ كثيرٍ وإنعام كبيرٍ، وواضح من السِّياق أنّ ذلك كان بفضل ذلاقة ابن العربيّ وكياسته وحُسن تأتِّيهِ، ومعرفته بمقاصد سياسة الموحِّدين، وما من شكٍّ في أنّ الخليفة عبد المؤمن قصد إلى أن يستصدرَ من ابن العربيّ ما يُشبه الفتوى بشرعيّة القول بظهور المهدي، وتعين أنّ المقصود به هو ابن تومرت، وأن الغزالي الّذي كان قد أحتلّ مكانةَ متميِّزةَ في الوسط الفكريّ يقدِّر خطورتها رجال السّياسة، كان يقول بحتمية ظهور المهديّ وتوقيت الظّهور، وأنّ المهديّ ابن تُومرت هو الهديّ المنتظر.
ولم يغب عن عبد المؤمن أنّ ابن العربيّ هو الّذي سعى في إضفاء الشّرعية على دولة المرابطين، باستصدار مباركة أبي حامد الغزالي، وكان أبو بكر ابن
_________________
(١) صفحة: ٣٣ (ط. دار الثقافة).
[ ١ / ٧٤ ]
العربيّ مُتَفَطِّنًا للظّروف والملابسات ومقاصد السّؤال الموجَّه إليه، فلم يقتصر على مقتضى المتبادر من الألفاظ، وهو مجرد الرؤية أو اللُقيا، وإنّما أجاب عن سؤال مُضْمَر غير منطوق ومقتضاه: ما رأيُ الغزاليّ في محمّد بن تومرت، وهل كان يرى أنّه المهديّ المنتظر، وأنّه يتحتّم ظهوره؟ فكان الجواب أنّ الغزالي كان يقول: "لا بدّ من ظُهوره"، وهكذا يكون ابن العربيّ قد فتح صفحة جديدة في علاقته بالموحِّدين، يُكفِّر بها عن سوابقه مع غرمائهم المرابطن، الّذين تقدَّمت خدماتُه لهم وإكرامهم إياه، وإسناد الوظائف له والمهمّات، بل لا نبالغ إذا قلنا بأنّ خدمة المرابطن كانت إرثا تَأَثلَه عن أبيه، بل لا نبالغ إذا قلنا بأن خدمة السُّلطة والسَّعي لرضاها كان يجري في دَمِهِ، وأنّه ورثه من أبوَيْه: أخواله الهوازِئة، وأسرته المعافريّة اللّتين لعبتا الأدوار الأساسية على عهد العبّادية والمرابطيّة، فيصعُبُ عليه أن يتخلَّص من شهوة السُّلطة والطُّموح والنُّفوذ والوَجَاهة، والعِرْقُ غلاّبٌ ودسّاسٌ، وكل مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.
وكان من الأجدر لصاحبنا وهو في شيخوخته العالية ألاّ يتجشّم مشاقّ الرِّحلة إلى مراكُش، ومتاعب الغُربة عن الأهل في إشبيلية، ولكن الّذين استحلّوا القُرْبَ من أصحاب السلطان، يحسبون أنّ كلّ صيحة عليهم، فيتوهّمون أنّ عدَمَ المشاركة في الوفد الّذي يقَدِّم فروض الولاء والطاعة، قد تفسِّرُه السُّلطة على أنّه استمرارٌ في الوَلاَء لأعدائهم المرابطين، وربّما كان يرى ابن العربيّ أنّ رئاسته لهذا الوفد فرصة سانحة لربط الخيوط بالدولة الجديدة، والتّنصُّل من أن يُحسبَ على العهد القديم، فتنفتح له قلوب الموحّدين، ويحظى بالوَجَاهة والمكانة، ولم لا بالمنصب الرّفيع: القضاء أو المُشَاوَرة، ذلك ما نرجِّح -والله أعلم- أنّه كان يلح على خاطر ابن العربيّ، ويناسب طموحه المعهود فيه.
[ ١ / ٧٥ ]
ونرجو أن لا يكون فيما استنتجناه أو تأوّلناه شيء من القسوة أو التّحامل؛ فإنّنا صحبنا ابن العربيّ وتراثه لأزيد من عشرين سنة دأبا، عكفنا فيها على دراسة ما وصلنا من تراثه المطبوع والمخطوط الّذي تناثرت أسفاره بين خزائن الأرض في بلاد الإسلام وديار الدَّعوَة، وحصَلَ لنا من الأنْسِ والألْفَة لأسلوب الرّجُل وطَبْعِه ما نحسبُ أنّه يعصمُ الرّأي من الشّطَطِ في الحكْم، والزَّلل في القول، والتّعسُّف في الاستنتاج.
وربما يقتضي المقام ونحن في سياق نقد المصادر المغاربية، أن نشيد بمؤرِّخي الرِّجال الّذين آل إليهم ونهل من معينهم كلّ من جاء بعدَهم من المؤرِّخين، ونقصد هنا محمّد بن عبد الله بن الأبار [ت. ٦٥٨ هـ] في "تكملته لكتاب الصِّلَة" وابن عبد الملك املراكشي في "ذيله".
أما ابن الأبار؛ فإنّه وإن لم يُترجِم لابن العربيّ -اكتفاءً بما جاء عند ابن بَشْكُوال في "الصَّلَة" -فإنّ كتابه كان سخيّ العَطَاء في التأريخ لطبقة تلامذته وحَمَلَة رواياته، والتّحديث بمصنَّفاته ومرويّاته، وانتشار إجازاته شرقًا وغربًا واختراقها الآفاق، وهو ما يرشِّح كتاب: "التّكملة" لأن يكون معينًا لمن أراد أن يتبيّن استمرار تأثير ابن العربيّ روايةً وتأليفًا، وعطاءً ممتدًّا، من خلال من تخرَّج على يديه من أصحاب وتلامذة ومريدين حملوا علمه وبثوا هديه، ونشروا مصنفاته وأذاعوا ذكره، وزيّنوا للنّاس حُسْن مقاصده ومذاهبه.
