عن أمير المؤمنين أبي حَفْص عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - ﵁ - قال: سَمِعتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يقُولُ: "إِنَّمَا الأَعمَال بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امرئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولهِ، ومَنْ كانت هِجْرَتُهُ لِدُنيا يُصيبُها أو امرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هاجَرَ إليهِ" (١).
رواهُ إِمَامَا المُحَدِّثين أبو عبدِ اللهِ محمدُ بن إسماعيل البُخاري، وأبو الحُسَيْن مُسْلِم بن الحجاج القُشَيْري في "صحيحيْهِما" اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفةِ.
الكلام عليهِ مِن وُجوه -نقْتَصَر منها على ثمانيةٍ وعشرينَ؛ طَلَبًا للاختصار، وحَذَرًا من الإكثار-! (٢):
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٠٣ رقم ١٦٨، ٣٠٠)، والبخاري (١/ ١٥ رقم ١ وأطرافه: ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، ومسلم (٣/ ١٥١٥ رقم ١٩٠٧)، وأبو داود (٢/ ٤٥٢ رقم ٢٢٠١)، والترمذي (٣/ ٢٨٢ رقم ١٦٤٧)، والنسائي (١/ ٥٨ رقم ٧٥، ٣٤٣٧، ٣٧٩٤)، و"الكبرى" (١/ ١٠١ رقم ٧٨)، (٤/ ٤٤٣ رقم ٤٧١٧)، (٥/ ٢٦٧ رقم ٥٦٠١)، (١٠/ ٣٨٩ رقم ١١٨٠٤)، وابن ماجه (٤/ ٤٨١ رقم ٤٢٢٧). انظر تخريجه بتوسع في: "البدر المنير" للمؤلف (١/ ٦٥٤ - ٦٦٦).
(٢) تنبيه: عامة المسائل التي سيتكلم عليها المؤلف مختصرةٌ من شرحه الموسع لهذا الحديث في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (١/ ١٣٧ - ٢٠٨) ولذا سيحيل إليه في بعض المسائل، وقد استفدتُ من "الإعلام" في تصويب بعض الأخطاء، وتكميل بعض الناقص الذي وقع بسبب الطمس في بعض الكلمات وبالله التوفيق.
[ ٧٣ ]
أحدها: في التَّعريفِ بِرَاوِيهِ، وبالأسماء الواقِعَةِ فيهِ:
أَمَّا راوِيهِ فهو: أميرُ المؤمنين، أبو حفص، وأَوَّلُ مَن كَنَّاه بذلك رسول الله - ﷺ -.
و"الحفصُ" في اللُّغة: الأسدُ.
عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رِيَاح -بكسر الرَّاء ثم مثناة تحت- ابن عبد الله بن قرط بن رَزَّاح -بفتح الراء ثم زاي- بن عدي بن كعب بن لؤي -بالهمز وتَركهِ- بن غالب بن فهر العدوي القرشي. يجتمع مع رسول الله - ﷺ - في كعب بن لؤي.
[واتفقوا على تسميته بالفاروق؛ لفُرقَانِهِ بينَ الحَقِّ والباطل بإِسلامِهِ، وظهور ذلك. وهو أول مَن سُمِّيَ أمير المؤمنين عُمومًا، وسُمِّيَ قبله به خصوصًا عبد الله بن جحش على] (١) سَرِيَّةٍ في اثنى عَشَرَ رجُلًا، وقيل: ثمانية.
وأُمُّ عُمَر اسمها حَنْتَمة -بالحاء المهملة ثم نون ثم مثناة فوق- بنت هاشم، وأخطأ من قال: بنت هشام.
وُلِدَ بعدَ الفَيل بثلاثَ عَشرة سَنَةً، وأسلمَ بعد ستٍّ مِن النُّبُوَّة.
وقيل: خمس، بَعدَ أربعين رَجُلًا وإحدى عشرة امرأة، وكانَ إسلامه عِزًّا.
بُويع له بالخلافة يوم موت الصِّديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوِصايةِ الصدِّيق إليه.
فَتَحَ الفُتوح، ودَوَّنَ الدَّوَاوين في العَطَاءِ، وأرَّخَ التَّاريخ، وأخَّر المَقَام
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مطموس في الأصل ولم يظهر منه إلا بعض رؤوس الأحرف، وصوبناه من "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" للمؤلف (١/ ١٣٩) فإنه مطابق لكلامه هنا.
[ ٧٤ ]
إلى موضعه الآن -وكان مُلْتَصِقًا بالبيت-، وكَم لَهُ مِنْ سابقةٍ ولاحِقةٍ، ونَزَل القرآن بموافقته في عِدَّةِ مواضع.
رُوِيَ لهُ عن النبي - ﷺ - خمسمائة حديث ونيِّف، اتفق الشيخان منها على ستةٍ وعِشرين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعةٍ وثلائين، ومسلم بأحد وعشرين. ولِيَ الخِلافة عشر سنين ونصف، واستُشْهِدَ يومَ الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة -على الصحيح-، وغَسَّلهُ ابنهُ الزاهد: عبد الله، وكَفَّنَهُ في ثوبين سحولِيَّين، وصلّى عليه: صُهيب، ودُفِنَ في الحجرة النبوية على ساكنها محمد رسول الله أفضلُ الصلاة والسلام.
قَتَلَهُ أبو لؤلؤة فيروز النصراني -قاتلهُ الله تعالى- (١).
وترجمتهُ مبسوطةٌ في "شَرْحِي للعُمدَة"، وَذَكرتُ فيها أن في الرواة عمر بن الخطاب ستةٌ سواه (٢)، نعم؛ هوَ فَرْدٌ في الصحابة -رضوان الله تعالى عنهم أجمعين- (٣).
* * *
وأَمَّا البخاري -مُخَرِّجُ الحديث- فهو: أميرُ المؤمنين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَزدِزْبه -بفتح الباء وإسكان
_________________
(١) والمشهور أنه مجوسي. انظر: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" للمؤلف (١/ ١٤٣).
(٢) "الإعلام" (١/ ١٤٥). وانظر: "المتفق والمُفْترق" للخطيب (٣/ ١٦٠٠ - ١٦٠٣).
(٣) انظر: "الإعلام" (١/ ١٣٩ - ١٤٦). وانظر في ترجمة الفاروق - ﵁ - "الاستيعاب" (٢/ ٤٥٠)، و"أُسد الغابة" (٤/ ١٤٥). وأوسع ما كُتِبَ في سيرته: "محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" للعلامة يوسف بن عبد الهادي الحنبلي (٩٠٩ هـ) وهو مطبوع.
