عن أبي العَبَّاس عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ - ﵄ - قالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمًا فقالَ: "يا غُلامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ، واعْلَمْ أنَّ الأمّةَ لَوِ اجتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيءٍ قَدْ كتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رواهُ التَّرْمِذِيُّ وقال: "حَسَنٌ صَحيحٌ".
وفي رِوايَةِ غيرِ التِّرْمِذِيِّ: "احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفكَ في الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أنَّ مَا أخطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" (١).
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ١٨ رقم ٢٨٠٣)، والترمذي (٤/ ٢٨٤ رقم ٢٥١٦)، وابن وهب في "القدر" (٥٦ رقم ٢٨)، وعبد بن حميد (١/ ٥٤٦ رقم ٦٣٥)، وأبو يعلى (٤/ ٤٣٠ رقم ٢٥٥٦)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١١٣ رقم ٤٢٥)، والطبراني في "الكبير" (١٢/ ١٨٤ رقم ١٢٩٨٨، ١٢٩٨٩)، و"الدعاء" (٢/ ٨٠٣ رقم ٤١ - ٤٣)، والفريابي في "القدر" (١١٦ رقم ١٥٣ - ١٥٨)، وابن منده في "التوحيد" (٢/ ١٠٧ رقم ٢٥١)، والآجري في "الشريعة" (٢/ ٨٢٩ رقم ٤١٢ - ٤١٤)، والبيهقيّ في "القدر" (٢٣٤ رقم ٣٠٦، ٣٠٧)، و"الشعب" (١/ ٣٧٤ رقم ١٩٢)، و"الأسماء والصفات" (١/ ١٨٨ رقم ١٢٦)، و"الاعتقاد" (١٥٦) من طرق عن ابن عباس - ﵄ - بألفاظ متقاربة. والحديث صححه الترمذي، وابن منده، وابن رجب في "الجامع" (١/ ٤٦١)، وأحمد شاكر في "المسند" (٤/ ٢٨٦)، والألباني في "ظلال الجنة" (١/ ١٣٨).
[ ٢٤٨ ]
الكلام عليه مِن وجوه:
وهو حديثٌ عَظِيمُ المَوْقع، وهو أصلٌ في رِعايَةِ حقوقِ الله، والتفويض لأمرهِ.
أحدها: في التَّعريفِ بِراوِيهِ:
وهو حَبْر الأمَّةِ وبَحرها - ﵁ -، دَعَا له رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بأن يُفَقَّه في الدِّين، ويُعَلَّم التَّأويل، ودَعَا له بالحِكمةِ، ومناقِبهُ سائرة.
وقد ذَكَرْتُ في "رِجالِ العُمْدَةِ" فيها ورَقات؛ فراجِعها منهُ.
ماتَ سنةَ ثمانٍ وستين -وقيل: سنة سبعين-، وَوُلدَ قبلَ الهِجرة بأربع سنين، ودُفنَ بالطائف، ورأى جبريل مرتين - ﵁ -! (١).
الثاني: لا زالَ ابنُ عبَّاس مُوَفَّقًا مِنْ صِغَرِهِ، وقد استأذَنَهُ -وهوَ على يَمِينهِ حينَ شَرِبَ- في إعطائهِ الأشياخ، فأجابَ بعدمِ الإيثار (٢)، فَلَمَّا رأى أهلِيّتَهُ أوْصَاه بما ذكر.
الثالث: فيه جوازُ الإردَاف على الدَّابة، وقَد أفردَهُ ابن مندَه -﵀- بالتأليف، ومِنْ جُمْلَتِهِم: معاذ والحسن والحسين (٣).
_________________
(١) انظر ترجمته في: "الإعلام" للمؤلف (١/ ٥٠٤ - ٥٠٩)، و"السير" (٣/ ٣٣١). أمَّا رؤيته لجبريل فقد رواه الطّبرانيّ في "الكبير" (١٠/ ٢٦٤) لكن في إسناده ليث بن أبي سليم، ضعيف. ينظر: "التقريب" (٨١٧ رقم ٥٧٢١).
(٢) رواه البُخاريّ (٣/ ١١٢ رقم ٢٣٦٦)، ومسلم (٣/ ١٦٠٤ رقم ٢٠٣٠) من حديث سهل بن سعد - ﵁ -.
(٣) رسالة ابن منده بعنوان: "معرفة أسامي أرداف النَّبيِّ - ﷺ - " وقد طبعت بتحقيق يَحْيَى غزاوي، وقد ذكر (٣٧) من الصّحابة - ﵃ -.
[ ٢٤٩ ]
وجاء في بعض الروايات أنهُ كان خلفَهُ على دابَّةٍ: فرس أو بعير أو غيره (١).
