وقفنا على نسخة قيِّمة منه في مكتبة صائب بأنقرة، تحت رقم: ٢١٨٠ (من صفحة ١٨٢/ أ - إلى ٢٠٠/ ب) كُتِبَت في القرن السّادس، سنة:٥٦٣ هـ (١)، والمخطوط ضمن مجموع نفيس يحتوي على نسخة من "موطَّأ مالك" نفيسة في آخرها: "تسمية من روى الموطَّأ عن مالك" لأبي محمّد بن الأكفاني، والكتابان معًا مما سمعه الفقيه المقرئ أبو العباس ابن القصَّار الصِّقِلِّيّ، وأُجيزَ به من عبد الله ابن عبد الرحمن العُثْمانيّ الدِّيباجيّ المعروف بابن اليابس، سنة: ٥٦٣ هـ.
ومؤلِّفُ الكتاب أحمد بن عِمْرَان الأخْفَش، المعروف بالأَلْهَانيّ، محدِّث ولُغويّ، أحدُ الأخافش (٢)، وليس من مشهوريهم الثلاثة؛ ولذا نجد ترجمته عند مؤرخي طبقات المحدِّثين، كما نجد ترجمته عند مؤرخي طبقات اللغويين والنحويين. كما أنَّه عانى الشِّعر، وله أشعار كثيرة في أهل البيت، أنشد نماذج منها ياقوت في "معجم الأدباء" (٣)، وكان ينقُل عن أبي بكر الصّوليّ من كتابه الَّذي ألَّفه في "شعراء مصر".
_________________
(١) وقد وهم الأستاذ فؤاد سزكين في تاريخ التراث: ١/ ٣/ ١٣٤، عندما ذكر أن تاريخ النسخ كان في القرن الخامس.
(٢) انظرهم في بغية الوعاة للسيوطي: ٢/ ٣٨٨.
(٣) ٤/ ٧٧ - ٧٩.
[ ١ / ١٨٩ ]
ومهما يكن من أمر؛ فإن أصل الرَّجُل من الشَّام، وقد تردَّد بين الحجاز والعراق ومصر. وكان يمارسُ مهنة التأديب والتعليم؛ فقد أدَّب لإسحاق بن عبد القدوس ولدَهُ في طبرية وكتب عنه أبو حاتم بمكة المكرمة.
ويبدو أن أسباب انتشار ترجمته أملتها نوازع متعدِّدة، فأدخله الصُّوليّ في كتابه الَّذي ألفه في "شعراء مصر" واحتفظ لنا ياقوت بقطعة من هذه التّرجمة، وشيء من شعره الَّذي غلب عليه التشيُّع. ولهذا السبب ترجمهُ الخُونساري في "روضات الجنات" (١). وتنَّقُلهُ بين الشام ومصر والحجاز والعراق يُرشحهُ ليدخل في كتب حواضر هذه الأقاليم، وقد وصلتنا ترجمة الخطيب له في "تاريخ بغداد" (٢) نقل فيها عن عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" (٣)، نقل توثيقهُ عن أبيه أبي حاتم الَّذي قال عنه: "كتبتُ عنه بمكة وهو صدوق"، ولعلَّ هذا أيضًا ما يحملُ أبا حاتم بن حبَّان على إدراجه في كتابه "الثقات" وتلقانا ترجمته في اللغويين في كتاب "البغية" للسيوطي (٤).
وكتاب "تفسير غريب الموطَّأ" من الشروح المُبكِّرة الَّتي دخلت الغرب الإِسلامي في النِّصف من القرن الثالث الهجري، فإننا نعلم من خلال الفهارس أن سنده ينتهي إلى مؤلِّفه عن طريق يحيى بن عمر الأندلسي (ت. ٢٨٩هـ) (٥)
_________________
(١) صفحة: ٥٤ - ٥٥.
(٢) ٤/ ٣٣٣، التّرجمة: ٢١٥٣.