[ ٧٥ ]
الراء وكسر الدال ثم زاي ثم باء موحدة ثم هاء، وهو بالبُخارِيَّة، ومعناه بالعربية: الزرَّاع- الجعفي مولاهم.
كَتَبَ بخراسان، والجبال، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر، عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وخلق يزيدون على ألفٍ.
وروى عنه الترمذي، والنَّسائي -فيما قيل-، ومُسلم -خارج الصحيح-، وأبو زرعة، وابن خزيمة، وآخر مَن حذَث عن البخاري ببغداد: الحسين بن إسماعيل المحاملي.
وصحيحه متواتر عنهُ. واشتهر عنه مِن رواية الفِرَبْري.
وُلِدَ بعدَ صلاة الجمعة لثلاث عشرة خَلَت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلةَ عيد الفِطْر، ودُفِنَ يومَ الفِطر بعد الظهر، سنة ست وخمسين ومائتين، ودفن بخَزتَنْك -قرية على فرسخين من سمرقند- وفضائله جمةٌ أفردت بالتأليف -سقى الله ثراه- (١).
وأمَّا مسلمٌ -مخرِّجه أيضًا- فهو: الإمام أبو الحُسين مُسْلِم بن الحجَّاج ابن مسلم القُشَيْري النِّيسابوري صاحب "المسند الصحيح" وغيره.
وُلِدَ سنة أربع ومائتين، ومات في رجب سنةَ إحدى وستين.
رَحَلَ إلى الحجاز، والشام، والعراق، ومِصر، وأخَذَ الحديث عن أحمد بن حنبل، وحَرمَلة وخلائق.
_________________
(١) انظر في ترجمة الإمام البخاري وما كُتِبَ حوله: "الإعلام" للمؤلف (١/ ١١٨ - ١٢٥)، و"تهذيب الكمال" (٢٤/ ٤٣٠)، و"السير" (١٢/ ٣٩١)، و"تحفة الإخباري بترجمة الإمام البخاري" لابن ناصر الدين الدمشقي.
[ ٧٦ ]
روى عنه الترمذي حديثًا واحدًا.
فائدة: البُخَاري -بضَمِّ الباء المُوَحّدة، ثُمَّ خاءٌ مُعجَمَة- نسبةً إلى بخارى: بلدٌ معروفٌ بما وراء النهر، خَرَجَ مِنها جماعَةٌ مِن العلماء في كُلِّ فن، ولها تاريخ، ومِن أَجَلِّهم صاحِبُ "الصَّحِيح" هذا.
والقُشَيري: -بفتح الشين وسكون الياء المثناة تحت، ثمَّ راء، ثُمَّ ياء النِّسبة- نِسْبَة إلى قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلة كبيرةٌ، يُنسب إليها جماعةٌ مِن العلماء منهم هذا الإمام.
قلتُ: والقُشيري -أيضًا- نسبةً إلى قُشير بطنٌ مِن أسلَم، منهم: سلمَةُ بن الأكوَع (١).
فائدة أخرى: قِراءَةُ الحديث يُسْتَشْفَى بها عِنْدَ نُزول الكَرب، وكيفَ لا وهي أحدُ الوَحيَيْن.
حكى أبو الحسين الفَرَّاء في "طبقاته" أنَّ البخاري ذهبَت عَيْنَاهُ في صِباه فرأَى في منامِهِ إبراهيم الخليل -صلوات اللهِ وسلامُهُ عليه- فتفل فيها، أو دَعَا له فَعَادَت (٢).
فَكَأَنَّ قراءةَ الناسِ لكِتَابهِ عندَ حُلولِ الكَزبِ مأخوذٌ مِنْ ذلك؛ لأنَّ مُصَنِّفَهُ
_________________
(١) ترجمة "الإمام مسلم" في: "تهذيب الكمال" (٢٧/ ٤٩٩)، و"السير" (١٢/ ٥٥٧).
(٢) هو ابن أبي يعلى الحنبلي، والقصة رواها في "طبقات الحنابلة" (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) من طريق الخطيب، وقد رواها الخطيب في "تاريخه" (٢/ ١٠)، واللالكائي في "السنة" (٩/ ٢٩٠ رقم ٢٢٩)، وذكرها المزي في "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٤٤٥)، والذهبي في "السير" (١٢/ ٣٩٢، ٣٩٣)، وابن ناصر الدين الدمشقي في "تحفة الإخباري" (١٧٩).
[ ٧٧ ]
فُرِّجَت كُربته (١).
فائدة أخرى: قولُهُ: "إِمَامَا المُحَدِّثين" هو باعتِبار ما كانا عليه مِن الزُّهدِ والورعِ والجِدِّ والاجتهاد في تخريج "الصحيح" حتى ائتمَّ بهما من جاء بعدهما، كابن خُزيمة، وابنُ حِبَّان، وأبي عَوانة وغيرهم.
وقوله: "اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفةِ" لا شَكَّ في ذلكَ ولا مِريَةَ.
وقولُ الشَّافعي - ﵁ - مِثْل ذلك في "المُوَطَّأ" كان قَبْلَ وُجُودِهما (٢).
ثمَّ "كتاب البخاري" أصحُّ من "كتاب مُسْلِمٍ" كما ذَكَرَهُ الإسماعيلي.
وخالفَ أبو علي النيسابوري فقال: "مَا تحتَ أديمِ السَّماء أصح مِن كتاب مسلم" (٣).
_________________
(١) إن كانت القراءة من باب طلب العلم وما فيها من الصلاة على النبي - ﷺ - والعمل بما فيها، فنعم هي سببٌ لتفريج الكربات في الدنيا والآخرة؛ لأنها طاعة من الطاعات، أَمَّا إن كانت القراءة للتبرك فقط بكتاب فلان من الناس؛ لأنه ولي من أولياء الله، أو إمام من أئمة المسلمين فهذا لا يجوز شرعًا، وهي بدعةٌ مِن البدع التي شوَّهت جمال الإسلام، وهذا الذي غَلَب على أهل البدع في القرون المتأخرة، فقد كانت تنزل بهم المُصيبة، ويأتي العدو فيحتَل أرض المسلمين فيستبدلون جهاده بالاجتماع على قراءة "صحيح البخاري"؛ لعل الكُربة تُرفع! انظر: "قواعد التحديث" (٢٦٤)، و"إصلاح المساجد" (٢٥٦) كلاهما للشيخ محمد جمال الدين القاسمي.
