[ ١ / ٣٢٣ ]
بداية نسخة علال الفاسي
[ ١ / ٣٢٥ ]
نموذج من نسخة علال الفاسي
[ ١ / ٣٢٦ ]
لأبي بكر محمَّد بن عبد الله بن العربيّ المعافريّ
[ ١ / ٣٢٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمَّد وآله وسلَّم تسليمًا
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربيّ - ﵁ -:
الحمدُ للهِ الَّذي أكرمَنَا بأفضَلِ المِلَلِ، وَشَرفَنَا بأكْرم النِّحَل، ونَبَّهَنَا على قواعد الأحكام، وبَيَّنَ لنا الحلال من الحرام، وهدانا إلى الصّواب، وعلَّمَنا الكتاب، حتّى عرفنا بتوفيقه مثار الآراء ومنشأ الاختلاف، ومآخذ العِلَل ومواقع الزَّلَل، وأقدرنا إلى الحقِّ المنزل من السَّماء.
وإنّ آراء المجتهِدينَ في أحكام الدِّين ليست على سوانح النّصائح وفواتح المناهج، وإنَّ ما لا يوافقُ الشّرعَ المنقول، مطروحٌ وإنْ قبلته ظواهر العقول. ثمّ إنّ أحكام الله تعالى في الوقائع تفوت الحدّ وتتجاوز المَرَاد، مع استنباط المُرَاد الَّذي هو الأساس ومنه الاقتباس، وذلك في إبدل البدائع، فَسُبْحان منْ بعثَ في الأميِّينَ رسولًا منهم بشريعة، يحارُ (٧) فيها فحصُ الفاحصين وقصدُ القائسين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)، وقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (٢)
_________________
(١) يونس:١٦.
(٢) العنكبوت: ٤٨ - ٤٩.
[ ١ / ٣٢٩ ]
اعلموا -أنارَ اللهُ قلوبَكُم للمعارف، ونبَّهَنا وإياكُم على الآثار والسُّننِ السّوالف- أنّه إنَّما حملني على جَمْع هذا المجموع بما فيه -إن شاء الله- كفاية وقُنوع أمور ثلاثة، وذلك أنّه ناظرتُ يومًا جماعة من أهل الظّاهر الحَزْميَّة، الْجَهَلَةِ بالعِلْم والعُلَماء، وقلَّة اللهم، على موطأ مالك بن أنس، فَكُلٌّ عَابَهُ وَهَزَأَ بِهِ. فقلت لهم: ما السّبب الَّذي عبتمُوهُ من أجله؟
فقالوا: أمورٌ كثيرةٌ:
أحدها: أنّه خَلَطَ الحديثَ بالرَّأيِ.
والثاني: أنّه أدخل أحاديثَ كثيرة صِحَاحًا وقال: ليس العمل على هذه الأحاديث.
والثالث: أنّه لمْ يفرِّق فيه بين الْمُرْسَلِ من الموقوت، والمقطوع من البلاغ، وهذا من إمام -قد صَحَّتْ عندكم إمامَتُه في الفقه والحديث- نقيصةٌ، إذ قد أَسْنَدَ كلُّ مُصَنِّفٍ في كتابه أحاديثَهُ.
فقلت لهم: اعلموا أنّ مالكًا - ﵀ - إمامٌ من أيِمَّة المسلمين، وأنّ كتابه أجلّ الدّواوين، وهو أوَّلُ كتاب أُلِّفَ في الإسلام، لم يُؤَلَّف مثله لا قَبْلَهُ ولا بعدَهُ، إذْ قد بناه مالك - ﵀ - على تمهيد الأصول للفروع، وَنَبَّهَ فيه على عِلْمٍ عظيمٍ من مُعْظَم أصول الفقه التي ترجع إليه مسائله وفروعه. وَأَنَا - إِنْ شاء الله- أنبِّهكمَ على ذلك عِيَانًا، وتُحيطونَ به يقينًا، عند التّنبيه عليه في موضعه إن شاء الله.
وإن كان مَنْ سَلَفَ من الأيمّة المتقدِّمين من الفقهاء والمحدِّثين قد وضع فيه كُتُبًا كثيرةً، وإن كانت كافية شافية، وبالغَرَضِ الأقصى وافية، لكن لم يَسْلُكوا فيها هذا الغَرَض من أصول الفقه وعلوم الحديث، واستخراج النُّكَتِ البديعة والعلوم الرّفيعة.
وأقدِّم في صدر هذا الكتاب مقدِّماتٍ ثلاثًا:
[ ١ / ٣٣٠ ]
المقدِّمةُ الأولى: في التّنبيه على معرفة فضل مالك - ﵀ - ومناقبه وسَلَفِهِ، وذكر موطَّئه وشرفه.
المقدِّمةُ الثانية (*): في الردِّ على نفاة القياس من الظّاهريّة الحزميَّة، وإثبات ذلك من كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله -﵇- والإجماع.
المقدِّمةُ الثّالثة: في معرفة الأخبار وقَبُولِ خبر الواحد العدْل، ومعرفة علوم الحديث، وتبيين الْمُرسَلِ من الْمُسنَد، والموقوف من المرفوع والبلاغ. والكلام في الرِّواية والإجازة والمناولة، والقول في حدّثنا وأخبرنا، هل هما واحدٌ أم لا؟
وإن كان الشّيخ الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ قد نَبَّهَ أيضًا على ذلك في "كتاب التّمهيد لما في الموطَّأ من الأسانيد" ولكنَّه كتابٌ صَعْبٌ على الطّالب اكتسابه، ويملّ القارئ قراءته، ولم يُشْبعْ فيه من فروع المسائل وقواعد النّوازل.
