ويعودُ الفضلُ- بعد الله ﷾- لاكتشاف هذه النُّسخة للعالِم
_________________
(١) هذا الكتاب من الكتب الَّتي أكثر المؤلف من الرجوع إليها في المسالك، انظر فهارس المسالك.
(٢) انظر ترجمته في ترتيب المدارك لعياض: ٢/ ٣٢، وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي: ١/ ٢٦٩ - ٢٧٢وسير أعلام النُّبَلاء: ٨/ ١٦٩، ونفح الطيب: ١/ ٢٩١.
[ ١ / ١٨٥ ]
الفاضل، والخبير الطُّلَعَة عبد الرحمن العُثَيْمِين (١)، فهو الَّذي استطاع أن يكشف عنها القناع، وُيظهِر مكنونها، وُيزيح عنها ظلال الإبهام الَّذي ظلَّت ترسخُ فيه القرون الطِّوال، وذلك في صيف عام: ١٤١٧ هـ، بمكتبة الحرم المكي الشريف، حيث أهديت أو بيعت من طرف الحاج نجيب الدَّمْنَاتي، كاتب العدل بدينة دَمْنَات، الَّذي آلت إليه الخزانة الخاصّة للقائد عمر الكلاوي.
والنسخة الآن محفوظة بمكتبة الحرم المكي الشريف، شريط رقم: ٢٧٨٢، وهي نسخة نفيسة، كتبت في تاريخ ٢٧ رجب سنة: ٦٠٨هـ، تقع في: ١٨٨ صفحة.
وقام الأستاذ العُثَيْمِين بالاعتناء بها ونشرها سنة: ١٤٢١هـ، في مجلدين (٢)، وقدم لها بفصول عن سيرة المؤلف، وذكر شروح "المُوَطَّأ"، المخطوط منها والمفقود، ودراسة موجزة عن الكتاب وما اشتمل عليه من علوم وفوائد.
وعبد الملك بن حبيب من كبار فقهاء الأندلس، تحفلُ سيرته برصيد من الخصوصيات ذات المزايا المتنوِّعة، ويأتي في طليعتها عمله الواضح لترسيخ
_________________
(١) توَلَّى هذا الباحث المتمكِّن إدارة مركز البحث العلمي واحياء التراث الإِسلامي بمكة المكرمة في مفتتح القرن الهجري الحالي، فنهض به نهضة شاملة، وجلب له عيون المخطوطات من جميع أنحاء العالم، واستطاع أن يجعل من المركز في عهده قبلة الباحثين من كلّ حدب وصوب، وأصبح لا يقلّ نشاطا وانتاجا عن أرقى مراكز البحوث في العالم المتحضر، ونحن نشهد أننا استفدنا من توجيهاته أيام الدراسة والطلب، فجزاه الله عن العلم خير الجزاء.
(٢) وصدر عن مكتبة العبيكان بالرياض.
[ ١ / ١٨٦ ]
المذهب المالكي بالأندلس، وقد كانت له رحلة إلى المشرق، لقي خلالها أصحاب مالك وأخذ عنهم، منهم: عبد الملك ابن الماجِشُون، ومُطرِّف بن عبد الله، وأَصْبَغ بن الفرج، وغيرهم من شيوخ الرِّواية والفقه. وكلّ هؤلاء لهم سماعات من الإمام مالك، وقد روى عنهم ابن حبيب من طريق الرِّواية المباشرة، وكتبه تحفل بذلك.
وقد توفَّر على خدمة "الموطَّأ" خدمة جليلة رواية ودراية؛ فهو حلقة مهمة من حلقات الاتصال الثقافي الَّذي وصل بين المشرق والغرب الإِسلامي، ويدُّلُنا كتاب "تفسير غريب الموطَّأ" على شخصيته الجامعة بين فني الرِّواية والدِّراية، فهو في الكتاب محدِّثا، وفقيها، ولُغَوِيًّا، ونحويًّا، ومفسِّرَا، ومؤرِّخًا نسَّابة.
وتبرز أهمية هذا الكتاب العلمية في المعارف والعلوم الَّتي تضَّمنها، ففيه التفسير، والفقه، والحكم والأمثال، والشِّعر والرَّجَز، واللُّغة والنَّحو والإنساب.
أما عن منهج المؤلِّف في كتابه، فقد تكفَّل الأستاذ العُثَيْمِين ببيانه على أفضل وجه فقال (١): "يشتمل الكتاب على مسائل مشكلة من "المُوَطَّأ"، ابتدأها المؤلف من بداية "المُوَطأ" إلى نهايته؛ والتزم فيه رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثِيّ - غالبا - وهو معاصر له في بلده الأندلس، مع فساد ما بينهما من علاقة الود والصفاء، ألَّفه على طريقة السؤال والجواب، فَيُسْأَلُ المؤلِّفُ عن لفظة مشكلة
_________________
(١) في المقدمة: ١/ ١٥٥ - ١٥٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
في الحديث الوارد في "المُوّطَّأ"، فيورد الحديث بسنده ويتبين أنه لم يشرح من أحاديث "المُوَطَّأ" إلَّا ما ورد فيه لفظٌ مُشْكِلٌ يسأل عنه؛ لذا لم يشمل الشرح أحاديث الموَطَّأ كلّها، ولا أغلبها؛ فإطلاق "تفسير غريب الموطَّأ" فيه تَجَوُّزٌ، لكن هذا منهجُ شُرَّاح المشكل والغريب دائما ومفهوم المشكل والغريب عند ابن حبيب أوسعُ مما يُظَنُّ، فهما يقصد بهما غريب أو مشكل اللفظ المعنى، كذا أظن، لذلك تطرَّق إلى شرح مسائل فقهية لا إشكال فيها من حيث اللغة، ولعل الَّذي جرَّه إلى ذلك سيطرة تخصُّصِه عليه، فالمؤلِّف معدود في الفقهاء والمفتين، أكثر مما هو معدود في النُّحاة واللُّغويِّين، وقد أبدع في المسائل الفقهية وأجاد وأفاد، بينما في اللغة لا يعدو أن يكون مختلسا لكلام أبي عبيد القاسم ابن سلام -دون غيره- مفسدا قصد أبي عبيد في ذلك؟ إذ جرَّده من أغلب الشواهد الَّتي امتاز بها الكتاب، وأسقط عَزْوَ النصوص التي نقلها أبو عُبَيْد عن أبي عُبَيْدَة والأصْمَعِيّ، وأبي عَمْرو الشَّيباني، وأمثالهم، فجاءت اللغة في كتاب ابن حبيب مبتسرة غير موثقة، وكأنه هو الَّذي نقلها، وليس الأمر كذلك ".
ومع كلّ ما يمكن أن يُوَجَّه للكتاب من نَقْدٍ، إلّا أنه يشتمل على فوائد نادرة، نذكر منها مباحثه الفقهية الَّتي نقلها من شيوخه، وخاصة من تلاميذ الإمام مالك الّذين شافهوه ونقلوا آراءه الَّتي أفتى بها في مجالسه ودروسه، التي لا يضمها كتاب، وإنَّما رُوَيت عنه، وحكاها ابن حبيب عنهم، فكتاب ابن حبيب سِجِّلٌّ حافلٌ لمثل هذه الآراء، وهي -وإن كانت قليلة نظرا لصغر حجمه- فهي نادرة ومفيدة، وقد أسهم في حفظها وروايتها" (١).
_________________
(١) مقدمة العُثَيْمِين لتفسير غريب الموطَّأ: ١/ ١٥٨.
[ ١ / ١٨٨ ]