(٢) قال الشافعي: "ما في الأرض -بعد كتاب الله﷿ - أكثر صوابًا من "موطأ" مالك". رواه ابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي" (١٩٥ - ١٩٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٢٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٧٦ - ٧٧)، والقاضي في "ترتيب المدارك" (٢/ ٧٠)، وابن الصلاح في "مقدمته" (١٨) ومَن شرحَ "المقدمة" ذَكَرَ قول الشافعي، وقد تناقلته كتب "مصطلح الحديث" في مسألة التفضيل بين كتب السنة.
(٣) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/ ١٠١)، وابن الصلاح في "مقدمته" (١٨ - ١٩)، و"صيانة صحيح مسلم" (٦٨ - ٦٩)، وذكره النووي في "شرحه لمسلم" (١/ ١٢٠) =
[ ٧٨ ]
وَوَافَقَهُ على ذلك بعضُ شُيُوخ المَغْرِب، والصَّحِيحُ الأَوَّل (١).
الوجهُ الثاني: هذا الحديثُ أَحَدُ أركانِ الإسلام، وقواعِدِ الإيمان، وهو صحيح جليلٌ مُتَّفقٌ على صِحَّته، مُجْمَعٌ على عِظَمِ مَوْقِعِهِ، وثبوته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه الحفَّاظ والأعلام الجَمّ الغفير فوق الثلاثمائة نفسٍ كما عددَهم ابن منده في "مستخرجه" (٢).
الوجهُ الثالث: هذا الحديث خَرَّجَهُ البخاري في "صحيحه" في سبعةِ مواضع منه، وخَرَّجهُ مُسْلِمٌ في "الجهاد"، وخرَّجه أصحاب "السنن الأربعة" -أيضًا-، وخرَّجه قبلهم الإمام أحمد في "مُسْنَده"، ولم يخرجه مالك في "الموطأ" مِنْ جِهته (٣).
الوجه الرابع: هذا الحديث رواه عن النبي - ﷺ - غير عمر بن الخطاب نحو عشرين صحابيًّا. لكن قال الحُفَّاظُ: "لا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جهةِ عُمَر فقط" (٤).
وهو فردٌ غريبٌ باعتِبَارٍ، مَشْهُورٌ باعتبارٍ آخر. وليسَ بمتواتر كما يُظَنُّ (٥)، فإنه لا يصح إلَّا عن عمر، ولا عنه إلَّا مِنْ جِهة علقمة، ولا عنهُ مِن جهة
_________________
(١) = والقرطبي في "المفهم" (١/ ١٠٠)، وابن ناصر الدين الدمشقي في "افتتاح القاري" (٣٣٠ ط ضمن مجموع فيه رسائله).
(٢) انظر: الإعلام (١/ ١٤٩)، و"المقنع" للمؤلف (١/ ٥٦)، "مقدمة ابن الصلاح" (١٨ - ١٩)، و"النكت" للزركشي (١/ ١٦٥ - ١٧٢)، و"النكت" لابن حجر (١/ ٢٨١ - ٢٨٩)، و"افتتاح القاري" (٣٢٩ - ٣٣٢)، و"فتح المغيث" للسخاوي (١/ ٤٦ - ٥٩).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ١٨) -تعليقًا على هذا القول وما كان من بابه: "وأنا أستبْعِدُ صِحَةَ هذا، فقد تتبعتُ طرقه مِن الرِّوايات المشهورة، والأجزاء المنثورة منذ طلبتُ الحديث إلى وقتي هذا فما قدَرتُ على تكميل المائة".
(٤) بل رواه الإمام مالك كما في رواية محمد بن الحسن الشيباني "للموطأ" (٣١٢ رقم ٩٨٣).
(٥) انظر: "مسند البزار" (١/ ٣٨٢)، و"البدر المنير" (١/ ٦٥٨)، و"طرح التثريب" (٢/ ٤).
(٦) انظر: "رؤوس المسائل" للنووي (٤٤)، و"مقدمة ابن الصلاح" (٧٧، ٢٦٨، ٢٧١).
[ ٧٩ ]
محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عنه إلَّا مِن جهة يحيى بن سعيد الأنصاري (١)، وعنه اشتهر، فرواه عنه خَلائِق -كما سلَفَ- فتكرَّرَت الغَرَابةُ فيه أربع مرَّات، وقَن ذَكَرتُ هنا، وفي "شرح العُمْدَة" أمورًا حديثثة تتعلق بإسناده فراجعها منهُ (٢).
الوجه الخامس: هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختُلِف في عَدِّها على عشرةِ أقوالٍ ذَكَرتُها في "الشرح" المشار إليه، ونَقْتَصِر منها على ثلاثة (٣):
أحدها: أنها ثلاثة، أحدها: هذا الحديث، وثانيها: حديث "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرءِ تَركُهُ مَا لا يَعْنِيه"، وثالِثُها: حديث "الحَلالُ بيِّن والحَرَامُ بَيِّنٌ".
ثانيها: أنها أربعة، بزيادة حديث: "ازهد في الدُّنيَا يُحِبّكَ اللهُ".
ثالثها: أنها خمسة، "الأعمال بالنيات"، و"الحَلالُ بَيِّن والحَرَامُ بَيِّنٌ"، "ومَا نَهيتكُم عنهُ فانتَهوا، ومَا أَمرتكُم بهِ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم"، و"لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار" (٤).
الوجه السادس: هذا الحديث عظيمُ المَوْقِع، كثيرُ الفائدة، أصلٌ مِن أُصُول الدين.
وقَد خطَبَ النبيُّ - ﷺ - فقال: "يا أيّها الناس! إنما الأعمال بالنيَّة" كما
_________________
(١) شطح قلمُ الناسخ فكتبها: "يحيى بن معين بن سعيد"، وقد ذكرها المُصنِّف على الصواب في "الإعلام" (١/ ١٥٠)، و"البدر المنير" (١/ ٦٦٠).
(٢) "الإعلام" (١/ ١٤٦ - ١٥٣).
(٣) انظر: "الإعلام" (١/ ١٥٣ - ١٥٧)، و"البدر المنير" (١/ ٦٦١ - ٦٦٣).
(٤) جميع هذه الأحاديث ستأتي ضمن "الأربعين" وسيأتي تخريجها -إن شاء الله تعالى-.
[ ٨٠ ]
أخْرَجَهُ البخاري في أَحَدِ المواضع السَّبعةِ السَّالِفةِ (١).
