عن أبي هُرَيْرَةَ عبدِ الرَّحمن بنِ صخْرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "مَا نَهيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهمْ، واخْتِلافُهمْ على أَنْبِيائِهمْ".
رواه البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١)
* * *
الكلامُ عليهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أحَدها: في التَّعْرِيف بِرَاوِيهِ، وما ذَكَرَهُ في اسمِهِ هو الأصحُّ مِنْ عِدَّةِ أقوال.
وصحَّحَ غيرهُ: عبدُ شمسٍ، وعبدُ الله.
وهو أوَّل من كُني بهذه الكنية؛ لهِرَّةٍ كان يَلعَبُ بها، كنَّاهُ الشَّارعُ بذلكَ، أو والِدُهُ، أو لأنَّهُ كان يُحْسِنُ إليها، وهو راوي حديث: "دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ " (٢). فَلَعَلَّهُ أخذَ بقِيَاس العكسِ، ورَجاءَ الثواب في هذه.
_________________
(١) رواه البخاري (٩/ ٩٤ رقم ٧٢٨٨)، ومسلم (٤/ ١٨٣١ رقم ١٣٣٧/ ١٣١)، وأحمد (١٢/ ٤٦٨ رقم ٧٥٠١) من طريق أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -، وهذا لفظ مسلم. وله طرق أخرى عن أبي هريرة يطول الكلام عليها.
(٢) رواه البخاري (٤/ ١٣٠ رقم ٣٣١٨)، ومسلم (٤/ ١٧٦٠ رقم ٢٢٤٢، ٢٢٤٣).
[ ١٧٩ ]
أسْلَمَ عامَ خيبَر، وروى فوقَ خمْسَةِ آلاف، وماتَ بالمَدِينةِ بعدَ الخمسين، ودُفِنَ بالبَقيع، وما اشْتَهرَ أنَّ قَبرَهُ بِقُرب عَسْقَلان فلا أصلَ لهُ، ذاكَ صحابيٌّ آخر اسمُهُ جندرةُ بنُ خَيْشَنة أبو قِرْصَافَةَ (١)، فاسْتَفِد ذلك.
ثانيها: قوله: "واختِلافُهم" هو بضَمِّ الفاء لا بِكَسْرِها، كما ضَبَطَهُ النَّوَوي في "نُكَتِهِ" (٢) عطفًا على"كثرة" لا على "مسائلهم" أي: أهلكهم كثرة مسائلهم، وأهلكهم اختلافهم، وهو أبلغ؛ لأنَّ الهلاكَ نشأ عن الاختلاف.
ثالِثها: هو أَنَّ الحديث ذَكَره مسلمٌ مطوَّلًا، وزاد في أوَّله: خَطَبَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - فقال: "يا أَيُّها النَّاس! قد فُرِضَ عليكُم الحَجُّ فحُجُّوا" فقال رَجُلٌ (٣): أكلَّ عَامٍ يا رسُولَ اللهِ؟ فسَكَتَ -حتى قالها ثلاثًا-، فقال رسول الله - ﷺ -: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُم" ثمَّ قال: "ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتكُمْ بشَيءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" (٤).
وهذا السائل هو الأقرع بن حابس كما جاء في رِوايةٍ أُخرى (٥).
_________________
(١) ترجمته - ﵁ - في: "الاستيعاب" (١/ ٢٥٣)، و"أسد الغابة" (١/ ٣٦٤). ووقع في الأصل: "ابن قرصافة" والتصويب من كتب التراجم.
(٢) انظر خاتمة: "الأربعين" (٩٣).
(٣) في الأصل: "الرجل" والمثبت أصوب، وهو لفظ الحديث.
(٤) مسلم (٢/ ٩٧٥ رقم ١٣٣٧).
(٥) هي رواية ابن عباس، رواها: أبو داود (٢/ ٢٣٧ رقم ١٧٢١)، والنسائي في "المجتبى" (٥/ ١١١ رقم ٢٦٢٠)، و"الكبرى" (٤/ ٥ رقم ٣٥٨٦)، وابن ماجه (٢/ ٩٦٣ رقم ٢٨٨٦)، وأحمد (٤/ ١٥١ رقم ٢٣٠٤)، والحاكم (١/ ٤٤١)، والبيهقي في " الكبرى" (٤/ ٣٢٦) وهو حديث صحيح، صححه الحاكم والذهبي، والألباني في "صحيح سنن أبي داود" (٥/ ٤٠٥ رقم ١٥١٤). تنبيه: ما ذكرناهُ من تعيين السائل وتخريج حديثه يُستدرك علي ما جاء في: "تنبيه المُعْلِم بمبهمات صحيح مسلم" لسبط ابن العَجَمِي (٢٢٨ رقم ٥١٢) وعلى ما في حاشيته.
