ولما تجلت الدعوة الفاطمية وأسفرت عن وجهها الحقيقي كانت بإفريقية مقاومة الفقهاء من المالكية الذين تصدَّوا لهذه الدعوة قد وقفت في وجهها، وهي مقاومة من نوع أجدى من حمل السيف وبذلك حالوا بينها وبين الشعب.
فمن المقاومة الأولى حين تأسيس الدعوة ما قام به ابن خَيْرون، فإنه عُذب من أجل أنه سُعِيَ به لدى عبيد الله المهدي، فقتل رفسا بأرجل السودان.
ولم يترك فقهاء القيروان أرضهم بل صمدوا عاملين للسنة بكل ما أوتوا من قوة وقد صرح بصبر أهل القيروان، وثباتهم ووقوفهم في وجه هذه الدعوة ابن ناجي في كتابه "معالم الإيمان".
"وجزى الله مشيخة القيروان: هذا يموت، وهذا يُضرب، وهذا
_________________
(١) البأو: العظمة والكبر.
(٢) تبيين المعاني ص ٣٦٥.
[ ١ / ١٣ ]
يسجن، وهم صابرون لا يفرون، ولو فروا لكفرت العامة دفعة واحدة" (٨).
ولما لم يفر أهل إفريقية ظهر رجال صرفوا جهودهم لإِقامة السنة سواء بالقيروان أو بغيرها مثل الشيخ ابن أبي زيد القيرواني الذي جاهد لإِحياء السنة بدروسه، وكتبه وماله؛ فالمذهب الشيعي ممدود الأطناب، وهو يؤلف وينشر فقه مالك، "فقد كان ذابّا عن مذهبه قائما بالحجة عليه، بصيرا بالرد على أهل الأهواء" (٩).
وأعانه على قبول أقواله صلاحه وورعه وعفته، ومتانة دينه، فاستثاق الناس أقواله، وأخذوا بطريقته، لأنهم رأوها طريقة لا شائبة فيها، فقد اجتمع فيه العلم والورع، والفضل والعقل. ولإِجل المحافظة على مذهب مالك ألف رسالته الشهيرة وكان تأليفه لها بإشارة من المؤدب محرز بن خلف الصديقي (-٤١٣).
ودفعه إلى تأليفها حرصه وحرص الشيخ محرز والرغبة منهما: "في تعليم الوُلدان أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وما تعمله الجوارح: كالصلاة، وجملا من أصول الفقه وفروعه على مذهب مالك ابن أنس رحمه الله تعالى، وعلى طريقته كما يعلمون حروف القرآن، ليسبق ذلك إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه وما تُرجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته" (١٠). وفعلا أجدت هذه الطريقة، فرسخت السنة في القلوب ولم تَجِدْ المذاهب الأخرى إلى إفريقية مدخلا.
_________________
(١) معالم الإِيمان: ج٢ ص ٢٠٠.
(٢) الدِّيباج ص ١٣٧.
(٣) من مقدمة الرسالة لابن أبي زيد القيرواني التي نالت رواجا قليل النظير شرقا وغربا.
[ ١ / ١٤ ]
بما قدمه قلت جهود في التأليف والتدريس، فقد كان ذابّا عن مذهب مالك لا بالتأليف فيه خاصة، بل بما كان يقوم به من رد المطاعن والدفاع عن المذهب المالكي، فقد ألف كتابا خاصا في هذه الناحية وهو: كتاب "الذب عن مذهب مالك" (١١).
وأضاف إلى ذلك أنه قرر من ماله الخاص ما يستعين به الطلبة على مواصلة الدرس والتعلم بما يشبه اليوم المنح الطالبية فكان طلبته في بحبوحة من العيش الهنّي.
كان ﵀ من الأجواد وأهل الإِيثار والصدقة كثير البذل للفقراء والغرباء، وطلبة العلم: وكان ينفق عليهم، ويكسوهم، ويزورهم. فقد ذُكر: أنه وصل يحيى بن عبد الله المغربي حين قدِم القيروان بمائة وخمسين دينارا ذهبا ولم تقف إعانته عند الطلبة فحسب، بل كان يعين أهل العلم حتى لا ينشغل بالُهم بغير نشر العلم الصحيح، وبثّ السنة فقد جهز ابنة الشيخ أبي الحسن القابسي بأربعمائة دينار ذهبا (١٢)، وقال: كنت أعددتها من حين إملاكها لئلا ينشغل قلب أبيها من قبلِها.
وبعث إلى الفقيه أبي القاسم بن شبلون في مرضة مَرِضهَا بخمسين دينارا ذهبا (١٣).
_________________
(١) معالم الإيمان للدباغ، وابن ناجي.