وخَطَبَ به عمر بن الخطاب أيضًا على مِنْبَر رسولِ اللهِ - ﷺ - كما أَخْرَجَهُ أيضًا (٢).
قال أبو داود: "وهو نِصْف الفقهِ" (٣).
وقال الشافعي -﵀-، وأحمد: "يدخُلُ فيه ثُلُت العِلمِ" (٤).
وسَبَبُهُ -كما قال البيهقي-: "أنَّ كَسْبَ العَبْدِ بِقَلْبهِ، ولسانِهِ، وجَوَارِحِهِ. فالنِّيَّة أَحَدُ أقسامها الثلاثة، وأرجحها؛ لأنها تكونُ عِبادةً بانفرادها بخلاف الآخرَين، ولهذا كانت نيَّةُ المؤمن خيرًا مِنْ عَمَله (٥)؛ ولأنَّ القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النيَّة" (٦).
_________________
(١) (٩/ ٢٢ رقم ٦٩٥٣) بلفظ: "سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: "يا أيها الناس! إنما الأعمال " ففي هذا إيماءٌ إلى أنه كان في حال الخُطبة. انظر: "الفتح "لابن حجر (١/ ١٦)، و"شرح البخاري" لابن بطال (١/ ٣٢)، و"منتهى الآمال" للسيوطي (٥٢ - ٥٣).
(٢) البخاري (١/ ٦ رقم ١، ٦٩٥٣)، ورواه مسلم -أيضًا- (٣/ ١٥١٦ رقم ١٩٠٧).
(٣) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٥٧)، وابن دحية كما ذكره المؤلف في "الإعلام" (١/ ١٥٦)، وذكره الطائي في "أربعينه" (٤٢).
(٤) رواه عن الشافعي: البيهقي في "معرفة السنن" (١/ ١٩١)، و"السنن الصغرى" (١/ ١٢)، والطائي في "أربعينه" (٤٢)، وابن عساكر في "الأربعون البلدانية" (٤٨)، والنووي في "شرحه لمسلم" (١٣/ ٥٧)، و"المجموع" (١/ ٣٦)، و"رؤوس المسائل" (٤٤)، والمصَنِّف في "البدر المنير" (١/ ٦٦٣). وذكره عنه جميع من ذكره عن الإمام أحمد. وقد ذكره عن الإمام أحمد: شيخ الإسلام كما في "مجموعة فتاواه" (١٨/ ٢٤٩)، وابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٦١)، والعراقي في "طرح التثريب" (٢/ ٥)،؛ المؤلف في "الإعلام" (١/ ١٥٨)، والحافظ في "الفتح" (١/ ١٧). وانظر في بيان دخول هذا الحديث في أبواب الفقه "الإعلام" للمؤلف (١/ ١٦٠ - ١٦١).
(٥) انظر في قوله "نية المؤمن خيرٌ من عمله"؛ "الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/ ٢٤٣ - ٢٤٣؛)، و"الإعلام" لابن الملقن (١/ ١٩٣ - ١٩٤).
(٦) "السنن الصغرى" (١/ ١٢) وقد نقله المؤلف بمعناه.
[ ٨١ ]
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "يدخلُ هذا الحديث في ثلاثين بابًا مِنَ الإرَادَات والنيَّات" (١).
وقال أبو عُبَيْد: "ليسَ شيءٌ مِن أخبارِ النبيِّ - ﷺ - حديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث" (٢).
الوجه السابع: هذا الحديثُ مِنْ أَجَلِّ أعمال القُلوب والطَّاعات المتعلِّقَةِ بها، وعليه مَدَارُها وهو قاعِدَتُها، فهو قاعِدَةُ الدِّين؛ لِتَضَمُّنه حكم النِّيات التي محلها القلب، بخلاف الذِّكر الذي مَحَلّه اللِّسان.
ولهذا لو نَوَى الصلاة بلسانه دونَ قلبِهِ لم تصح، ولو قرأ الفاتحةَ بِقَلبه دونَ لسانه لم تصح (٣)، فهو أصلٌ في وجُوب النيَّة في سائر العبادات، لأنها كالأرواح للأشباح (٤).
الوجه الثامن: هذا الحديثُ أصلٌ في الإخلاص أيضًا، وشواهِدهُ كثير مِنَ الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقال رسوله -عليه أفضَل الصلاة والسلام-: " ولَكِنْ جِهادٌ ونِيةٌ" (٥).
الوجه التاسع: افتتحَ المُصَنِّفُ -رحمهُ اللهُ تعالى- "أربَعينَهُ" بهذا الحديث؛ اقتداءً بالسَّلَف -﵏- فإنَّهم كانوا يَسْتَحِبُّونَ افتتاحَ
_________________
(١) ذكره عنه في "البدر المنير" (١/ ٦٦٣)، و"فتح الباري" (١/ ١٧).
(٢) انظر: "البدر" (١/ ٦٦٣)، و"فتح الباري" (١/ ١٧)، و"منتهى الآمال" (٥٤).
(٣) قارن هذه الفائدة بـ "التعيين" (٤٤).
(٤) يعني: كالروح للجسد، والشبح يطلق على الشخص أو ما بدا لك شخصُهُ مِن الناس وغيرهم من الخَلْق. "تهذيب اللغة" (٤/ ١٩١).
(٥) رواه البخاري (٤/ ١٥ رقم ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩)، ومُسلِم (٢/ ٩٨٦ رقم ١٣٥٣)، (٣/ ١٤٨٧ رقم ٨٥، ٨٦) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٨٢ ]
مُصَنَّفاتِهم به (١)، وفَعَلُوهُ تنبيهًا للطَّالِب على حُسنِ النيَّةِ، واهتمامه بذلك، واعتنائه به.
ومِمَّن افتَتَحَ كتابه به: البخاري، مع أَنَّهُ لا يُناسبُ ما ترجَمَهُ به مِن باب "بدء نزول الوحي"؛ وإنما أرادَ ما ذَكَرناه (٢).
الوجه العاشر: "سَمِعْتُ" قيل: تتعدَّى (٣) إلى مَفْعُولين، وهو مذهب أبي علي الفارسي في "إيضاحه" (٤).
والأصح: أنها لا تَتَعَدَّى إلَّا إلى مفعول واحِدٍ، والفعل الواقع بعدَ المفعول في موضِع الحال، أي: سَمِعتُ حال قوله كذا (٥).