ومحمد بن محمّد بن عبد الملك المراكشي [ت. ٧٠٣ هـ] في كتابه "الّذيل والتّكملة لكتابي الموصول والصِّلة" لم يكن أقلّ مشاركة في رَصدِ تأثير ابن العربيّ الممتد خلال القرنين السّادس والسّابع في رجالهما، من خلال تداوُل
[ ١ / ٧٦ ]
رواياته ومصنّفاته وذكر أخباره، في يمكن القول بأنّ كتب مؤرِّخي الغرب الإِسلامي: القاضي عياض وابن بَشْكُوال وابن الأبار وابن عبد الملك المراكشي وابن الزبير الغرناطي، تُكَوِّنُ منظومة تتكاملُ حلقاتها، وتترابط عناصرها من خلال الإفادات الّتي تأتي مُوزَّعة على التراجم بدون أن تنتظم تحت عنوان جامِعٍ، ويبدو كأنها جاءت عفوًا من غير ترتيب مُسبَق، وعوَّل كُتَّاب التراجم والطبقات في العصور التالية عليها تعويلًا مطلقًا، يشهد بذلك ما نشاهده من تراجم لأبي بكر في هذه الكتب أو تراجم أصحابه.
ويعتبر الإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذّهبيّ [ت. ٧٤٨ هـ] أعظم مؤرّخ مشرقيٍّ عُني بأبي بكر ابن العربيّ، فإنَّه لم يُخل أيَّ كتاب تاريخيّ له من ذِكْرِه، ففد أورد ذكره في "تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام"، و"العبر" (١)، و"الدول" (٢)، و"الإعلام" (٣)، و"الإشارة" (٤)، و"تذكرة الحفاظ" (٥)، و"سير أعلام النُّبَلاء" (٦).
ونسجِّل باستغراب أن يؤرَّخ في "الإشارة" و"الإعلام" و"العِبَر" (٧)
_________________
(١) ٤/ ١٢٥.
(٢) ٢/ ٦١.
(٣) في وفيات: ٥٤٦.
(٤) في وفيات: ٥٤٦.
(٥) ١٢٩٤ - ١٢٩٧.
(٦) ٢٠/ ١٩٧ - ٢٠٣.
(٧) وربما كان ذلك متابعة لابن النجار.
[ ١ / ٧٧ ]
وفاة ابن العربيّ سنة: ٥٤٦هـ، مخالفًا بذلك ما أجمع عليه المؤرِّخون؛ وفيهم أصحاب ابن العربيّ الّذين لا قول بعد قولهم؛ بل مخالفًا صنيعه في سائر مؤلفاته الّتي وافق فيها رأيه الصّواب.
وقد تنوّعت هذه التراجم إلى تراجم أوجز القول في بعضها إيجازا بالغا؛ كـ "دول الإسلام" و"الإشارة" و"الإعلام" وبعضها في سطور معدودة كـ "العبر" وأوسع منه كـ "تاريخ الإسلام" لكنه بسط القول في "التّذْكِرة" و"سير أعلام النُّبَلاء".
ويبدو من خلال قراءة هاتين الترجمتين أنّ الذّهبيّ حاول إن ينظر إلى أبي بكر ابن العربيّ من زوايا متعدِّدة، لم يُسلِم قياده للأندلسيين، وقد ذكر منهم ابن بَشْكُوال وابن مَسندِيّ واليسع بن حزم، وإنما نوَّع مصادره، فاستند إلى بعض المؤرخين المشارقة كأبي القاسم ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وابن النجار في "ذيله على تاريخ بغداد"، والحافظ أبي الحسن بن المفضل في "وَفَيَاتِه"، وابن خلِّكان في "أعيانه"، وكان من عطاء التّرجمة في الكتابين "التّذْكِرة" و"السِّيَر" -هذا التركيز المنظَّم والاختيار الموفَّق، فقد حَرَصَ على أن يخصَّ بالذِّكر العناصر الدّالة، من مثل: تحديد المولد نقلًا عن ابن بَشْكُوال، وتسجيل سماعه على خاله أبي عليّ الهوزني وتخصيصه بالذِّكر، وإجمال سائر شيوخه بالأندلس، وارتحاله مع أبيه، وترتيب مشيخته على الحواضر: بغداد، دمشق، الحرمين الشريفين، مصر، وتسجيله لمصنَّفاته معقِّبا عليها: "وأشياء سوى ذلك لم نشاهدها" (١).
_________________
(١) كما في السير: ٢٠/ ١٩٩.
[ ١ / ٧٨ ]
فهل يُفهَم من ذلك أنّ الكتب الّتي نصَّ عليها مما وقع له؟ قد يكون ذلك مُستساغًا، فلنذكر الكتب كما سَرَدَها، مرَّجِحين أن يكون قد شاهدها: "صنَّفَ "كتاب عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي" وفسَّر القرآن الجيد، فأتى بكلّ بديع، وله كتاب "كوكب الحديث" و"المسلسلات" و"كتاب الإنصاف في الفقه" و"كتاب أمهات السائل" و"كتاب نزهة الناظر" و"كتاب ستر العورة" و"المحصول في الأصول" و"حسم الداء في الكلام في حديث السوداء"، "كتاب في الرسائل وغوامض النحويين"، "كتاب ترتيب الرِّحلة للتَّرْغيب في المِلَّة" و"الفقه الأكبر للقلب الأصغر" وأشياء سوى ذلك لم نشاهدها".
هناك إشارات في ترجمة الذّهبيّ تثير الانتباه، منها أحكام تخصّ ابن العربيّ، كتَحْلِيَتِه بالإمام، العلاّمة، الحافظ، صاحب التّصانيف، ومثل قوله: "كان رئيسا مُحتشمًا، وافر المال بحيث أنشأ على إشبيلية سُورًا من ماله" و"كان القاضي أبو بكر ممن يقال إنّه بلغ رتبة الاجتهاد"، "أدخل الأندلس عِلْمًا شريفا وإسنادًا مُنيفًا" بعبارة "التّذْكِرة" (١)، "وأدخل الأندلس إسنادا عاليا وعِلْمًا جمًّا" حسب عبارة "السِّيَر" (٢)، ولا نعتقد أن تغاير العبارتين من قبيل التَّفنُّن في التّعبير، وأن كان الموصوف بهما واحدا في الحالتين، إلَّا أنّنا نميل إلى اعتبار أن التّعبيرين يتكاملان؛ لأنّ "الإسناد المنيف" قد يكون لأسباب ومن جهات أولاها العُلوّ.
