وتوجد من هذا الكتاب نسخة فريدة في التحف البرّيطاني تحت رقم: ١٩١، إضافات ١/ ٩٥١٩، الأوراق من ١ إلى ١٨٢، كُتِبَت سنة: ٨١٠ هـ ولدَينا صورة منها.
والمؤلِّفُ من النابهين ذوي التُّمَكن من العربية والحديث وعلم الكلام، المتعَمِّقِينَ في دراسة الاعتقادات، وخصوصًا آراء الأشاعرة، مع مشاركة في الطِّبِّ. وفي الأسكوريال نسخة من مؤلف له في الرَّد على الغزالي، عنوانه: "النُّكَت والأمالي في الرَّد على الغزالي".
وقد ذكَرَ ابن عبد الملك المراكشيّ في "الذَّيل والتَّكْمِلة" (١) ما يُلقي الضوء على ظروف تأليفه لشرح مشكل ما وقع في "الموَطَّأ" وكان قد شرع في تصنيفه عام ثمانية عشر وخمس مئة في شوال منه وأبلغ، وبلغ بالكلام فيه إلى النكتة الرابعة والخمسن لتسع خلون من صفر تسع عشرة، ثم قطعت به قواطع من المرض مختلفة وعلل جمة، ومطالعة طببة، في معالجة العين لرؤيا رآها، كان يُقال له فيها: ألَّفتَ في نور البصيرة فألف في نور البصر، تنفع وتنتفع، فاضرب عن إكمال النكت، وأقبل على تأليفه النافع في مداواة العين، وهو كتاب جمّ الإفادة، ثم أخطر الله بباله إكمال النكت في مستهل ربيع الأول من سنة: ست وثلاثين وخمسمائة، فكملها في يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة من العام".
_________________
(١) بقية السادس ص: ١٩٤، وقارن بالتكملة: ١/ ٣٥٨.
[ ١ / ٢٠٠ ]
يقول المؤلف في خطبة الكتاب: "الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، المانِّ على أوليائه بمعرفة وحدانيته في ذاته وصفاته ومباينته لمحدثاته، وصلى الله على محمّد الصادق بآياته ومعجزاته.
هذا؛ ولما رأيتُ أغراض المؤلفين، وألفيتُ مقاصد المصنِّفين قد انقسمت في حديث رسول الله - ﷺ - إلى البحث عن الأسانيد، واستنباط الفقه، وتفسير المذهب. ولم ألف أحدًا من المتكلِّمين ألَّف في المشكل منه كتابًا، ولا بوُّب فيه بابًا، سوى الشّيخ أبي بكر محمّد بن الحسن بن فورك الأصفهاني من أيمتنا (١) - ﵁ -؛ فإنَّه قصد منه إلى معنى واحد لم يزد عليه ولا خرج عنه إلَّا إليه. وهو كلّ خبر أوهم التشبيه، لو أجري على صريحه وتُركَ على تصريحه، فعَدل به إلى صحيح التأويل الثابت بالدليل الَّذي يجب حمله عليه، وردُّه لا محالة إليه، براءة من التَّشبيه ونزاهة عنه، وحذارًا من التجسيم، وفرارًا منه.
وترك - ﵀ - ضروبًا من المعاني المتعلِّقة بمش [كل] لم يتكلّم عليها، ولا وجَّه مقاصده إليها، وما ذلك منه إلَّا حذارًا من التطويل في الكلام، وتقريبًا على الأفهام.
وإنِّي لما رأيتُ مُوَطَّأ مالك بن أنس - ﵁ - كثيرًا ما يتناوله الكهل والصبي والراسخ الذكي (٢)، بعثت فيها على مئة نكتة وخمسين نكتة، كلها مشكلة تحتاج إلى بيان، وتفتقر إلى برهان، لم يعرج عليها المفسرون، ولا
_________________
(١) المقصود أن ابن فُورَك من كبار أيمة الأشاعرة؛ فالأمامة تنصرفُ إلى الجانب العَقَدِيّ، وإلِّا فإن الإلبيري مالكي المذهب، وابن فُورَك شافعي.
(٢) ويمكن أن تقرأ الزكي.
[ ١ / ٢٠١ ]
أمَّها المستنبطون ولا نبَّه عليها المؤلفون، ولا أشار إليها المتكلّمون، وربما تشبث بها ما يُشاكلها من غيره فأبرزتُها لذوي الألباب، وجعلتها نخبة هذا الكتاب الَّذي سمّيتهُ "الدُّرَّة الوسطى في مشكل الموطَّأ" وأضفتُ إليها ما يُشاكلها من المقدِّمات، ويليق بها من التشبيهات، وُيفصل من الاعتراضات، وجعلتُ النكت على التوالي، حتّى إذا انقضت عدَّتها، ونفذت جملتها، رجعتُ إلى بيان الأوَّل فالأوَّل منها، بالعبارة والمعاني الواضحة الجليَّة، اقتداءً بمفسِّري الغرائب (١) من أئمة اللّسان وحفَّاظه، لأكون فائزًا بحظٍ لم أسبق إليه ولا وجَّه من ذكرتُ من الأيَّمة نظرهُ إليه فأُقرب بعيده شريده، حتّى يدنو من النفوس ويألفُه أهل الفهم والنُهى، ويرفُلُ في ثوب البيان فيُكتب، وتألفهُ الأسماعُ فيُطلب، وكذا غناؤهُ فيُكتسب، ويُقرَب فلا يُستسهب، رجوتُ بذلك الذخر عند الله تعالى، والملك الأجلّ المولى".
قلنا: وليس بعد هذه المقدِّمة المبينَّة الفصيحة، الواضحة الموضحة مزيدٌ من البيان، فالمؤلف يستشعر حاجة الناس إلى شرح يعني بالمشكلّ العقدي الوارد في الحديث الشريف، ويرى في الجهد الَّذي بذله ابن فُورَك -رغم أهمّيته- عوزًا يحتاج إلى مزيد تعميق وتحرير، وهذا ما حاول أن يستدركه في كتابه، وهو شديد الاعتزاز بعمله، لا يخفي اهتباله به، ولا يتحرَّجُ من سوق الثناء عليه، ونرى أنَّه لم يعد الحقيقة ولم يجانب الصواب فيما ذهب إليه.
_________________
(١) ويمكن أن تقرأ (الغربب) أو (العربية).
[ ١ / ٢٠٢ ]