الوجه الحادي عشر: لفظُ "إِنَّمَا" لفظةٌ جَليلَةٌ، وهي موضُوعةٌ للحَصْرِ تُثبِتُ المذكور وتنفي ما عَدَاهُ، هذا مذهب الجمهور مِنْ أهلِ اللغة والأصول، وعلى هذا؛ هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان للأصوليين. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات، وهو الصحيح عند النُّحاة، ونَقَلوه عن أهل البصرة (٦).
_________________
(١) وقد قال الإمام البخاري: سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي (ت:١٩٨ هـ) يقول: "مَنْ أرادَ أنْ يُصَنِّف كِتابًا فليبدَأ بحديث "إنما الأعمال". رواه البيهقي في "الصغرى" (١/ ١٠ رقم ٣)، وابن عساكر في "البلدانية" (٤٩)، وذكره النووي في "الأذكار" (٢٨)، و"شرح مسلم" (١٣/ ٥٨)، و"المجموع" (١/ ٣٧)، و"رؤوس المسائل" (٤٦)، والمؤلف في "البدر المنير" (١/ ٦٦١).
(٢) انظر: "البدر المنير" (١/ ٦٦١)، و"شرح ابن بطال" (١/ ٣١)، و"رؤوس المسائل" (٤٦).
(٣) في الأصل: "يتعدى".
(٤) انظر: "الإيضاح" (١/ ١٩٧).
(٥) انظر: "التنقيح" للزركشي (١/ ٣ - ٤)، و"منتهى الآمال" (٦٢ - ٦٣).
(٦) "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي (٣/ ١٢١ - ١٢٢).
[ ٨٣ ]
* احتج الأولون بوجوهٍ:
أحدها: أنَّ العربَ الفُصَحاء قد استعملوها في مواطن الحصر، فوجب أن تكون حقيقة فيه؛ لأنَّ الأصل في الإطلاق الحقيقة.
وعُورِضَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وأُجيب: بأنَّ المراد: هم الكامِلُونَ في الإيمان؛ جمعًا بينَ الأدِلَّةِ.
ثانيها: أنها في غالب مَوارِدِها للحصر، فَوَجَبَ أن تكونَ موضُوعةً له؛ حَملًا لها على الغالب.
وعُورِضَ بالمنع وبالتَّسليم؛ لكن لا نُسلِّم أن ذلك يوجِبُ أنها موضوعة للحَضرِ؛ لِجَواز غَلَبَةِ الاستعمال في غير ما وُضِعَت له.
ثالثها: أنَّ "إِنَّمَا" مُرَكَّبَة مِن نفي وإثباتٍ، فاقتضت لفظة "ما" نَفْيَ الحكم عَمَّا بعدَها، وإثباتُهُ لِمَا قبْلها، وهو باطِل إجمَاعًا، أو إثباتُ الحُكمِ لِمَا بعدَها ونَفْيه عن غيره، وهو المطلوب.
وعُورِضَ بأنَّها ليست نافية، بل زائدة كافَّة مُوَطِّئة لدخول الفعل كما سَلَف عن النحاة.
وأيضًا لا نُسلِّم تركيبها من "إنَّ" و"ما" بل هي كلِمةٌ موضوعة مِن أَصلِها كذلك من غير تركيب.
تنَزَّلنا وسلَّمنَا، لكن لا نُسلِّم أَنَّ "ما" فيها للنَّفْيِ.
[ ٨٤ ]
وإن سلَّمناهُ، لكن لا نُسلِّم أنَّ معنى مُفْرَدَيْهِمَا (١) -أعني: "إنَّ" و"ما"- بعد التركيب معناهُمَا قَبْلَهُ؛ لأَنَّ التركيب يُغَيِّرُ معاني المفردات نحو: "لولا" فإنها مُرَكَّبةٌ مِنْ "لو" و"لا" وليسَ معناها معنى واحد منهما.
* واحتج الآخَرون بوجوه:
أحدها: أنها وَرَدَت لغير الحَصر كثيرًا، فلتكن حقيقة فيه كما سَلَفَ.
وعُورِضَ بما سَلف.
ثانيها: أنا إذا قُلنا: إنما قامَ زيدٌ، حَسُنَ أَنْ يُقال: فهل قامَ عمرو؟ ولو كانت للحَصْرِ لَمَا حَسُنَ هذا الاستفسارُ؛ لأنَّهُ تحصيلُ حاصِلٍ.
وللأوَّل أن يُجيب: أنه إنما حَسُن لاحتمال أنها استُعمِلَت في غيره مجازًا، لَا لأنها تَقْتَضِي الحَضرَ.
ثالثها: أنها لو كانت للحصر لاستوى قولنا: "إنما قام"، و"ما قام إلَّا زيد" لكنَّهما لا يستويان، إذ الثاني أقوى مِنَ الأوَّل.
وجوابهُ بمنع القوة، تَنَزَّلنا وسَلَّمنا، لكن لا يلزم أنها ليست للحصر؛ لجواز اشتراكهما فيه، واختصاص أحدهما بمزيد قوة تأكيد فيه، كما اشترك "السين" و"سوف" في معنى "التنفيس"، وكانت "سوف" أكثر تنفيسًا؛ لكثرة حُرُوفِها، فكذلك: "ما قامَ إلا زيد" أكثر حُرُوفًا مِنْ "إنما قامَ زيد"، ولأنَّ الحصر في "إِنما قامَ زَيد" معنوي، وفي "مَا قَامَ إلا زيد" لَفْظِيّ، فاقتضى التـ]ـصرِيحَ (٢)؛ لأجل "مَا" و"إلَّا" جمعًا بينَ النَّفي والإثبات بالمُطَابقة.
_________________
(١) في الأصل: "مفردها معناها" والتصويب من "التعيين في شرح الأربعين" للطوفي (٣٠) فقد نقل المؤلف كلام الطوفي بحروفه، وسياق الكلام يدل عليه.
(٢) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأَثبتُّهُ من "التعيين" للطوفي (٣١).
[ ٨٥ ]
رابعها: أنَّ أُسامة بن زيد روى: "إِنَّمَا الرِّبا في النسِيئَةِ" (١) ولم ينْحَصِر الرِّبا فيها، بل هُوَ ثابتٌ في التَّفَاضُلِ.
وأُجيب: بأنَّ ابن عباسٍ من أهلِ اللسان وقد فَهِمَ من حديث "إنما" الحَصر، وقال به. وإنما رِبَا الفَضْل ثابتٌ بدليل آخر [ناسِخ] (٢) لهذا المفهوم.