_________________
(١) صفحة: ١٢٩٥.
(٢) ٢٠/ ٢٠٠.
[ ١ / ٧٩ ]
ومن الأشياء الّتي تستحق التوقُّف، نقْلُه أنَّ والد أبي بكر ابن العربيّ -وقد كان حريصا على إيراد كلّ ما يتعلّق به في هذه التّرجمة- توفي بمصر سنة:٤٩٣هـ، مناقضا بها ما سجله بقوله: "رجع [ابن العربيّ] إلى الأندلس بعد أن دفن أباه في رحلته، أظنه ببيت القدس".
ومن تمام عنايته بوالد أبي بكر ابن العربيّ أن ينقل عن أبي بكر بن طُرخان عنه قوله (١): "صحبتُ ابن حزم سبعة أعوام، وسمعتُ منه جميع مصنَّفاته سوى المجلد الأخير من كتاب "الفِصَل" وقرأنا من كتاب "الإيصال" له أربع مجلّدات (٢) ولم يفتني شيء من تواليفه سوى هذا".
وكذلك ذكر أن والد ابن العربيّ كان من كبار أصحاب أبي محمّد ابن حزم الظّاهريّ، بخلاف ابنه القاضي أبي بكر فإنّه منافِرٌ لابن حزم، يَحُطٌ عليه بنفس ثائرة.
وهذا الحرص على إثبات العلاقة بين والد ابن العربيّ وابن حزم؛ إنّما هو مقدِّمة ليَنْفُثَ من خلالها ما قد نستشعره من ضيق بهذه المنافرة، ومن تبرُّمٍ
_________________
(١) في السير: ٢٠/ ٢٠١، والتذكرة: ١٢٥١.
(٢) في التّذْكِرة: "سبع مجلدات في سنة ستة خمسين، وهو أربع وعشرون مجلدا"، وفي هذه الصفحهْ من التّذْكِرة ورد هذا الخبر منسوبا لابن العربيّ وفيه إبهام لم يدفعه إلَّا التصريح أنّ صاحب القول هو والد ابن العربيّ كما هو مصرَّح به في السِّيَر، وقْد يشفع للذَّهبَي، أنّه صرَّحَ بالنّقل عن أبي محمّد بن العربيّ خبر سبب تعلُّم ابن حزم الفقه، فعطف بعبارة: "قال ابن العربيّ"، فالسِّياق قد يرفعُ الإيهامَ الّذي في السِّيَر: ٢٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
[ ١ / ٨٠ ]
من هذه الثورة على ابن حزم، وكأنه يريد أن يقول لنا: إنّ أبا بكر ابن العربيّ كان مرجُوُّا ألّا يعقّ أباه في شيوخه، وأن يلتزم معهم الأدب والتّوقير.
وقد صوَّر لنا هذا الضيق عندما ان في رى مدافعا عن ابن العربيّ فيما ناله من سهام النقد، -والمقام مقام دفاع- استطرد قائلًا: "ولم أنْقُم على القاضي -﵀- إلَّا إقذاعَهُ في ذمِّ ابن حزم واستجهاله له، وابن حزم أوسع دائرةً من أبي بكر في العلوم، وأحفظ بكثير، وقد أصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايقَ كغيره من الأيمة، والإنصافُ عزيزٌ".
وختم الذّهبيّ ترجمة ابن العربيّ في "السِّيَر"و"التّذكِرَة" بحديث من "جزء" قد يكون حديث هلال الحفار.
ونعتقدُ أنّ صنيع الإمام شمس الدِّين الذّهبيّ في هذه التّرجمة، فيه من الحبكة، وحسن استعمال الصادر، واختيار العناصر الوحية؛ ما يُعتبَر أنموذجا لبناء التّرجمة المحرَّرَة.
والتراجم الّتي كتبت في هذا القرن بعد الذّهبيّ، لم يستطع أصحابها أن يطاوِلُوه، أو أن يحلِّقوا إلما الآفاق الّتي حلَّقَ فيها متفرِّدَا، فابن فضل الله العمري [ت. ٧٤٩هـ] في "مسالك الأبصارفي ممالك الأمصار" (١)، لم يعد ما في "صِلَةِ" ابن بَشْكُوال إلّا بديباجة صاغ فيها تحليات أظهر فيها إنشائية متكلّفة: "الحافظ المشهور، والحامل له الزمن آيات الظُّهور، تجَوَّلَ في الأرض طَلَبًا في
_________________
(١) السِّفْر الخامس: اللوحة ٣١٢ مخطوط آيا صوفيا، رقم: ٣٤١٨.
[ ١ / ٨١ ]
العِلْم، وتقديما لأمره المهمّ، ورحلَ من أقصى الأندلس حتّى أتى الحجاز، وخيَّم بالعراق، وعاد من الشرق بما ملأ الغرب بالإشراق "
ومن البابة نفسها ترجمة الكمال جعفر بن تغلب الأدفوي [ت. ٧٤٨هـ] فى "البدر السَّافر في أُنْس المسافِر" (١)؛ فقد كان عالة على ماعند أصحاب الصِّلات الأندلسية.
ومن مترجميه أيضا صلاح الدِّين خليل أَيْبَك الصَّفّدِيّ [ت. ٧٦٤هـ] فى كتابه: "الوافي بالوَفَيَات" (٢) ذهب فيها مذهب الإيجاز والاختصار، مقتفيا فيها خُطى شيخه الشمس الذّهبيّ، وإن لم يصرِّح بذلك، فإنّه لا يخفَى على من اعتاد مراجعة التّواريخ أن يلاحظ أنّ الصَّفدِيّ كان يكتب من محبرة شيخه الذّهبيّ.
ونذكر كتابين يَسَّرَت الطِّباعة تداولهما، وهما: "مرآة الجنان وعِبْرَة اليقظان فى معرفة حوادث الزّمان" (٣) لعفيف الدِّين عبد الله بن أسعد اليافعيّ [ت.٧٦٨هـ] وكتاب "البداية والنّهاية" (٤) للحافظ أبى الفداء إسماعيل بن عمر بن كّثِير [ت.٧٧٤هـ]؛ فلا جديدَ يُذكر عندهما، إلّا ما ذَكّر ابنُ كثير من أنّ وفاةَ ابن العربيّ كانت سنة:٥٤٥هـ، ولا ندرى سبب هذا الوهم الغليظ.