[ ١٨٠ ]
رابعها: هذا الحديث يرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] الآية. وهو دالٌّ على وُجُوبِ أَمْرَيْن:
تركُ المَنْهِيَّات، والأمر بالاجتِنَاب هو للوجُوب، وفعل المستطاع من الأمور، لقوله: "فأْتُوا" أي: افْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُم، والأمْر بفعله للوجوب، قاك تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والحديث مُخَصِّصٌ للآيةِ، أو مُبيِّنٌ لها، أو أنَّ الآيةَ خُضَّت بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهي مُفَسِّرَةٌ لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أو ناسِخَةٌ لها.
و﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو: امْتِثالُ أوامِرِهِ واجْتِنابُ مَنَاهِيهِ.
ولم يأمرنا تعالى إلَّا بالمُسْتَطَاع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال في الحجِّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهو رُخْصَةٌ مِنْهُ علينا بذلك، والاستطاعة: الإطاقة.
خامسها: هذا الحديث أحدُ قواعِدِ الإسلام المُهِمَّةِ، ومِمَّا أوتيه -عليه أفضلُ الصلاة والسلام- مِنْ جَوَامِعِ الكلمِ الجَمَّةِ؛ فإنَّهُ يدخُلُ فيه مَا لا يُحْصَى مِنَ الأحكام: كما إذا وَجَدَ بعض ما يكفيه لطَهَارتِهِ فإنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ ويتيمم للباقي، وكَمَا إذا قدر علي بعضِ الفاتِحَة، أو بعضِ السُّترة، أو بعض الفطرة في الزَّكاة، وغير ذلكَ مِمَّا لا يُحْصَى مِمَّا أوضَحْنَاهُ في "الأشباه والنظائر" (١) ولله الحمدُ.
_________________
(١) انظر: "الأشباه والنَّظائِر في قواعد الفقه" تأليفه (١/ ١٧٤ - ١٨٢).
[ ١٨١ ]
وكذا إذا وجبَ إزالةُ مُنْكَراتٍ قدرَ على البَعْض، وما يُباح للاضطرار ولا يدخلُ في النَّهي فإنه أذن فيه، وكذا الإكراه على الرِّدَّةِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ونحو ذلك.
والمَأْمُورُ به مُتَوَقِّفٌ على فِعْلٍ، بِخِلاف المنهي عنه فإنَّهُ كفٌّ مَحْضٌ؛ فلذا قال: "واجْتَنِبُوهُ"، وقال في الأوَّل: "فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُم".
سادِسُها: كثرةُ المسائل المراد بها عن غير ضَرُورةٍ، وقَدْ نُهِيَ عن الأغلوطات في الدِّين (١)، وكثرةُ الاختِلاف يُؤَدِّي إلى التَّفَرُّق، ومَقصُودُ الشَّارعِ عَدَمُهُ.
سابعُهَا: هذا الحديثُ مِنْ خِطابِ المشافهة، ولا يعمُّ بذاته؛ وإنما هو مِن باب: حُكْمِي على الواحد حُكمي على الجماعة.
خاتمة: مَا رواه مُسْلِمٌ في ذِكْرِ الحَجِّ يَسْتَدِلُّ بهِ مَن يقول: إِنَّ الأمرَ لا يَقْتَصي التَّكرارَ، وهو الأصح، وقيل: يقتضيه، وقيل: يُتَوَقَّف، فما زاد على مَرَّة على البيان.
ويَسْتَدِلُّ به -أيضًا- مَنْ يَقُولُ أنه -﵊- لهُ أنْ يَجْتَهِدَ في الأحكام.
_________________
(١) الأغلوطات: "هي شِدَادُ المَسَائِل" كما قال الأوزاعي، وقال -﵀-: "إنَّ اللهَ إذا أراد أن يَحرم عبدَهُ بركَةَ العِلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس عِلْمًا". انظر: "الفقيه والمتفقه" للخطيب (٢/ ٢٠، ٣٠٣)، و"الشريعة" للآجري (١/ ٤٨٦)، و"المدخل" للبيهقي (١/ ٢٧٠ - ٢٧٤)، و"الآداب الشرعية" لابن مفلح (٢/ ٧٧ - ٨١)، و"فتح الباري" (١٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، (١/ ١٧٧). لطيفة: روى البيهقي في "المدخل" (١/ ٢٧٢ رقم ٣٠٨) أن رجلًا -من أصحاب المغاليط- قال للشَّعبي: إني خبأتُ لكَ مسائلَ! فقال الشعبي له: "أَخْبئْهَا لإبْليس حتى تلقاهُ فتسأله عنها"!
[ ١٨٢ ]
وأَن الأصل عدم الوجوب.
وأن لا حُكْمَ قبْلَ وُرُودِ الشَّرع.
[ ١٨٣ ]