وحديث: "مَا مِن نَبيٍّ من الأنبياء إلا وقد أُوتِيَ مِنَ الآيات مَا آمنَ عليهِ البَشَرُ، وإِئمَا كانَ الذي أوتيتُهُ وحيًا " (٣) هي هنا لإثبات الوحي لا لِنَفي ما عَدَاه، فإِنَّهُ قد ثَبَتَ لهُ غيرهُ مِنَ الآيات.
وحَكَى بعضُ شارحي هذه "الأربعين" أن "إنما" تَقْتَضِي الحصرَ عُرفًا لا وضعًا؛ لأنَّ الوضع غُيِّبَ عنا بخلاف العُرف فإنه كثير (٤). وقد ذَكَرتُ هنا في "شرح العُمدَة" فوائد متعلقة بهذه اللفظة فراجِعها منه (٥).
الثاني عشر: "الأعمال" حرَكَاتُ البَدَن، ويُتَجَوَّزُ بها عن حركات النفس، وإنما عَبَّرَ بـ "الأعمال" دون "الأفعال"؛ لِئَلَّا يتناول أفعال القلوب، كالخوف والرجاء وغيرهما، فَإِنَّها متميزةٌ (٦) لله تعالى بصورتها.
الثالث عشر: النيَّات جمعُ نيَّة -بالتَّشديد، وقيل: بالتخفيف-، وجُمِعَت لاختلاف أنواعها، وأصلها: القصد، وهو عَزمُ القلب (٧).
_________________
(١) رواه مسلم (٣/ ١٢١٨ رقم ١٥٩٦/ ١٠٢، ١٠٤).
(٢) طمس في الأصل وصوَّبته من "التعيين".
(٣) مضى تخريجه ص (٤٦).
(٤) انظر: "التعيين" (٣٢).
(٥) "الإعلام" (١/ ١٦٨ - ١٧٣)، وانظر في الكلام على إفادة "إنما" للحصر "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٨/ ٢٦٤).
(٦) في "الإعلام" (١/ ١٧٥): "مستمرةٌ"!
(٧) ينظر: "التنقيح" (١/ ٤)، و"الفتح" (١/ ١٨).
[ ٨٦ ]
وفي الشرع: القَصدُ المُقْتَرِنُ بالفِعل.
ومحلُّها القلبُ عند الجمهور، ويُستَحَب مساعدة اللسان له خلافًا للمالكية (١).
الرابع عشر: الباء في قوله "بالنيَّات" يحتَمل أنْ تكُونَ "باء" السَّبب، ويحتمل أن تكون "باء" المُصَاحبة، ويَنْبَنِي على ذلك: أنَّ النية جزءٌ مِنَ العِبادة أم شَرطٌ؟ والأصح الأول (٢).
الخامس عشر: قوله -﵊- أيضًا: "بالنيات" هو متعلق بالخبَر المحذوف، وهل التَّقديرُ صحّتها أو كمالها؟ فيه مدهبان للأصوليين، وأظهرهما أوَّلهما؛ لأنه أقرَبُ إلى حُضُوره بالذِّهن عندَ الإطلاق، فالحَملُ عليه أولى، وقد قال به: الشافعي، ومالك، وأحمد، وداود، وجمهور أهل
_________________
(١) انظر: "إكمال المعلم" (٦/ ٣٣٢)، و"عِقْد الجواهر الثمينة" لابن شاس (١/ ٩٧) وقول المالكية هو الصواب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "الفتاوى" (١٨/ ٢٦٢): "والنيَّة محلها القلب باتفاق العلماء". وقال الإمام ابن القيِّم في "زاد المعاد" (١/ ٢٠١): "كان النبي - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر" ولم يقل شيئًا قبلها ولا تلفظَ بالنيَّةِ ألبتَّة، ولا قال: أُصلِّي لله صلاةَ كذا وهذه عشرُ بدع لم يَنقتُل عنه أحدٌ قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسندٍ ولا مُرسَلٍ لفظةً واحِدَةً منها ألبتَّة، بل ولا عن أحدٍ مِن أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ مِن التابعين، ولا الأئمةُ الأربعة، وإنما غَرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي - ﵁ - في الصلاة: "إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحدٌ إلَّا بذكر" فظَنَّ أنَّ الذَكْرَ تَلَفُّظُ المُصَلِّي بالنية، وإنما أراد الشافعيّ -﵀- بالذّكرِ: تكبيرةَ الإحرام ليسَ إِلا، وكيفَ يَستَحِبُّ الشافعيُّ أَمرًا لم يفعله النبي - ﷺ - في صلاة واحِدَةٍ، ولا أحدٌ مِنْ خُلفائهِ وأصحابه، وهذا هديُهم وسيرَتُهم، فإنْ أَوْجَدَنَا أحدٌ حَرْفًا واحِدًا عنهم في ذلكَ قَبلْنَاهُ، وقَابَلْنَاهُ بَالتَّسلِيم والقَبُول، ولا هديَ أَكمَلُ مِن هديِهم، ولا سُنَّةَ إلَّا ما تَلقّوه عن صَاحب الشَّرع - ﷺ - ".
(٢) انظر: "الإعلام" (١/ ١٨٠ - ١٨١).
[ ٨٧ ]
الحجاز، فلا تصِحُّ طهارة إلَّا بنية وضوءًا كان أو غُسلًا أو تيَمُّمًا.
وذَهب أبو حنيفة -﵀- ومَن وافَقَهُ إلى الثاني، فيصِحَّان بغَيْر نِيَّةٍ، ووافق في التَّيمم.
وأبعدَ الأوزاعي فقال: يصح بغيرِ نِيَّةٍ -أيضًا-.
والمسألة مبسوطةٌ بأَدِلَّةِ الفريقين في "شرحي للعمدة" فراجِعهُ منه، وذَكَرتُ فيه مع ذلك فُرُوعًا مُهِمَّةً تَتَعَلَّقُ بالنيَّة فسارع إليه (١).
السادس عشر: قوله -﵊-: "وإِنَّمَا لِكُلِّ امرئٍ ما نَوَى" أي جزاءُ ما نوى خيرًا وشرًّا، فهوَ مِن باب حَذْفِ المُضَاف نحو: ﴿وسئل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهلها.
السابع عشر: فائدة ذِكرِ قوله "وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى" بعدَ قوله: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات" تَعيِينُ المَنْوِي؛ ومَنع الاستِنَابَةِ فيها، وقد استُثْنِي مِن الثَّاني نيَّةُ الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذميَّة عند طُهرها مِنَ الحَيْض على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيرهِ.