_________________
(١) مخطوطة مكتبة الفاتح بأستنبول رقم:٤٢٠١. فى المحمدين.
(٢) ٣/ ٣٠٠ (التّرجمة:١٣٨٨).
(٣) ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠.
(٤) ١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
[ ١ / ٨٢ ]
وفي نهاية هذا القرن تَرْجَمَهُ أبو الحسن عليّ البُنَّاهي المالقي [كان حيًّا سنة:٧٩٣ هـ] في كتابه: "المرقبة العُليا فيمن يستحقّ القضاء والفُتيا" (١) ترجمة جمعَ فيها ما ذكَرَهُ أبو القاسم بن بَشْكُوال وأبو جعفر ابن الزُّبَيْر، وناقش هذا الأخير في مكان دَفْنِ أبي بكر ابن العربيّ، حيث وهَّمَ ابن الزُّبير وغَلَّطَهُ، وأكدَّ أنّه إنّما دُفِنَ خارج باب المحروق، لا بباب الجيسة، قال: "وقد زرناه وشاهدنا قبره بحيث ذكرناه أرضاه الله وغفر لنا وله".
وترجمه أيضًا برهان الدين إبراهيم بن عليّ بن فرحون [ت. ٧٩٩ هـ] في كتابه: "الديباج الْمُذْهَب في معرفة أعيان الْمَذْهَب" (٢) ترجمةً توسع فيها توَسُّعًا ملحوظا، ومن البيِّن أنّه استفاد من المترجمين المتقدِّمين، من أمثال القاضي عياض وابن بَشْكُوال وابن الزُّبير والذهبيّ.
ويستوقفُنا في هذه الترجمة خبر يتعلَّق بوجود كتاب "أنوار الفجر" في خزانة السُّلطان أبي عنان المريني، نسخة تامّة تقع في ثمانين مجلّدا، وصِحَّة الخبر تقع مسؤوليتها على من نقل الخبر، والله أعلم.
وبمناسبة الحديث عن كتاب ابن فوحون المالكي، نُدرج معه ثلاثة كتب في رجال المالكيّة عُنيت بترجمة أبي بكر ابن العربيّ:
أوّلها: "طبقات المالكيّة" مخطوط المكتبة الوطنية بالجزائر تحت رقم: ٤٩١، اللوحة: ٣٤ لمؤلِّف مجهول، كان مقيما بتونس، ومن تلاميذ ابن عَرْفَة، ومن
_________________
(١) صفحة: ١٠٦ - ١٠٧.
(٢) ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٦.
[ ١ / ٨٣ ]
زملاء أبي العباس المسيلي [ت. ٧٨٩ هـ]، فيكون من رجال القرن الثامن يقينا.
والثاني: مخطوط الخزانة العامة بالرباط، مجموعة عبد الحي الكتّاني، تحت رقم:٢٧٠، لمحمد بن عبد السلام بن إسحاق الأموي المالكي، من مخضرمي القرنين الثامن والتاسع، حاول فيه أن يُعَرِّف بالأعلام المذكررين في "مختصر ابن الحاجب الفرعي" وسماه: "الإعلام كما في ابن الحاجب من الأسماء والأعلام" (١).
والثالث: "طبقات المالكيّة" مخطوط الخزانة العامة، تحت رقم: ٣٩٢٨ د، لمؤلَّف مجهول، متأخِّر عن القرن التّاسع.
والمخطوط الأخير أعلى نَفَسًا من سابقَيْه، وأسْخى مادّةً، وآصل نقولا.
وفي القرن التاسع نجد شمس الدين محمّد بن ناصر الدِّين الدِّمشقيّ [ت. ٨٤٢] في منظومته "بديعة الزمان" وشرحها "التبيان" [مخطوطة الخزانة العامة بالرباط، تحت رقم: ١٨٠٤ د] قد تناول ترجمة أبي بكر ابن العربيّ بإيجاز واختصار.
كما نجد المؤرِّخ الشهّير أحمد بن عليّ المقريزيّ [ت.٨٤٥هـ] يترجم
_________________
(١) انظر ترجمة ابن العربيّ في هذا الكتاب، اللوحة: ٩٥. وقد نشر الكتاب الأستاذ حمزة أبو فارس في ليبيا.
[ ١ / ٨٤ ]
لصاحبنا ضمن الطارئين والزائرين لمصر، في كتابه: "المقفَّى الكبير" (١) الّذي أخلصه لتراجم الأعيان الّذين ولدوا في مصر ونشأوا فيها، أو طرأوا عليها، ووترجمته من أوسع التراجم في القرن التاسع، إذ تمكن من الاستفادة من مجموعة لا بأس بها من المصادر، من أهمها: "تاريخ دمشق" لابن عساكر، و"الصلة " لابن بشكوال، و"المغرب" لابن سعيد.
ونجد في القرن التاسع أيضا بدر الدين العيني [ت. ٨٥٥ هـ] في كتابه "كشف القناع المرنى عن مهمات الأسامي والكنى" (٢) فقد ترجم له بقوله: "ابن العربيّ، أبو بكر محمّد بن عبد الله بن العربيّ، الأندلسيّ، الإشبيلي، الحافظ المشهور، وله مصنفات منها: "عاوضة الأحوذي" في شرح الترمذي" مات سنة: ثلاث وأربعين وخمس مدّة، ودفن بمدينة فاس".
وكذلك جمال الدين يوسف بن تَغرِي بَرْدي الأتابكي [ت. ٨٧٤ هـ] قد تناوله في كتابه "النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة" (٣)، وهي ترجمة مختَصَرة، يُلاحظ فيها أنّه أرَّخَ وفاته بسنة: ٥٤٦هـ؛ وهو وهم بيِّن.
_________________
(١) ٦/ ١١٠ - ١١٣. [ط. دار الغرب الإِسلامي ببيروت، سنة: ١٤١١هـ، باعتناء محمّد اليعلاوي]. كما طبعت أجزاء من هذا الكتاب مطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن في الهند، باعتناء مجموعة من الباحثين، واعتنى بالجزء الثالث منه: غلام يحيى أنجم ومحمد سميع الله خان: ٣/ ١٤٧ - ١٥٤، الترجمة: ١٠٠٧.
