تخرج المازري بعلم من أعلام الفقه، وهو أبو الحسن علي بن محمد اللخمي دفين صفاقس المتوفي سنة (٤٧٨) حسبما في "شجرة النور الزكية" وهو صاحب "التبصرة". وقد اشتهر بكثرة الاختيار فأكثر الأقوال في المذهب المالكي حتى قال بعض المتقدمين:
لَقَدْ هَتَكَتْ قَلْبِي سِهَامٌ جُفُونُهَا كَما هَتَكَ اللَّخْمِي مذْهَبَ مَالِكِ (٥)
ولهذا بدأ به خليل حين ذكر الأربعة الذين خصهم بالتعييبن لكثرة تصرفهم بالاختيار فقال: "ومشيرا بالاختيار للخمي إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وإن كان بصيغة الاسم فذلك لاختياره من الخلاف".
قال الحطاب: وإنما بدأ باللخمي لأنه أجرؤهم ولذا خصه بمادة الاختيار.
و"تبصرته" حاذى بها "المدونة" وهو كتاب حسن مفيد وليس تعليقا على "المدونة". وهذه المحاذاة في التراجم والمعاني، والمازري من أشهر تلاميذه، ولذلك كل عن ترجم للخمي وذكر تلاميذه يصدّر بالمازري.
_________________
(١) ابن خلدون (ج٤ ص٤٥٠).
(٢) وقد ذيل هذه الأبيات محمد الكفيف الأنفاسي من أصحاب ابن غازي بقوله: وَقلَّدْتُ إذذَاكَ الهَوَى فِي مُرَادِهَا كَتَقْلِيدِ أعْلَامِ النُّحَاةِ ابْنَ مَالِكِ
[ ١ / ٣٣ ]
قال الحطاب: وتفقه به جماعة منهم أبو عبد الله المازري (٦) وكذا في "ديباج" ابن فرحون.
وكما تخرج باللخمي تخرج بابن الصائغ وهو أبو محمد عبد الحميد القيرواني السوسي القويّ العارضة نزيل سوسة والمتوفي بها سنة (٤٨٦).
له "تعليق" على "المدونة" أكمل به الكتب التي بقيت على التونسي، وقد جرت له محنة مع تميم بن المعز.
وفي ابن فرحون: وبه تفقه المازري، وأصحاب ابن الصائغ، يفضلون ابن الصائغ على اللخمي.
وكان المازري يعتمد آراء شيخه هذا في كتبه كما جاء في "شرح التلقين لكتاب الاستحقاق": "وكان شيخنا أبو محمد عبد الحميد يرى أن هذه المسائل يتعذر فرق واضح بين بعضها من بعض والخلاف يحسن أن يجري في جميعها".
وذكر المازري ذلك حين تكلم على مسألة أن الحاكم هاهنا بما ظاهره الصواب والحق، فهل يغلب حكم الظاهر على حكم الباطن فتنفذ الأحكام، أو يغلب حكم الباطن على حكم الظاهر فترد الأحكام.
وقال: هذه النكتة المتقدمة تجري في فروع كثيرة ثم أتى برأي شيخه أبي محمد عبد الحميد ابن الصائغ.
ولم يذكر كل من ترجم له من الشيوخ غير هذين غير أني رأيت في ترجمة له على بعض الأجزاء من "شرحه للتلقين" في المدينة المنورة ذكر السيوري لكن أشك في ذلك لأنه توفي سنة (٤٦٠). فعمر المازري سبع سنين وهي سن لا تقتضي أن يأخذ عنه. ثم إن المترجمين للسيوري لم يذكروا
_________________
(١) ج١ ص ٣٥.
[ ١ / ٣٤ ]
أن من تلاميذه المازري فلو كان من تلاميذه لذكروه لأنه من الشهرة بمكان. فهذا ابن ناجي ترجم للسيوري ترجمة مطولة وذكر جملة من تلاميذه ولم يذكر المازري (٧).
وإنما وقع الاقتصار على اللَّخمي وابن الصائغ من شيوخه لأنهما من أبرز شيوخه فلا بد أن له آخرين وإنما اقتصر على هذين فحسب لمكانتهما كما قدمنا.
وهذه المدرسة المتمثلة في اللخمي وابن الصائغ كان لها تأثير محدود على المازري وهي بالنظر إلى آثارها مدرسة فقهية صرفة والمازري المتخرج عليهما لم يقتصر على الفقه كاقتصارهما عليه في التأليف بل أضاف إلى الفقه غيره مما جعله يمتاز عنهما امتيازا أدى بعلم الفقه المالكي أن كان المازري منسوبا إليه القول فيه.
قال خليل: "ومشيرا بالقول للمازري كذلك"، أي يشير بصيغة الفعل فقال: لما رجحه المازري واختاره من رأيه. وإن كان قوله مختارا من أقوال أهل المذهب فيشير له بصيغة الاسم نحو القول.
قال ابن غازي في "شفاء الغليل": وخص المازرى بالقول لأنه لما قويت عارضته في العلوم وتصرف فيها تصرف المجتهد وكان صاحب قول يعتمد عليه:
إذا قَالَت حَذَام فَصَدِّقُوهَا فَإنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَام (٨)