الرابع: في ألفاظِهِ:
"يا غلامُ" -بضمِّ الميم- لأنّه نكرة مقصودة، وكان عُمْرُ ابن عباس إذ ذاكَ عشر سنين -على أحد الأقوال-.
و"الغلام": الصَّبي حين يُفطم إلى سبع سنين، وتصغيره: غُليم، والجمع: غِلمَةّ.
و"تُجَاهَكَ" -بضَمِّ التاء وفتح الهاء-، و"أَمَامك" -بفتح الهمزة-: ما يلي وجهك، وأصل "تجاه": وجاه -بكسر الواو وضَمِّها- قُلِبت واوها تاء.
و"جَفَّت": بالجيم، أي: فُرِغَ مِن الأمر وجفَّت كِتابتهُ (٢)؛ لأنَّ الصحيفة حال كِتابتها لا بُد وأن تكون رَطْبة المِداد أو بعضه بخلافِ مَا إِذا فُرغ مِنها.
و"لَمَّا خَلَقَ الله -﷾- القَلَمَ ثُمَّ النُّون -وهي: الدواة- قال: اكتُب. قال: ومَا أكتُبُ؟ قال: ما كان ومَا هو كائنٌ إلى يومِ القِيامَةِ: مِن عمَلٍ، أو رزقٍ، [أو أَثَرٍ أو أَجَلٍ] (٣)، فَجَرىَ القَلَمُ بذلِكَ، ثمَّ خُتِمَ العَمَلُ" (٤).
_________________
(١) كما جاء مصرحًا به في رواية الفريابي في "القدر"، والبيهقيّ في "الشعب" (٢/ ٣٥٠ رقم ١٠٤٣)، و"الاعتقاد" وغيرها.
(٢) تحرَّفت في الأصل إلى "كائنة"، وصوبناه من "التعيين" (١٦١).
(٣) في الأصل: "والكلّ أوامر"! ولعل ما أثبتناه أنسب؛ لأنَّه موافق للفظ الحديث الذي ذكره المؤلف. انظر: "الكامل" لابن عدي (٦/ ٢٦٩)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٨٥).
(٤) رواه مرفوعًا بهذا اللفظ: ابن عَدِيٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٦٩) وقال: "وهذا بهذا الإسناد باطِل مُنكَرٌ". قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٦١): "صَدَقَ ابن عدي في أنَّ هذا الحديث باطلٌ". قلتُ: ويغني عنه قوله - ﷺ -: "إِنَ أوَّلَ مَا خلقَ الله القَلَمَ، فقالَ: اكْتُب. فقال: مَا أكْتبُ؟ قال: اكتبِ القَدَرَ مَا كانَ ومَا هوَ كائنٌ إلى الأَبَدِ". =
[ ٢٥٠ ]
و"تَعَرَّف" -بتشديد الراء- أي: تحبب إليه بالطاعة واجتناب المخالفة حتى يعرفك في الرخاء مُطيعًا؛ فإذا وَقَعْتَ في شِدَّةٍ عَرَفَكَ بالطَّاعةِ فجعلكَ ناجيًا.
ويقال: إنَّ العبدَ إذا تَعرَّفَ إلى الله في الرَّخاء ثم دعا في الشِّدة، قال: "هذا صوت أعرِفُهُ". وفي غيرهِ: "لا أعرفهُ دَعُوهُ" أو كما قيل (١).
وذكر العُزيزي -﵀- (٢) أن "الأمة" تنطلق على ثمانية أوجهٍ (٣):
والمُرادُ هنا: الخَلق (٤).
الخامس: في فوائِدِه:
الأولى: قوله: "إِنِّي أعلمك كلمات" هو مقدِّمة يستدعي بها سمعه، ليفهم ما يسمع ويقع منه بِمَوقع، وذَكَرَها بِصيغةِ القِلَّة ليهوِّنها، وهي وإنْ كانت قليلة
_________________
(١) = رواه أحمد (٣٧/ ٣٧٨ رقم ٢٢٧٠٥، ٢٢٧٠٧)، وأبو داود (٥/ ٥٢ رقم ٤٧٠٠)، والترمذي (٤/ ٢٩ رقم ٣٣١٩، ٢١٥٥)، وابن وهب في "القدر" (١٢١ رقم ٢٦، ٢٧)، والطيالسي (١/ ٤٧١ رقم ٥٧٨)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ١٠١ رقم ١٠٦ - ١٠٩، ١١١)، و"الأوائل" (٣٩ رقم ١، ٢)، والفريابي في "القدر" (٧٦ رقم ٧٢، ٧٣، ٧٤)، والطبراني في "مسند الشاميين" (١/ ٥٧ رقم ٥٨، ٥٩)، (٣/ ١٣٨ رقم ١٩٤٩). وهو حديث صحيح، صححه الترمذي، والطبري في "تاريخه" (١/ ٣٢: ٣٣)، وابن الأثير في "تاريخه" (١/ ١٢)، والألباني؛ وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (٤/ ٢٦١) بعد ذكره لإسناد البزار: "وجاء عن ابن المديني أنه قال: إسناد حسن". وللتوسع في معرفة من رواه انظر: "الرسالة الوافية" (١٤٢ - ١٤٣).