(٢) صفحة: ١٩٥، ط. باعتناء الأستاذ أحمد بن الشيخ محمد نمر الخطيب، مركز النشر العلمي يحامعة الملك عبد العزيز، جدة، سنة:١٤٠٥ هـ
(٣) ٥/ ٣٠٢.
[ ١ / ٨٥ ]
وفي القرن العاشر نجد جلال الدِّين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيوطيّ [ت. ٩١١هـ] قد ترجَمَهُ في "طبقات المفسَّرين" (١) و"طبقات الحفَّاظ" (٢) ترجمةً اتَّكأَ فيها على الذّهبيّ في "سِيَر أعلام النُّبلاء" و"التّذْكِرة" (٥).
أمّا "طبقات المفسَّرين" لشمس الدِّين محمّد بن عليّ الدّاوديّ [ت. ٩٤٥ هـ] فقد اعتمد فيها على ما عند ابن فرحون في "الدّيباج" (٣).
وببدو أنَّه كلّما تقادم العهد، كلّما تزايد إحساس الباحث بأنّ احتمال الوقوف على تراجم تتضمَّن جديدا لم يُسبق أمْرٌ من قبيل المستحيل، يؤكّد ذلك ما سنعرضُ له من مصادر ومراجع متأخرّة، من مثل: "جَذوَة الاقتباس في ذِكْرِ من حَلَّ من الأعلام مدينة فاس" (٤) لأحمد بن القاضي المكناسي (ت. ١٠٢٥هـ)؛ فهي ليست إلَّا نسخة مما عند ابن فرحون، لم يكن هو نفسه إلَّا مجرَّد مُرَدَّدٍ لما عند سابقيه.
على عكس ترجمتي أبي العباس أحمد بن محمّد المقَّريّ (ت. ١٠٤١هـ)، الحفيلتين الّتين عقدهما له في ذخِيرَتَيْه: "أزهار الرِّياض في أخبار عياض" (٥).
_________________
(١) صفحة٩٠ (التّرجمة: ١٣٠).
(٢) صفحة: ٤٦٧ (التّرجمة: ١٠٤٨).
(٣) انظر طبقات المفسرين: ٢/ ١٦٢ (التّرجمة: ٥١١ ط. مكتبة وهبة).
(٤) ١/ ٢٦٠ - ٢٦١، الترجمة (٢٦٨) [ط. دار المنصور].
(٥) ٣/ ٦٢، ٨٦ - ٩٥.
[ ١ / ٨٦ ]
و"نفح الطَّيب" (١). فقد استجمع فيهما ما تناثر من تراجمه في كتب المغاربة والمشارقة، كالحِجَارِيّ في "المسهب"، وأبي عمرو بن الإمام في "سمط الجمان"، وأبي الوليد الشّنقندي في "الطُّرَف" وابن بَشْكُوال في "الصِّلة" وعياض في "الغُنْيَة"، وابن عساكر في "التاريخ" وابن سعيد في "المغْرِب" وابن خاقان في "المطمَح" وابن الزُّبير في "صلته" هذا مع حُسن استغلاله لا يتصّلُ. بابن العربيّ، مُنْتَزِعًا من تآليفه كقانون التأويل وغيره ما يساعد على رسم صورة واضحة المعالم ظاهرة الرسوم لسيرة صاحبنا -رحمة الله عليه-، وتظهر براعته واقتداره من خلال مناقشاته لمكان دفن ابن العربيّ في فاس.
على أنَّ المقارنة بين التّرجمتين ترجِّح كفّة "نفح الطَّيب"، وقد أوردها في سياق ذكر الرحالة المغاربة إلى المشرق، فجاء أبو بكر ابن العربيّ ثامن الرَّحالين في الذكر، في حين أنّ مناسبة ذكره في "الأزهار" كان في سياق أشياخ القاضي عياض. ولم تخل التّرجمتان من أشعارٍ حِسانٍ وفوائد غريبة ومستملحات نوادر.
ولا نغادر القرن الحادي عشر دون أن نشير إلى صنيع مصطفى ابن عبد الله كاتب جلي، المعروف بالحاج خليفة (ت. ١٠٦٧هـ)، الّذي ما زال الباحثون يستشيرونه كلّما تعلَّق الأمر بأسماء الكتب، فقد أورد أسماء مؤلَّفاته موزَّعة حسب عناوينها على حروف الهجاء، مراعاة للترتيب الّذي
_________________
(١) ٢/ ٢٥ - ٤٣.
