من كبار علماء الغرب الإِسلامي، فقيه ومحدِّثٌ، رَوَى بقرطبة عن أبي محمَّد الأصيلي، ورحلَ إلى المشرق وصحب أحمد بن نصر الدَّاوُدِيّ مدّة خمسة أعوام، وأخذ عنه مُعْظَم ما عنده من روايته وتآليفه، كما روى عن أبي الحسن القابسي، وغيره (٢).
قال القاضي عياض في "ترتيب المدارك" (٣): "وكان من الفقهاء المتفننين، وألف في "شرح الموطَّأ" كتابا مشهورا حسنًا، رواه عنه النّاس".
_________________
(١) كما في كتابه خلال جزولة: ٢/ ١١٢.
(٢) انظر أختاره في جذوة المقتبس: ٣٢١، والصلة: ٢/ ٥٨١، وبغية الملتمس: ٤٦١، وجمهرة تراجم المالكية: ٣/ ١٢٤٥.
(٣) ٢٥٩/ ٧.
[ ١ / ١٩٦ ]
وقد أنعم الله علينا بمنِّه وكَرَمِه، فوفَّقَنا إلى الكشف عن نسخة من هذا الكتاب النّفيس، بعد أن ظَل زمنًا طويلًا مجهولَ الذِّكْر مَغمُور النَّسَب، ومما زَهَّدَ النَّاس في فحص واختبار محتواه، أنّ بعض القائمين على خزانة القرويِّين في القرن الماضي الهجريّ، كَتب على الصفحة الأولى من المخطوط: "لعلّه للإمام الدَّاوُديّ" وسرعان ما انتشرت هذه الإشارة في الخافقين، فتناقلها كلّ من كتب عن شروح "الموطَّأ" (١)، والغريب حقًّا أن الجميع تواطئوا واتَّفقوا على نسبة هذا الكتاب المسمَّى "النامي" إلى الإمام أحمد بن نصر الدّاوديّ، مع أنّ عالم القرويِّين عندما كتب ما كتب على نسخة الغلاف، قال: "لعَلُّه للإمام الدّاوديّ" و"لعلّ" -كما هو معلوم- كلّمة شَكّ، ورجاءٍ، وطَمَع، فعالِمُ القَرَوِيِّين توقَّعَ وترَجَّى أن يكون الكتاب للإمام الدَّاوُدِيّ، بعد أن غَلَبَ هذا الهاجس على ظَنِّه، وتبادَرَ إلى ذِهْنِه، ولم يقطع بصِحَّة نِسْبَتِه إليه، ولكن آفة الأخبار رواتها، والحمد لله على كلّ حال، فقد استطعنا بعد أن التمسنا كلّ وسائل البحث والتّقصي، وسلكنا إليها كلّ سبيلٍ، أن ندفع هذا الإشكال، فازحنا عنه حجاب الكتم، وخرجنا به من ظلمات الغموض، إلى نور البيان.
وتحتفظ خزانة القرويين بهذه النُّسخة النادرة تحت رقم: ١٧٥، عدد أوراقها: ١٢٤ بترقيمنا، كتبت بخطٍّ أندلسيٍّ يميلُ إلى صنفِ المسندِ، قابلها الناسخ بالأصل أو بنسخة أخرى، وألحق السقط في الهامش.
_________________
(١) على رأسهم بروكلمان في ملحق تاريخة النُّسخة الألمانية، وسزكين في تاريخ التراث العربيّ: ١/ ٣/ ١٣٤، ١٧٥، والعثيمين في مقدمته لتفسير غريب الموَطَّأ لابن حبيب: ١/ ٧٤، وكل من كتب عن ابن نصر الداودي.
[ ١ / ١٩٧ ]
وتبدأ النُّسخة من كتاب الصلاة (١)، [باب العمل في الوضوء] في أثناء شرح حديث مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ".
وتنتهي عند كتاب الحدود، باب الرجم، في أثناء شرح حديث "مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أنه قال: جاءت اليهود إلى رسول الله - ﷺ - فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا ".
والكتاب شرح لطيف لموطأ مالك، محكم الوضع، مبسوط العبارة، جامع لشتيت المسائل الحديثية والفقهية والأصولية، بصير صاحبه باستنباط الفوائد من الموَطَّأ، عارف بمواضع الحق، خبيرٌ بالتَّصرُّف في نصوص الإثبات من علماء الأمّة، والكتاب بهذا التّفَنُّن واللَّطافَة جديرٌ بالعناية، وحَسبُنا أنّنا فَضَضْنَا خَتْمَ سِرِّهِ، فها هو الآن بين نظر الباحثين، نرجو من الله أن يوفِّقَ الكرامَ منهم لتصحيحه وتنقيحه، والاستفادة منه قدر الإمكان.