بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه
أحمد الله على تتابع آلائه ودَفْعِ لأْوَائِهِ، وأَشكُرُهُ على مَا أَسْبَغَ مِنْ إفْضَالِهِ وغَمَرَ مِن نَوَالِهِ، وأُصَلِّي على أشرف الخلق: محمد وآله، وأُسَلِّم عليه إلى يوم لقائهِ. وبعد.
فهذه نكتٌ مُهمَّةٌ على "الأربعين" التي جَمَعَها العَلَّامة الحافظ: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن مري النووي -قدَّس الله روحه ونوَّرَ ضريحه- أَذْكُرُ فيها التَّعرِيفَ بِمَنْ ذُكِر مِن رُوَاتِهِ، وبيانَ حالِهِ، ونَسَبِهِ، ومَوْلِدِهِ، ووفاتِهِ، ومُبْهمَاتِهِ، وضبطِ لفظِه، وبيان إِعْرَابِ مَا يُشكل وغريبه، والإشارة إلى بعض ما يُسْتَنْبَطُ مِنهُ مِن الأصُولِ والفُرُوعِ، والآداب وغيرها.
وخَصَصْتُ هذه الأربعين بذلك؛ لأنها أَجَلُّ الأربعينات وأرفعُها، وأكثرُها فائدةً وأعظمُها، إذْ كُلُّ حديثٍ منها وُصِفَ بأنَّ مدارَ الإسلام عليه أو ثلثَهُ، ونحو ذلك -كما ذَكَرَهُ في الخطبة-.
وقد سَبَقَهُ العلامة أبو عمرو بن الصَّلاح إلى جَمْعِ الأَحاديث التي قيل أنها أصولُ الإسلام، أو عليها مدارهُ، فَبَلَّغَها ستةً وعشرين حديثًا -بعدَ أن حكى أقوال العلماء في تَعْيِين الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، واختلافهم في
[ ٣١ ]
تعيينها- وَوَصَّلَها المُصَنِّف في أَذْكَارِهِ إلى ثلاثينَ حديثًا (١)، وزادَ عليها هنا اثني عشر حديثًا فبلغت أربعين حديثًا -بِزِيادةِ حديثين- وكَأَنَّهُ رَأَى الختم بهما على الأربعين؛ لِكَوْنِ أحدهما من باب الوعظ لِمُخَالَفةِ الهَوَى، ومُتَابَعَةِ الشَّرع.
وثانيهما: من باب الرجاء والدعاء والاستغفار والإطماع في الرحمة.
وذَكَرَ في السابع والعشرين حديثين، لاجتماعهما على معنى واحد.
ومِنَ الأحاديث المهمة حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: "أَلحِقُوا الفرائضَ بأَهلِها فَمَا بَقِيَ فَلِأوَلى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢). واتَّفَقُوا عليه، فَإِنَّهُ مِن الجوامع في عِلمِ الفَرَائِض، وهو نِصْفُ العِلم على ما عُرِفَ ورُوِي (٣).
وكذا حديث عروة بن مُضَرِّس في الوقوف بعرفة. فإن الحاكم قال في "مستدركه" إنه: "قاعدةٌ من قواعد الإسلام" (٤).
_________________
(١) انظر: "الأذكار" (٦٤٣ - ٦٥٦).
(٢) رواه البخاري (٨/ ١٥٠ رقم ٦٧٣٢)، ومسلم (٣/ ١٢٣٣ رقم ١٦١٥) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٣) أمَّا ما رُوي فيه فحديث: "تَعَلَّمُوا الفَرائض وعَلِّمُوها، فَإِنَّهُ نِصْفُ العلم. . .". رواه ابن ماجه: الفرائض (٢/ ٩٠٨ رقم ٢٧١٩)، والحاكم (٤/ ٣٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وهو حديثٌ ضعيفٌ، ضعَّفه جمعٌ من أهل العلم. انظر في تخريجه: "البدرُ المنير" للمؤلف (٧/ ١٨٦: ١٨٩)، و"مصباح الزجاجة" (٢/ ٣٧١)، و"تلخيص الحبير" (٣/ ٧٩)، و"الإرواء" (٦/ ١٠٤).
(٤) (١/ ٤٦٣). ولفظ الحديث: عن عروة - ﵁ - قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ - فقلتُ: أتيتك من جبلي طَيِّئ. أكللتُ مطيتي، وأتعبتُ نفسي، واللهِ ما مَررتُ على حَبْل إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجٍّ؟ فقال - ﷺ -: "مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ هَا هُنَا وَقَدْ أَتَى عَرَفةَ قبلَ ذلِكَ، فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ وتَمَّ حَجُّهُ". رواه أحمد (٢٦/ ١٤٢ رقم ١٦٢٠٨، ١٦٢٠٩)، وأبو داود (٢/ ٣٣٣ رقم ١٩٥٠)، والترمذي (٢/ ٢٢٧ رقم ٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٤ رقم ٣٠٤٣، ٣٠٣٩ - ٣٠٤٢)، وابن ماجه (٢/ ١٠٠٤ رقم ٣٠١٦)، وابن خزيمة (٤/ ٢٥٦ رقم ٢٨٢٠، ٢٨٢١)، والحاكم (١/ ٤٦٣). وهو حديث صحيح، صححه الترمذي =
[ ٣٢ ]
وسَمَّيتُهُ: "المُعين عَلَى تَفَهمِ الأَرْبَعِين" والله أَرْغَب في النَّفْعِ بها وبأَمثَالِها، فإنه المُحْسِنُ المُتَفَضِّلُ، لا ربَّ سِوَاهُ، ولا نَرْجُو إلَّا إياه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العليِّ العظيم.
_________________
(١) = وابن خزيمة وابن الملقن والألباني وغيرهم. انظر في تخريجه: "البدر المنير" (٦/ ٢٤٠ - ٢٤٥)، و"الإرواء" (٤/ ٢٥٨ رقم ١٠٦٦). و"الحَبْل" -بالحاء المهملة-: ما دونَ الجبل في الارتفاع. وانظر "البدر المنير" (٦/ ٢٤٤).
[ ٣٣ ]