[ ١ / ٨٧ ]
ارتضاه لكتابه (١)، مع الإشارة إلى التّرجمة المقتضبة الّتي عقدها له في "سُلَّم
_________________
(١) ننبه السادة الباحثين أنّ المطبوع من "كشف الظنون" في مصر والإستانة وبيروت ينبغي التعامل معه بحذر؛ لأن الّذين وقفوا على طَبْعِه خلطوا بين كلام الحاج خليفة وبين الّذيول والزيادات الّتي ألحقها من جاء بعده من العلماء، مع أن المستشرق غوستاف فلوجل طبع الكتاب في ليبسيك وليدن في السنوات: ١٨٣٥ - ١٨٥٨م في سبع مجلدات، مع ترجمة لاتينية، معتمدا على عدة نسخ مخطوطة، منها النسخة الّتي بتهذيب وزيادات العالم الفاضل أبراهبم أفندي ابن علي الرومي الحنفي، المعروف بعربه جي باشا المتوفى سنة: ١١٧٨هـ وقد قام بتصحيح بعض زلات الأصل، وأزال منه على قدر وسعه كثيرا مما كان في بيان تاريخ الوفيات من النقصان، وربما ألحق إلحاقات مفيدة، وعندما قام فلوجل بالإشراف على طبعه جعل زيادات وتصحيحات عربه جي باشا بين قوسين، ليتميّز الأصل من الزيادات، ومن أسَفٍ عندما طُبعَ في بولاق سنة: ١٣١١ هـ، أدْمِجَ الأصل مع التصحيحات، وفي هذا الموضوع يقول شيخ شيوخنا عبد الحي الكتاني في كتابه الماتع "تاريخ المكتبات الإِسلامية ومن ألَّفَ في الكُتب": ١٦٦ "اللَّوْم كلّ اللَّوْمِ على الّذين نشروا الكتاب في الأستانة ومصر، وقد خلطوا الإلحاق بالأصل مع عدَم التمييز بينهما، مما أوقعوا الناقل والمطالع في اللّبس والكذب، وهذه بليتُنا اليوم، عدم التثبّت والمجازفة في الأخبار كلّها، سواء كانت علميّة أو غيرها. فكثيرا ما ترى اليوم نقل وَصْفِ بعض الكتب عن "كشف الظنون" والحال أن الكتاب الموصوف إنما ألَّفَ أو وُلِدَ مؤلِّفه بعد موت صاحب "كشف الظنون"، ونجد هذا الغلط الفاحش مذيلا بأسماء وأعلام مشارقة ومغاربة، وَتَبعَةُ ذلك عليها المدلِّس أوَّلا، وثانيهما على عدم المتأمِّل العارف بطبقات الرجال وتراجمهم وأعصارهم، ولعَمْرِي إن التدليس الموصوف مصيبة المصائب وعجيبة الغرائب، كيف يستبيح مسلم بل إنسان عاقل إلحاق هذه الّذيول الثلاثة، أو أقل، بكتاب معروف؟ وإصدار الجميع تحت العنوان المسطّر صدر النّسخة =
[ ١ / ٨٨ ]
الوُصُول إلى طبقات الفُحول" (١)، وهي ترجمة لا يمكن وضعها مع الإفادات الّتي تضمنها "كتاب كَشْف الظّنون عن أسامي الكُتُب والفُنون" في موضع واحد؛ لأنَّ ترجمة "السُّلَّم" لم تتضمن أيَّة عناصر أصيلة، في حين أنَّ إفادته في "الكشف" لا تخلو من أصالة، خصوصا إذا تعلَّق الأمر بمخطوط وقف عليه ووصفه وذكَر مطلعه، أو أشار إلى ما يحتويه من فصول، أو حدَّد تاريخ الفراغ من تأليفه، مما أدى إلى أن يتصدّر "كتاب كشف الظُّنون" منزلة متميّزة في المدرسة التراثية المعاصرة.
ثم نتوقف عند كتاب ألَحَّ الباحثون المحدَثون على الاستمداد منه، حتّى كاد يحجب الأصول، فاستمد قيمته من يُسر الحصول عليه، والقصد هنا إلى كتاب عبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي (ت. ١٠٨٩ هـ) "شَذَرات الذّهب
_________________
(١) = المطبوعة وهو: "كشف الطنون عن أسامي الكتب والفنون" للإمام ملاّ كاتب جلبي غفر الله له ولن نظر فيه. مع أن المقرّر المعلوم أنه لا يجوز التّصرف في كلام المؤلِّفين بإدخال شيء داخل تصانيفهم، ولو بالإصلاح، حتى نصّوا على أنّ الآية الكريمة إذا وقع تحريفها في أصل كتاب فلا يجوز إصلاحها إلَّا بهامش الكتاب لا بداخله، حِرْصًا على كلام المؤلِّفين، ليبقى على وجهه؛ لأنّ العلم أمانة عند أهله، والأمانة لا تمسّ إلَّا بإذن صاحبها، فأيُّ ثقة تبقى بالطابعين الآن والناشرين ولا زال هذا التزوير والتدليس بقية في الشرق والغرب إلى الآن؟ فهل هذا إلَّا إحواج المتثبتين للإعراض والمقت لكلّ ما ينشره الشرق والرجوع لما تنشره أوروبا خاصة، وإلى الله المشتكى مما اشتكى منه الحافظ ابن تيمية قديما حيث قال: جعلوا على باعة الخضر نظّارا ولم يجعلوا على حاملي الأوراق والأقلام رقباء".
(٢) وتوجد نسخة نفيسة منه بخط المؤلّف بإحدى مكتبات استنبول ضاع رقمها من مقيداتنا.
[ ١ / ٨٩ ]
في أخبار من ذهَب" (١) وقد عقد له ترجمة في صفحة ونصف في وفيات سنة: ٥٤٦هـ وقد وهم فيه؛ بل هو سنة: ٥٤٣ هـ كما نصَّ على ذلك تلميذاه عياض وابن بَشْكُوال، وهو شاء غير مستغرب من رجل كان معوَّله على "عبر" الذّهبيّ، يقتفي أثره ويترصَّد خُطاه، فيزلُّ قلمه كلّما زلَّت قدم الذّهبيّ. على أنَّه له في هذه التّرجمة لم يكتف بما عند الذّهبيَّ، بل أضاف إلى ذلك النَّقل عن ابن ناصر الدِّين الدِّمشقي وابن بَشْكُوال وابن خلّكان، فإن تَعْجَب فاعْجَب لابن العماد تكونُ بين يدَيه ترجمة ابن العربيّ بقلم تلميذه ابن بَشْكُوال الّذي يعرض أخبار شيخه غضَّة طريَّة تنبض بالحياة، وتفوح بعطر الجدَّة والأصالة، يسأل شيخه عن تاريخ مولده، فيسجّله مباشرة من فيه إلى الورقة، ويثبت تاريخ وفاته الّذي قد يكون بلغه نعيه في الشهر نفسه إن لم يبلغه في الأسبوع نفسه، ومما يستعظم إلَّا يملَّ ابن العماد من نقل سطور ذات العدد، وأن يتَّسع صبره دون كَلَل للمعروف من أخبار أبي بكر ابن العربيّ، ينسخُها من "الصِّلة" ولكنّه يتحاشى الفقرة الّتي حدَّد فيها ابن بَشنكُوال تاريخ وفاة شيخه بالشّهر واليوم، حتّى تسلَم له المتابعة.
كما ينبغي الإشارة إلى التّرجمة المقتضبة لأحمد بن محمد الأدنوي من علماء القرن الحادي عشر، في كتابه "طبقات المفسرين" (٢) ولا جديد فيها يذكر، وهي نسخ لا عند شمس الدِّين الذّهبَي.