وقد كان الإمام القاضي أبو الوليد الباجي قد أشبع أيضًا القول في هذا الفنّ، وَأَغفَل أيضًا كثيرًا من علوم الحديث الَّذي تضمنه "كتاب الموطَّأ".
وأما غير هؤلاء من المؤلِّفين والشّارحين لكتاب "الموطَّأ" فلا يُلتفَتُ إليهم؛ لأنّها كتُبٌ ليست بمفيدةٍ للطّالب، مثل القَنَازِعِي (١) والْبُونيّ (٢) وابن مُزَيْن (٣) فلا يُعَوَّلُ عليها. وآخر كتابٍ قيّد فيه علوم جليلة وفوائد خطيرة، فه و"كتاب القبس لشرح موطَّأ مالك ابن أنس" ﵁.
_________________
(١) (*) لم نجد هذه المقدِّمة في النّسخ المتوفِّرة لدينَا.
(٢) واسم كتابه: "تفسير الموطَّأ" وهو مخطوط بالخزانة العامة بالرباط.
(٣) واسم كتابه: "تفسير الموطَّأ"، وقد وَصَلَنا ناقصًا من أوّله وآخره، ومنسوبًا إلى غيره، وقد توَّصلنا بحمد الله إلى نسبته إلى مؤلِّفه، ويوجد مخطوطًا بالمكتبة الوطنية بتونس.
(٤) واسم كتابه: "تفسير غريب الموطَّأ" وهو مخطوط بالقيروان بتونس.
[ ١ / ٣٣١ ]
والكلامُ في شرح "الموطَّأ" إنما هو على كتاب يحيى بن يحيى اللّيثي، الَّذي دخل الأندلس وأدخله.
قال الإمام- الحافظ ﵁ -: أذكر في هذا المجموع- إنْ شاء الله تعالى- ما قّيَّدْتُه عن العلماء والمَشيخة العُلْيَا، من نوادر الغريب في اللّغة والفقه الخطير، بعد أنّ أَذْكُرَ فيه فضائل مالك ولُمَعًا من أخباره.
أمّا يحيى بن يحيى الرّاوي عنه هذا الكتاب، فهو يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيثيّ،- يُكنَى أبا محمَّد، وهو بَرْبَرِيّ الأصل من مصمودة من بني ليث، وكان خَيِّرًا وَقُورًا عاقلًا، آخذًا في هيئته بزيِّ مالك وسَمْتِهِ. سمع من مالك"الموطَّأ"، وسمع بمكَّةَ من سفيان بن عُيَيْنة، وسمع بمصر من اللّيث بن سعد، ومن عبد الرحمن بن القاسم. وقَدِمَ الأندلس بعِلْمٍ كثير، فَفَشَتِ الرِّواية على رأي مالك. ولم يُعْطَ أحدٌ في الأندلس من الْحُظوَة وعظيم الجاه ما أعطِيَهُ يحيى بن يحيى (١). وكان متغلِّبًا على الإمام عبد الرحمن بن الْحَكَم، حتى إنّ كان لا يقدَّم قاضيًا ولا كاتبًا ولا وزيرًا إلَّا بمشورته (٢)، وكان يلبس ثوب الوَشْيِ الرَّفيع، قيمته المال الكثير، ويدخل به على الأمراء (٣)، وكان غنيا. لكنّه عابَهُ أهل الأندلسَ بكثرة الوهم في كتابه، وكان الَّذي انْتُقِدَ عليه مواضع كثيرة نحو من ثلاثين موضعًا (٤)، وكان يقول في روايته: إلا بأس أنّ يدخل يخفيه ويعليه" وهو تصحيفٌ
_________________
(١) انظر: الانتقاء لابن عبد البر: ١٠٩، وإتحاف المسالك لابن ناصر الدين: ١٣٨.
(٢) وفي هذا الموضع يقول ابن حيان في المقتبس: ١٨٠ "وغلب يحيى بن يحيى على جميعهم على رأي الأمير عبد الرحمن، وألوى بإيثاره، فصار يلتزم من إعظامه وتكريمه وتنفيذ أموره ما يلتزمه الولد لأبيه، فلا يستقضي قاضيصا ولا يعقد عَقْدًا ولا يمضي في الديانة أمرًا إلَّا عن رأيه وبعد مشورته"، وانظر ترتيب المدارك: ٣/ ٣٨٢.
(٣) انظر ترتيب المدارك: ٣/ ٣٩١
(٤) يقول محمَّد بن الحارث الخشني في أخبار الفقهاء والمحدثين: ٣٤٩ "وذكر بعض الناس أنّه كان ليحيى ابنيحيى في موطأ مالك بن أنس - ﵀ - وفي غيره تصحيف. فأما إبراهيم بن محمَّد بن باز فكان يكثر على يحيى في ذلك ويقول: غلط يحيى في الموطَّأ في نحو من ثلاث مئة موضع. فذُكر ذلك لأحمد بن خالد فقال: لا ولا هذا كلّه، الَّذي صحّ من ذلك نحو ثلاثين موضعًا"
[ ١ / ٣٣٢ ]
والتصحيح بخُفَّيْهِ ونَعْلَيْهِ، فسئل يحيى عن تفسير ذلك، فقال: يسنده ويحسنه (٢) وهذا خطأ وَوَهَمٌ.
وكان يروي أيضًا فيما رأيتُه له في حديث عائشة (١) أنّها قالت: "تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بينَ حافتي وذافتي" والصواب: "بين حَاقِنَتِي وذاقِنَتِي (٢) " (٣).
وتوفي سنة أربع وثلاثين ومئتين، في أيام عبد الرحمن بن الحَكَم.