نبغ المازري بإفريقية في عصر كانت فيه الفتن قائمة على قدم وساق، وقد لاقى الناس عن ذلك الأمرَّين، فهناك فتنة سياسية حيث انقسمت أولًا
_________________
(١) المغرب ج١ ص٢٧٣.
[ ١ / ٢٧ ]
دولة صنهاجة على نفسها فقد افترق ملكها إلى دولتين (٣٧): دولة منصور ابن بلكين، أصحاب القيروان، ودولة حماد بن بلكين أصحاب القلعة، وهناك غيرهما.
والفتنة السياسية أول وهن في الدولة الصنهاجية التي عاش في أيامها المازري وليس هناك افتراق إلى دولتين فحسب، بل وراء ذلك ما وراءه حيث إن كل شق من الدولتين إذا أحس من نفسه القوة أراد التغلب على الشق الآخر.
فالمعز بن باديس الصنهاجي لما أحس من نفسه القوة بعد الاقتسام نهض إلى حماد، وذلك سنة ٤٣٢، ولكنه خاب في حملته فلم يعاود الفتنة.
ومن آخر الفتن بين الشقين أن يحيى بن العزنى صاحب بجاية أرسل بأسطول لحصار المهدية وأرفق تلك الحملة البحرية بحملة بريّة لامتلاك المهدية فاستعان الحسن بأسطول رُجار صاحب صقلية فكان ذلك من أسباب سقوط هذه المدينة.
ثم افترقت دولة صنهاجة بالقيروان على نفسها فكانت المدن الساحلية تستقل تارة عن العاصمة المهدية وترجع أخرى رجوعا ظاهريا تحت ضغط القوة، فكان بنو خرسان بتونس، وكان بنو جامع بقابس، وكان رافع بطرابلس، وحمّو البرغواطي بصافقس، واستقلت بنزرت وطبربة وغير ذلك من الحصون.
فالتفكك قد عمّ أطراف الدولة الصنهاجية وفي هذه الفترة التي تفككت فيها البلاد عاش المازري ورأى أثرها في أمته التي أصبحت فريسة سائغة للمتغلبين من النرمان الذين تغلبوا على صقلية وداسوا بأقدامهم ترابها حتى خرجت من الإِسلام. وبجانب هذا الانقسام السياسي كان هناك انقسام آخر
_________________
(١) ابن خلدون ج٦ ص ٣٢٤.
[ ١ / ٢٨ ]
في العقيدة أحدثه الشيعة المتغلبون على البلاد الذين حاربوا السنة حربا شعواء في مذهب مالك الذي تقلده عامة أهل المغرب إلى أن رفع ذلك الكابوس المعز بن باديس الصنهاجي الذي قال في حقه ابن خلدون: وكان المعز منحرفا عن مذاهب الرافضة (٣٨) كما تقدم. وأحفظ ذلك نفوس رجال الدولة العلوية فانتقموا منه بإرسال طوائف العرب من هلال الذين كانوا مع القرامطة فنزل هؤلاء على البلاد نزول الصاعقة وقضَوْا على حضارتها وما شيدته الدول القائمة بإفريقية.
وكان ذلك السبب الأكبر في انتزاء الولاة على ما في حوزتهم أو المتغلبين على ما استطاعوا التغلب عليه.
وفي هذا الجو القائم على الانقسام عاش المازري ورأى أن البلاد المنسوب إليها قد اختفت منها راية الإِسلام والبلاد التي يعيش فيها قريبة من ذلك، كما رأى احتلال نصارى جنوة للمهدية سنة ثمانين بعد الأربعمائة (٤٨٠) ولم يخرجوا منها إلا بعد أن بذل لهم تميم مائة ألف دينار ومع ذلك يقلعون بما حصل في أيديهم من المسلمين ونسائهم وأبنائهم (٣٩).
وسبب هذا الضعف والجبن والركون إلى المذلة هو أن أهل إفريقية مالوا إلى الدعة وركنوا إلى ملاذ العيش وملاهي الحياة، ففقدوا المعرفة بفنون الحرب وهابوا الموت. وفي ذلك يقول أبو الحسن محمد بن الحداد من قصيد له:
غَزَا حمَانَا العَدُوُّ في عَدِدٍ هُمُ الدُّبَى كَثْرةً أوِ النَّغَفُ (٤٠)
عِشْرُونَ ألْفًا وَنصفُهَا ائتَلَفوا مِنْ كُلّ أوْبِ لَبِئْسَمَا ائتَلَفُوا
_________________
(١) ابن خلدون ج٦ ص ٣٢٥.
(٢) رحلة التجاني ص ٢٣٨.
(٣) الدبى صغار الجراد، والنغف دود في أنوف الإِبل.
[ ١ / ٢٩ ]
جَاءُوا عَلَى غِرَّةٍ إلَى نَفَرٍ قَدْ جَهِلُوا فِي الحَرْبِ مَا عَرفُوا
وَهُمْ مِنَ العَيْشِ فِى بُلَهْنِيَةٍ وَلَيْسَ لِلدَّهْرِ أعين طرف
وقعت هذه الواقعة وعمرُ المازرى سبع وعشرون سنة، فهو قد اكتمل شبابه وأدرك الحقائق وعرف الوضع وأدرك غاية الإِدراك ما يحف بقومه من مخاطر. وهذا الوضع الذي عاشه المازري يفتح أمامنا الكثير من غامض حياته حتى ندرك الشيء الكثير من أسرارها وما خفي على الكثير من المؤرخين الذين تعجبوا من بعض جوانب حياته، وإنما تعجبوا لأنهم لم يتصوروا الوضع الذي كان فيه المازري وما هو الموقف الذي يجب أن يقفه علمه في هذه الحياة المضطربة كما يتضح ذلك بعدُ إن شاء الله.
[ ١ / ٣٠ ]