_________________
(١) ٤/ ١٤١ - ١٤٢.
(٢) صة: ١٨٠، التّرجمة: ٢١٨ (ط. مكتبة العلوم والحكم بالمدينة النبوية المنورة، باعتناء سليمان الخزي، سنة: ١٤١٧).
[ ١ / ٩٠ ]
وفي القرن الثّاني عشر وما يليه، سوف نقفُ على كُتبٍ تكادُ تتقارب أغراض التّأليف فيها، وها كُتُبٌ مرتبطة بالمدن، فكتاب ابن عَيْشُون في "أخبار الصَّالحين من أهل فاس" وقريب منه كتاب محمّد بن جعفر "الصُّلحاء والعلماء من أهل فاس" ولا يبعد كثيرا عنهما كتاب العبَّاس بن إبراهيم التّعارجي، فهو في الّذين حلّوا مرّاكُش وأغمات من الأعلام. وقد سبق كتاب "جَذْوَة الاقتباس" وهو من بابة هذه الكتب، يغترف مما تغترف منه، ويسير على منوالها.
فأمّا ابن عَيْشُون الشَّرَّاط؛ فإنّ ترجمته لأبي بكر ابن العربيّ في كتابه "الرَّوْض العَطِر الأنفاس بأخبار الصّالحين من أهل فاس" (١) لا تخلو من جديد، إذ نقل عن أبي القاسم بن أحمد البلوي المعروف بالبُرْزُليِّ [ت.٨٤١ هـ] في "نوازله" (٢) خبر حفظه من "كتاب ابن الصيرفي" أنّ ابن العربيّ كان له شُرَط يطلُبون أهل الخمر، أمّا ابن الصيرفي فالغالب أن يكون هو أبو بكر يحي بن محمّد بن يوسف الأنصاري الغرناطي (ت.٥٥٧) فإن يكن هو المعْنِيّ؛ فإنّه يكون من معاصِرِيهِ، وتكون الأخبار الّتي يسجّلها مما ينبغي أن تُتَلَقَّي بمزيد الاعتبار، ولكن البُرْزُليّ أبهم اسم الكتاب، فاحتجنا إلى البحث والتنقيب، فغلب على الظَّنِّ أن لا يخرج عن أحد كتابيه: "الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية" والرّجل مؤرِّخٌ معاصِرٌ لهذه الدّولة، مرتبط بها بأقوى الوشائج؛ لأنّه
_________________
(١) ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ باعتناء زهرة النظام، رسالة ماجستير بكلية الآداب بجامعة محمّد الخامس، بالرباط.
(٢) المسمى: "جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام": ٦/ ٣٤٤.
[ ١ / ٩١ ]
تولَّى الكتابة للأمير تاشفين بن عليّ بغرناطة، أو في كتابه الثاني: "تقَصِّي الأَنْبَاء في سِيَاق الرُّؤسَاء" الّذي ينقل منه ابن عَذارِي في "البيان المغرب" (١).
ومهما يكن من أمر؛ فإنّ الكتابين مفقودان، ومن محاسن هذه التّرجمة أنّها نَبَّهَثْ إلى خَبَرِ ذِكرِ ابن الصيرفيّ في كتاب ما له، ما ككن الاعتبار به في نسْجِ خيوط التّرجمة المحرّرة لأبي بكر بن العربيّ في مصادرها المبكِّرة.
ننتقل بعد ذلك إلى النّظر في كتاب: "سُلوة الأنفاس ومُحادَثةُ الأكْياس بمن أُقْبرَ من العلماء والصُّلحاء بفاس" (٢) لمحمد بن جعفر الكتّاني (ت. ١٣٤٥هـ) الّذي قدَّم ترجمة حفيلة لأبي بكر بن العربيّ باعتباره من مقبري مدينة فاس، وقد صاغها بعبارات مسجعة في تحليتها، مستقصية في أخبارها، مُتجاوزا بذلك ما يوجد عند ابن القاضي في "الْجَذْوة" والشّرّاط في "الرّوض" وقد طَغَت عليها المناقشات الجانبيّة، وبخاصّة الجوانب الصّوفية من مثل: هل يدخل ابن العربيّ ضمن الصُّلحاء الّذين يُتَبَرَّكُ بهم وُيزَارُون لأنَّهم من أهل الباطن؟ أو أنّه من علماء الظاهر الّذين يشفع لهم رسوخ قدمهم في العلم في الالتحاق بعلماء الباطن منزلة ومقامًا؟.
والملاحظة اللافتة أنّ هذه التّرجمة تُعتبر من أجود التّراجم المتأخِّرة، لا لطولها وإحاطتها فحسب، وإنّما لحسن اختيار المترجم، وتوفّقه في اختيار مادّة التّرجمة ومصادرها، وطريقة معالجتها.
_________________
(١) انظر فهارس كتاب البيان المغرب.
(٢) ٣/ ١٩٨ [المطبعة الحجرية بفاس، سنة:١٣١٦هـ].
[ ١ / ٩٢ ]
وتبدو أهمية ترجمة الكتّاني في منزلتها الحقيقية عندما نقارن بينها وبين ترجمة عبّاس ابن إبراهيم السّملالي التّعارجيّ، قاضي مراكش (ت. ١٣٧٨هـ) في كتابه: "الإعلام بمن حلَّ مرَّاكُش وأَغْمَات من الأعلام" (١) الّذي نقل ترجمة الكتّاني بحذافيرها نقلا لم يراع فيه المقام والسِّياق، إذ إنّ المدفون وما يقال فيه من عبارات، لا تناسب الزّائر وما ينعت فيه من نعوت، فتبدو بعض العبارات المكررة والمقحمة في غير سياقها نشازا نابية.