وكَذا إذا وكَّلَهُ في تَفْرِقَةِ الزكاة وفَوَّضَ إليهِ النيَّة ونوى الوكيل فإنَّهُ يجزِئُهُ كما قاله الإمام، والغزالي، و"الحاوي الصغير" (٢).
_________________
(١) "الإعلام" (١/ ١٨٢ - ١٩٤)، وانظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١٨/ ٢٥٧ - ٢٦٠).
(٢) يُطلِق الشافعية "الإمام" على الجويني، و"الحاوي الصغير" هو لعبد الغفار بن عبد الكريم القزويني الشافعي (ت: ٦٦٥ هـ) ترجمته في "طبقات الشافعية" للسبكي (٨/ ٢٧٧). انظر في هذا: "مصطلحات المذاهب الفقهية" (٢٣٦، ٢٤٤). وفي "الإعلام" (١/ ١٩٧) وقع هكذا: " قاله الإمام الغزالي في الحاوي الصغير"!
[ ٨٨ ]
الثامن عشر: إن قُلتَ: أداءُ الدَّيْنُ، وردُّ الودائِعِ، والأَذَانُ، والتِّلاوةُ، والأَذكارُ، وهِدَايَةُ الطَّريقِ، وإِمَاطَةُ الأَذَى عِبَادَاتٌ، وتَصِحُّ بلا نِيَّةٍ؛ فالحَدِيثُ إذن عامٌّ مَخْصُوص!
قلتُ: لا نُسَلِّم أوَّلًا صحّتها بلا نِيَّةٍ.
تَنَزَّلنا وسلَّمناهُ؛ فالنيةُ مُلازِمَةٌ لها، فَإِنَّ مُؤَدِّي الدَّيْن قَصَدَ براءَةَ الذِّمَّة وهو عِبادة، وكَذا الوديعة والأذكار والتلاوة والأذان، لا ينفكُّ تعاطيهن عن القَصْد وهو نية، والهِدَاية والإماطَة مُتَرَدِّدٌ بينَ القُربة وغيرها وتتميَّز بالقَصد، والأفعال العادِيَّة كالأكل والشّرب والنَّوم ونحوها يترتب آثاره عليها من غير نيَّة؛ نعم، وُجُود النية يُصَيرها طاعات.
التاسع عشر: "الهجرة" في اللغة: التَّركُ، والمُرَادُ بها هنا: تركُ الوَطَن والانتقال إلى غيره. وهي:
في الشَّرع: مُفَارَقَةُ دارِ الكُفْرِ إلى دَار الإسلام خوفَ الفِتنَة، وطَلَبَ إقامَةِ الدِّينِ.
وفي الحقيقة: مُفَارقة ما يَكْرَه الله تعالى إلى ما يُحِب.
وَوَقَعَت في أوَّل الإسلام على خمسة أوجُهٍ:
إلى الحَبَشَة مَرتين.
ومِن مكَّةَ إلى المدينة.
وهِجرةُ القبائل إلى رسول الله - ﷺ - وإلى أهاليهم (١).
_________________
(١) يوضحهُ كلام المؤلف في "الإعلام" (١/ ١٩٩) أنها هجرة القبائل إلى الرسول - ﷺ - قَبْلَ الفتح؛ لأخذ العِلم عنهُ كَوَفْدِ عبد القيس، ثم يرجعون إلى أهلهم ليعلموهم.
[ ٨٩ ]
وهِجرَةُ مَنْ أسلم مِن أهل مَكَّةَ إلى المدينة، ثُمَّ إلى أهلِهِ (١).
وهِجْرَةُ ما نَهى اللهُ تعالى عنهُ وهي العُظْمَى، وقَد أوضَحْتُها في "شَرحي للعُمدَة" (٢).
وفي الحديث: "المُجَاهدُ مَنْ جَاهدَ نَفْسَهُ، والمُهاجِر مَنْ هجَرَ مَا نَهى اللهُ عنهُ" (٣).
وأفْضَلُ المُسْلِمِين أصحابُ الهِجرَتَيْن إلأ ما خَصهُ الدليل.
والهِجْرَةُ باقيةٌ إلى يومِ القِيامة. وحديث "لا هجْرَةَ بَعْدَ الفَتْح" (٤) مُؤَؤَلٌ: إمَّا على الكَمَال؛ وإمَّا على الهِجْرة من مَكَّةَ إذا صارت دار إسلام (٥).
العشرون: قوله -﵊-: "فمن كانت هجرتهُ إلى الله ورسوله" أي: نِيَّةً وعقدًا، "فهِجرَتُهُ إلى الله ورسوله" حُكْمًا وشَرعًا، أو مقبولةً. وإنما قدَّرنا ذلك؛ لأنَّ الشَرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بُدَّ مِن تغايرهما.
_________________
(١) هذه هجرة من أسلم من أهل مكَّةَ ليأتي إلى النبي - ﷺ - ثم يرجع إليها كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح. "الإعلام" (١/ ١٩٩).
(٢) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (١/ ١٩٨ - ٢٠٠).
(٣) رواه أحمد (٣٩/ ٣٨١ رقم ٢٣٩٥٨)، وابن المبارك في "الزهد" (٢٨٤ رقم ٨٢٦)، وابن حبان (١١/ ٢٠٤ رقم ٤٨٦٢)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٣٠٩ رقم ٧٩٦)، والحاكم (١/ ١٠ - ١١) من حديث فَضَالة بن عُبيْد - ﵁ - وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات. والحديث له طرق أخرى، وفي الباب عن أنس، وأبي ذر - ﵁ -، والحديث صححه ابن حبان، وجوَّد إسناده الألباني في "الصحيحة" (٣/ ٤٨٣ رقم ١٤٩٦).
(٤) رواه البخاري (٣/ ١٤ رقم ١٨٣٤، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩)، ومسلم (٢/ ٩٨٦ رقم ١٣٥٣) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٥) انظر إجابة أوسع للمؤلف في: "الإعلام" (٦/ ١٢٢).
[ ٩٠ ]
الحادي بعد العِشرين: قوله -﵊-: "فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله" هوَ تفصيلٌ لِمَا سَبَقَ في قوله: "إنما الأعمال بالنيَّات" وإنَّمَا فَرَضَ الكَلامَ في الهِجْرة؛ لأنَّها السَّبَبُ الباعِثُ على هذا الحديث كما سيأتي.