(٢) أي بما يقدر اليوم بستة ملايين وأربعمائة ألف مليم.
(٣) أي بما يقدر اليوء بستة عشر من الملايين، وانظر معالم الإيمان: ج٣ ص ١٤١.
[ ١ / ١٥ ]
وبعث إلى القاضي أبى محمد عبد الوهاب البغدادي بألف دينار عينا (١٤) لأن القاضي كان يعيش في بغداد في ضائقة.
ويقابل امتزاج أهل السنة بإفريقية تعالِي الشيعة وتكالبهم على الأموال، فقد جاء في مناقب محْرَز بن خلف ما يأتي:
"وحدثني (١٥) أيضًا أن رجلًا أتى إليه (أي محرز بن خلف) قبل قتل المشارقة فذكر للمؤدب أنه يريد أن يتزوج، وليس معه شيء.
قال: فمازحه المؤدب وقال له: خذ الفَرْقَ (١٦).
قال: على أي شيء وأنا رجل فقير؟
قال: خذ الفَرْقَ على قمح ابن العظيم، وكان ابن العظيم هذا رجلًا من أكابر المشارقة وأعظمهم في ذلك الوقت.
فخرج الرجل من عنده، فقيل: افرق كما أمرك فإن الله تعالى اكرم من أن يكذب وليه. فأخذ الفرق على القمح وتزوج، فما كان إلا قليل حتى قتل الناس المشارقة، وفتحت مطامير ابن العظيم، وكان الرجل ينقل منها، ورد الفرق كما قال ﵁، وخزن عولته" (١٧).
_________________
(١) وقد شرح القاضي عبد الوهاب في رسالة الشيخ ابن أبي يزيد القيرواني، وتوجد من شرحه نسخة بليبيا.
(٢) أي حدث المؤلف للمناقب أبو محمد عبود بن غوث التاجني.
(٣) الفرق مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصاع وفي المصباح الفرق بفتحتين مكيال يقال أنه يسع ستة عشر رطلا، وفي مختار الصحاح الفرق بالسكون مكيال معروف بالمدينة، وقد يحرك، والجمع فرقان.
(٤) العولة المرة من العول وهو قوت العيال. وانظر كتاب المناقب تحقيق إدريس ص ١٢٤.
[ ١ / ١٦ ]
إنما ذهب هذا الرجل المريد للتزوج إلى المؤدب محرز لأنه يعرف أنه الوحيد الذي يمده بما يستعين به على زواجه، والمؤدب ليس من الأثرياء بخلاف ابن العظيم فإنه كان من الأثرياء ومع ذلك لم يذهب إليه لأنه لا يعينه للتكالب على جمع المال.
وزيادة على شحه كان يحتكر الطعام، ولو كان الناس في حاجة إليه، وربما لم يؤد زكاته.
ولهذا تعلق الناس بابن أبي زيد وأمثاله لأنهم لمسوا فيهم أنهم ليسوا دعاة لجمع المال باسم الدين، وإنما هم دعاة مخلصون. وما حصل لهم حصل من أوجه حلال لم يكن ليخصوا به أنفسهم، بل كانوا ينفقون بسخاء على الطلبة المزاولين للتعليم كما أنهم لم ينسوا الفقراء، فوجدوا فيهم الإعانة الكافية.
وكادت مواقف ابن أبي زيد تجلب له النقمة من رجال الدولة الصنهاجية المتغالين في الدعوة العبيدية، لولا تضامن مشيخة رجال القيروان.
ذكر القاضى عياض في مداركه في ترجمة أبى محمد عبد الله بن إسحاق المعروف بابن التبَّان (١٨):
"أن عبد الله المعروف بالمحتال صاحب القيروان شدد في طلب أهل العلم ليشرقهم (١٩)، فطلب الشيخ أبا سعيد بن أخي هشام، وأبا محمد التبان، وأبا القاسم بن شَبْلُون، وأبا محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي ﵃، فاجتمعوا في مسجد ابن اللجّام، واتفقوا على الفرار، فقال لهم ابن التبان: أنا أمضي إليه وأكفيكم مؤونة الاجتماع، ويكون كل
_________________
(١) ابن التبان كان من الراسخين في العلم والذابين عن السنة (٣٧١).
(٢) التشريق هو المذهب العبيدي الشيعي.
[ ١ / ١٧ ]
واحد منكم في داره، أنا أمضي إليه أبيع روحي من الله دونكم لأنكم إن أتى عليكم وقع على الإِسلام وهن" (٢٠).