وقد يكون من المفيد أن نستمر في عرض ما كتبه المؤرخون والدارسون لسيرة أبي بكر بن العربيّ، لكن المجال يضيق في مثل هذه المقدمة لكتاب المسالك، وعسى الله أن ييسر بمنه وفضله الكتابة في الموضوع، بصورة أقرب ما تكون إلى الاستيفاء والإحاطة والشمول. وإلى أن يتحقق هذا الوعد، نرى من المفيد أن لا نخلي هذه المقدمة بذكر توطئة مختصرة عن الكتب الجامعة الهادية الّتي ساهمت في تقريب صورة أبي بكر بن العربيّ لدى الدارسين والباحثين، وتيسير الاهتداء إلى تراثه، بتحديد أماكن وجوده، والتّمييز بين المطبوع منه والخطوط، وذلك صنيع شيخ الستشرقين الألمان كارل بروكلمان" " c. Brockelmann" [هك.١٣٧٥هـ]، في كتابه "تاريخ الأدب العربي" " Geschite der Arabischen Litteratyr" (٢) و"ذيله" (٣) في أصله الألماني
_________________
(١) ٤/ ٩٤ - ١٠٥ (المطبعة الملكية بالرباط: ١٩٧٤ - ١٩٨٣م).
(٢) ١/ ٥٢٥ [٤١٢].
(٣) ١/ ٦٣٢.
[ ١ / ٩٣ ]
وترجمته العربية الفاسدة الساقطة (١)، فقد قَرَّبَ بعيدا، وجمع شتيتَا، ويسَّر صعبَا، وكان نافذة أطللنا من خلالها على جهود الاستشراق في خدمة تراث ابن العربيّ، ولم يكن من التّيسير الاستفادة من إشارته إلى جهود كُتِبَت بلُغات مختلفة، لولا أن مَنَّ الله علينا في ديار الغُربَة بخزانة المستشرق الإيطالي الشّهير الأمير ليون كايتاني، الّذي ترك خزانة ينتفع بها النّاس، في حين يكابد كثير من طلحة العدم المصائب، وتقفل دونهم الأبواب في الخزائن الخاصة في أرض الإسلام، والّتي لا ترق قلوب القائمين عليها ولا تحن، فإلى الله المشتكى، ولا غالب إلا هو سبحانه.
كما لا ننسى التّرجمة الواردة في "دائرة المعارف الإِسلامية" (٢) الّتي أرشدت المثقّفين خارج دار الإسلام بأهمية القاضي ابن العربيّ.
وبمناسبة ذكر دوائر المعارف، نلفت أنظار الباحثين إلى كتاب يعدُّ أوّل مَعْلَمَة تاريخيّة وجغرافية في اللُّغة العربية (٣)، وهو كتاب: "آثار الأدهار: القسم التاريخي" من تأليف: سليم جبرائيل الخوري (هك: ١٨٧٥م) بمعاونة: سليم مخائيل شحادة (هك: ١٩٠٧م) (٤)، وترجمة ابن العربي في
_________________
(١) ما عدا الأجزاء الستة الّتي نشرتها دار المعارف بمصر فإنها على درجة عالية من الجودة والإتقان.
(٢) ١/ ٣٤٩ من التّرجمة العربية دار الشعب، القاهرة.
(٣) كما نص على ذلك إلياس سركيس في معجم المطبوعات العربية والمعربة: ٢/ ١١٠٤.
(٤) طبع في المطبعة السورية ببيروت، سنة١٢٩٣هـ،١٨٧٧م، في جزأين كبيربن، مع القسم الجغرافي، ولم يتم.
[ ١ / ٩٤ ]
هذا الكتاب (١) لا بأس بها، فقد اعتمد صاحبها على الصلة البشكوالية، ونفح الطيب، وطرافتها أنها من أوائل الترجمات الّتي احتلت مكانها في ما يسمى بكتب دوائر المعارف الحديثة.
والسّياق يقتضي ذكر الجهود الّتي أسهم بها المسلمون ما يمكن أن يماثل ما قام به المستشرقون، نخص بالذكر إسماعيل باشا بن محمّد أمين البغدادي [ت.١٣٣٩ هـ] في كتابَيْه:
أ- "إيضاح المكنون في الذّيْل على كشف الظنون".
٢ - "هديّة العارفين".
فإن كان الأوّل منهما اختصَّ كما فات صاحب "الكشف" فإن الثّاني منهما قدَّم فيه قائمة جامعة لأسماء مصنّفات أبي بكر ابن العربيّ على سياق حروف الهجاء، ولا يغضُّ منها أن تشوبها أوهام أو أخطاء الطّباعة، فذلك ما لا يغيب عن فطنة أهل هذا الشّأن.
وقريب من صنيع إسماعيل باشا ما قدّمه عمر رضا كحّالة في كتابه: "معجم المؤلفين" (٢) والمعروف أنه قلَّده وسار على هَدْيه يصيب حيث يصيب، ويتابعه في أوهامه وأخطائه، وعلى الرَّغم من كلّ المآخذ الّتي يُمكن أن توجَّه إلى الكتاب، إلّا أنّه قد أفاد أجيالا من طَلَبة العِلْم بعامّة وطَلَبَة الدِّراسات العُليا بخاصّة، وهذا ما لمسناه عند طلحة وطالبات جامعات المشرق العربي؛ وذلك لأن
_________________
(١) ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) ١٠/ ٤٢ - ٤٣ [ط. دار إحياء التراث الإِسلامي].
[ ١ / ٩٥ ]
كحّالة -﵀- توَسَّعَ في ذِكُرِ المصادر والمراجع المختلفة الّتي توفِّرُ على الباحث كثيرًا من الوقت والجهد، بينما لم يول عنايته للترجمة نفسها، فهي في غاية الوجازة والاختصار، وهذا ينطبق على ترجمته لصاحبنا.
أما خير الدين الزّركلّي، فإنّ إقامته الطّويلة بالمغرب أضْفَت على كتابه المسمى: "الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب المستعربين والمستشرفين" (١) حلّة من الجدة والطرافة غذَّتها صداقته لسَدَنَة الخزانة المغربية: محمّد الفاسي ومحمّد بن أبي بكر التطواني ومحمّد إبراهيم الكتّاني وغيرهم. والكتاب لا نظير له في المراجع الهادية الّتي ترشد وتدل على المصادر الكبرى، وقد تميزت ترجمته لصاحبنا بالدقة البالغة في إبراز أهم ملامح المترجم، مع الإشارة إلى ما وجد من تراثه المطبوع والمخطوط.
_________________
(١) ٦/ ٢٣٠ [ط. السادسة، دار العلم للملايين، بيروت: ١٩٨٤].
[ ١ / ٩٦ ]