وقوله: "فمن كانت هجرته " إلى آخره، هو على عُمُومه؛ لاختصاصها بالهجرة التي هي مِنْ العِبَادَات وهي مُتَوَقِّفة على النيَّة.
الثاني بعد العشرين: "الدُّنيا" بِضَمِّ الدال على المشهور، وحُكِيَ كَسْرُها (١).
وقوله: "دنيا" هو مقصورٌ غير مُنَوَّن -على المشهور- وحُكِيَ تنوينها، وهي مِن: دنوتُ، لِدنوها وسَبْقها الدار الآخرة.
وفي حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين:
أحدهما: ما على الأرض من الهواء والجو.
وأظهرهما: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة (٢).
الثالث بعد العشرين: المرادُ بالإصَابةِ: الحُصُول، شبَّه تحصيلَ الدنيا بإِصَابَةِ الغَرَضِ بالسَّهم بجَامِع حُصُولِ المقصود.
_________________
(١) حكاه ابن قَتيبة في "أدب الكاتب" (٤٢٥)، وانظر: "الصحاح" للجوهري (٦/ ٢٣٤٢)، و"التنقيح" للزركشي (١/ ٦)، و"منتهى الآمال" (١٣٩).
(٢) انظر: "البدر المنير" (١/ ٦٦٤)، و"الإعلام" (١/ ٢٠٣)، و"طرح التثريب" (٢/ ٢٥)، و"الفتح" (١/ ٢٣ - ٢٤)، و"منثهى الآمال" (١٤٠ - ١٤١).
[ ٩١ ]
الرابع بعد العشرين: معنى "ينكِحها": يتزوجها، كما جاء في رِوَايَةٍ أُخرى، وقد تُستعمَل بمعنى الاقتران بالشيء، ومِنهُ قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أي: قَرَنَّاهُم، وقيل: أنكحناهم.
الخامس بعد العشرين: إنّما ذُكِرت المرأةُ مع الدُّنيا مع أنها داخِلَةٌ فيها؛ لأنَّهُ ورَدَ على سببٍ: فإنَّ شَخْصًا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ بِنِيَّةِ أن يتزَوَّجَ بامرأةٍ يقالُ لها أمُّ قيس -وأفادَ ابن دِحية أنَّ اسمها: قَيْلة- فسُمِّي مهاجِر أمّ قيس (١)، فَذُكِرَت المرأةُ لأجل تبيين السَّبب، وقيل غير ذلك (٢).
وبعضهم أفرَدَ هذا بالتَّصنيف -أعني: أصحاب الحديث- كما أُفرِدَ سبب نزول القرآن العظيم (٣).
السادس بعد العشرين: إِنَّمَا ذمَّ على إصابة الدنيا -وإن كان مُبَاحًا-؛ لأنَّهُ خَرَجَ في الظاهر لطلب فضيلة الهِجرة، وأبطنَ خلافَ ذلكَ؛ فلذلك توَجَّة الذَّمُّ عليه.
_________________
(١) انظر "الإعلام" (١/ ٢٠٤ - ٢٠٦)، و"البدر المنير" (١/ ٦٦٤ - ٦٦٦)، و"أعلام الحديث" للخطابي (١/ ١١٩)، و"شرح النووي" (١٣/ ٥٩)، وابن بطال (١/ ٣٣)، و"المفهم" (٣/ ٧٤٥)، و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١٨/ ٢٥٣)، و"الإحكام" لابن دقيق العيد (١/ ٦٤)، و"جامع العلوم" لابن رجب (١/ ٧٤)، و"طرح التثريب" للعراقي (٢/ ٢٥ - ٢٦)، و"فتح الباري" (١/ ٢٤)، و"منتهى الآمال" (٥٣). قلتُ: وقد روى الطبراني في "الكبير" (٩/ ١٠٣ رقم ٨٥٤٠) عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: "هاجَرَ رَجُلٌ ليتزؤَجَ امرأةً يُقال لها: أم قيس. وكان يُسمَّى مهاجر أم قيس". قال الهيثمي (٢/ ١٠١): "رجاله رجال الصحيح".
(٢) انظر: "شرح النووي" (١٣/ ٥٩)، و"شرح ابن بطال" (١/ ٣٢ - ٣٣)، و"البدر المنير" (١/ ٦٦٤)، و"الفتح" (١/ ٢٤)، و"منتهى الآمال" (١٤١ - ١٤٢).
(٣) ينظر: "الإعلام" (١/ ٢٠٥).
[ ٩٢ ]
السابع بعد العشرين: إنما لَمْ يُعِد ذِكْرَ الدُّنيا في الثانية كما أعاد ذِكر الله ورسوله في الأول للإعراض عن تكرير لفظِها، وعَدَم الاحتِفَالِ بأمرِها، كأنَّهُ قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" وهو حقيرٌ هيِّن، وأيضًا ذِكْرُ الدُّنيا والنِّكاح مما يُستَحى (١) منهُ عادة فلهذا طُوِيَ بخِلاف الأَوَّل حيثُ أُعيد للتَّبَرُّك والتعظيم، ولا شكَّ أَنَّ مَنْ سَعى إلى باب الملك لأجلِ تعظيمه فقط أبلغُ ممن سعى إليه لشيءٍ مما عندهُ.
الثامن بعد العشرين: اللَّام في "الدُّنيا" هي للتَّعلِيل (٢)، ويُحتمل أن تكون بمعنى "إلى"؛ لأنَّهُ قابله إلى حيث قال: "فهجرَتُهُ إلى مَا هاجَرَ إليهِ" (٣).
_________________
(١) في "التعيين" (٤١): "مما يُسْتَحْلى عند عامة الناس" فليحرر.
(٢) أي: مَن كانت هجرته لعلة دنيا أو لأجل دنيا. انظر: "التعيين" (٣٩).
(٣) تقدَّم أن المؤلف أطال الكلام حول فوائد هذا الحديث ومسائله في كتابه "الإعلام" (١/ ١٣٨ - ٢٠٨) وقد اختصر ما في "الإعلام " ودوَنه في كتابه هذا مع بعض الفوائد التي توجد هنا ولا توجد هناك، ولذا فمن أراد الاستزادة فعليه بـ "الإعلام". ولابن دِحية رسالة في شرح هذا الحديث كما في الإعلام للمؤلف (١/ ٢٠٢)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، شرحٌ لهذا الحديث، انظره في: "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٢٤٤ - ٢٨٥)، وللسيوطي رسالة -أيضًا- بعنوان "منتهى الآمال في شرح حديث إنما الأعمال".
[ ٩٣ ]