فلما اجتمع بعبد الله المحتال عرف كيف يأخذ الرجل وكيف يستهويه أولًا، فإنه لما دخل عليه قال المحتال: أبطأت علينا، وكان عنده الداعيان أبو طالب وأبو عبد الله، فأجابه ابن التبان بأنه كان في شغل يتعلق به، وهو أنه ألّف كتابا في فضائل أهل البيت، والساعة التي جاءه فيها أتاه بالمجلد.
ثم لما دخل معه في المناظرة أفحمهما، أي الداعيين، ودارت المناظرة بينهم أولًا في تفضيل أهل البيت، فكل ذكر أنه يحفظ حديثين ولحن حيث قال: أحفظ حديثان، فقال ابن التبان: أنا أحفظ تسعين حديثا.
يدل بدؤه بهذين الأمرين أنه عرف كيف يأخذهما مع صاحب القيروان حيث إنه نفى عن نفسه وعن بقية أصحابه أنهم أعداء أهل البيت، ثم إنه أظهر للداعيين أنهما جاهلان لأنهما يحفظان حديثين وهو يحفظ تسعين فشتان ما بينهما، وبينه (٢١).
ثم لما دخلا معه في المناظرة أفحمهما ودارت المناظرة بينهم أولًا في تفضيل عليّ على أبي بكر، فهما يريدان أن تكون الأفضلية لعليّ، وأهل السنة يفضّلون الشيخين وهما: أبو بكر وعمر، وقد أبكتهما بأن أبا بكر كان مع النبيء - ﷺ - في الغار، وثالثهما الله ﷻ، استدلالا بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (٢٢) وأجاب بهذا حين قال له عبد الله: كيف يكون أبو بكر أفضل من خمسة،
_________________
(١) المدارك ج٤ ص ٥٢١.
(٢) الظاهر أنه إنما طلب من مشيخة القيروان أن يكفيهم المؤونة لأنه كان على استعداد لمثل هذا المقام.
(٣) (٤٠) التوبة.
[ ١ / ١٨ ]
وجبريل ﵇ سادسهم، فقال ابن التبان: أنا أستدل بالقرآن وأنت تستدلّ بأخبار الآحاد.
ودارت ثانيا في تفضيل عائشة على فاطمة ﵄ فأبى أولًا الدخول في ذلك، فلما قيل له لا بد استَدَلَّ على تفضيل عائشة بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (٢٣)، وبعد اليأس منه بالنيل منه وغلبته في المناظرة قال أبو عبد الله أحد الداعيين: يا أبا محمد أنت شيخ المدنيين (٢٤)، وممن يوثق بك، ادخل العهد وخذ البيعة، فأجابه أبو محمد التبّان بقوله: شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه، ويرد على اثنتين وسبعين فرقة (٢٥) يقال له هذا، لو نُشِرتُ بين اثنين ما فارقت مذهب مالك. فلم يعارضه، وقال لمن حوله: امضوا معه (٢٦).
وكان ابن التبان حين دخوله على صاحب القيروان أفاده أنه أضعف الجماعة إيمانا حيث بين له أن إيمان بقية المشيخة مثل الجبال. فلا تزعزع
_________________
(١) (٣٢) الأحزاب.
(٢) في المدارك المطبوعة أنت شيخ المؤمنين والصواب ما أثبتناه كما في معالم الإيمان: ج٣ ص ١١٥.
(٣) أشار ابن التبان بقوله هذا بأنه يرد على اثنتين وسبعين فرقة إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه، والنسائي في المنتقى، وابن ماجه في سننه عن أبي هريرة ﵁ وهو أن النبيء - ﷺ - قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة وفي رواية أخرى أخرجها ابن ماجه، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار". في رواية أخرى أن الواحدة قال فيها النبيء - ﷺ -: "هي ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
(٤) المدارك ج٤ ص ٥٢٢.
[ ١ / ١٩ ]
إيمانهم الحوادث ولا يقف في وجههم شيء، وبذلك أيأسه من أن يطمع في إدخالهم في عهده، ولا أخذ البيعة منهم.
فإذا كان الذي هو أضعفهم يقينا لو نُشِر بين اثنين ما فارق مذهب مالك ﵁ فكيف بعد هذا يطمع في مناداتهم وعرضه عليهم ما عرضه على ابن التبان.
فهذا التضامن من مشيخة القيروان في رد اليد العادية أفسح المجال لابن أبى زيد وأضرابه في إقامة الحق، وتثبيت ما غرس من مذهب مالك.
وكانت وفاة ابن أبي زيد صاحب الأيادي البيضاء على السنة وبالأخص مذهب مالك سنة (٣٨٦).
ولولا أنه توفي قبل الثورة العارمة من أهل القيروان لناله من القتل والتعذيب ما نال غيره من الذين ساروا على غراره وتمسكوا بالمالكية ضد العُبَيْدية.