(٣) قارن بالجرح والتعديل: ٢/ ٦٦، التّرجمة: ١١٤.
(٤) ١/ ٣٥١، التّرجمة: ٦٧٦، وقارن بالوافي بالوفيات: ٦/ ١٠٨ - ١٠٩.
(٥) تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي: ٢/ ٨٤، التّرجمة: ١٥٦٨.
[ ١ / ١٩٠ ]
الَّذي رواه مباشرة عن أحمد بن عمران الأخفش مؤلِّفه. ويبدو أن يحيى بن عمر تصدَّى لنشر الكتاب وإشاعته بين طلبة العلم من أعيان أهل القيروان والأندلس. وقد كانت الرحلة إليه في وقته، مع الضبط والحفظ. وقد حمله عنه أبو عبد الله بن أحمد البياني، وابن مسرور العسال، وأبو بكر بن اللَّباد، ومن هؤلاء حملته طبقة أخرى من مشاهير القرويين والأندلسيين وسائر طلبة العلم، فيهم أبو الحسن القابسي، وأبو محمّد ابن أسد، وأبو محمَّد بن أبي زيد القيرواني، ثم عن هؤلاء كبار الحفاظ والرواة، من أمثال: حاتم الطرابلسي، وأبو بكر بن مسلم، وأبو محمّد مكِّي بن أبي طالب القيسيّ.
فلا نستغرب إذن أن نقف على نقول من الكتاب عند أبي العرب، وأبي بكر ابن العربيّ في "المسالك" والقاضي عياض وغيرهم.
والنسخة الَّتي وصلنا من الكتاب من رواية يحيى بن عمر؛ بل الكتاب هو عبارة عن مسائل مما سأل عنه يحيى بن عمر الرّاوي شيخه الأخْفَش مؤلِّف الكتاب.
ومما يزيد ما ذهبنا إليه تفسيرا وتوثيقًا وتأكيدًا، ما احتفظ لنا به ابن خير في "فهرسته" (١) من أسانيد للكتاب، ونجدنا مضطرِّين إلى نقل الفقرة معتذرين عن طولها:
"كتاب "تفسير غريب الموطَّأ". تأليف أحمد بن عمران بن سلامة الأخفش ﵀ - حدَّثني به أبو الحسن يونس بن محمَّد بن مُغِيث - ﵀ - قراءة
_________________
(١) صفحة: ٩١.
[ ١ / ١٩١ ]
عليه في منزله، قال: حدّثني به أبو القاسم حاتم بن محمّد الطرابلسي سماعا مني عليه، عن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي، عن الأخفش مؤلفه.
قال شيخنا يونس بن محمّد ﵀: وقرأته على الشّيخ الصالح أبي عبد الله محمَّد بن محمَّد بن بشير، وحدّثني به عن أبي بكر مسلم ابن أحمد الأديب، عن أبي محمَّد بن أسد، عن محمّد بن مسرور العسَّال، عن يحيى بن عمر عن الأخفش.
وحدّثني به أيضًا الشّيخ أبو الأصبغ عيسى بن محمّد بن أبي البحر الزهريّ قراءة منِّي عليه، والشّيخ أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن بقي -﵀- قالا: نابه الفقيه أبو عبد الله محمّد بن فرج، عن المقرى أبي محمّد مكِّي بن أبي طالب، عن أبي محمّد عبد الله بن أبي زيد الفقيه، عن أبي بكر بن محمَّد اللَّباد، عن يحيى بن عمر، عن الأخفش.
وحدّثني به أيضًا الشّيخ أبو محمّد بن عتاب، إجازة عن مكِّي بن أبي طالب - ﵀ - بالسَّنَد المتقدم".
وذكر الأستاذ عبد الرحمن العُثَيْمِين (١) أنه توجد نسخة من الكتاب في مكتبة القيروان، وأخرى كانت في مكتبة أحمد عُبَيْد بدمشق.