(٢) جاء بنحوه عن سلمان الفارسي - ﵁ - رواه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٨٣ رقم ١١٠٠).
(٣) هو أبو بكر محمد عزيز السجستاني، يعرف بالعزيزي، له "غريب القرآن"، (ت: ٣٣٠ هـ). انظر: "السير" (١٥/ ٢١٦).
(٤) في الهامش: "منها: الحين، ومنها: الجامع للخير نحو ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ ".
(٥) انظر هذه الأوجه في: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (٤٤٥ - ٤٤٦)، و"نزهة الأعين النواظر" لابن الجوزي (١٤٢ - ١٤٤)، و"المفردات" للراغب (٨٦).
[ ٢٥١ ]
فمعانيها جَمَّةٌ جليلةٌ.
وفي روايةٍ لمُسلِم في كتاب "الفصل للوصل" (١) بعدَ "كلمات": "ينفعُكَ اللهُ بهنَّ" أي: بعلمِهِنَّ، أو بالعَمَل بمقتضاهُنَّ، أو بمجموع ذلك، فهو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
الثانية: معنى "احفظ الله يحفظكَ": احفظهُ بالطَّاعة يحفظكَ بالرِّعاية؛ فإذا أطعته بامتِثالِ أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه أحاطَكَ بمُعَقِّباتٍ لهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
ومعنى: "احفظ الله تجده تجاهك" و"أمامك" أي: يراعيك في أحوالك، ولا تكن مخالفًا له فإنَّك تجدهُ تُجاهك في الشَّدَائدِ وفي كُلِّ الأحوال، كما جَرَى للثلاثةِ أصحاب الصَّخرة الثابت في "الصحيح" (٢).
وهذا في معنى الذي قبلهُ وتأكيدٌ لهُ، وهو يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] أي: اذكروني بالطَّاعة، أذكركُم بالمَغْفِرَةِ والرِّعاية، وهو مِن أبلغ المجاز وأحسنه، إذ الجِهَةُ مُسْتَحيلةٌ في حقِّهِ!! (٣) وهذا نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣] فالمَعِيَّةُ معنوية لا ظرفية.
_________________
(١) هو كتاب "الفصل للوصل" للخطيب البغدادي. انظر: (٢/ ٨٥٨) منه.
(٢) رواه البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٣) الجهة من الألفاظ المُجْمَلة الحادِثة التي لم تَرِدْ في الكتاب أو السنة ، وعقيدة أهل السنة: أنَّ الله فوق السموات السبع، عالٍ على عرشه، بائنٌ مِن خلقه كما أخبر بذلكَ عن نفسه فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦]، وقال: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وغيرها كثير، تختَلِفُ دلالاتها في إثباتِ عُلُوِّ الله على خلقه،=
[ ٢٥٢ ]
فإن قُلتَ: لِمَ خَصَّ الإمام دونَ باقي الجِهات السِّتة؟
جوابه: أنَّ الإنسان سائر ومُسافر إلى الآخرة، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير؛ فالمعنى: تجده حيثما توجّهتَ ويمّمتَ وقصدتَ دينًا ودُنْيا.
السادس: قوله: "إذا سألتَ فاسأل اللهَ" هو كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] أي: وحِّدِ الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده وأَزمَّتها إليه، لا معطي ولا مانع سواه.
وكذا قوله: "وإذا استعنتَ فاستَعن بالله" أي: وحِّدْهُ في الاستعانة، إذْ لا مُعينَ غيرهُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] قدَّمَ المفعول ليفيد الاختصاص، وهذا إرشادٌ إلى التَّوكُّل على المولى، وألَّا يتَّخذ ربًّا سِواهُ، وألَّا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قَلَّ منها وما جَل؛ فَإِنَّهُ حَسْبُ مَن تَوَكَّلَ عليه، ويا خيبةَ مَن ركَنَ بقلبهِ أو أمله إلى غيرهِ لا إليه؛ فبهِ يَحْصُل الإعراض، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [الفرقان: ٣]، وكذا مَن خافَ مِن غيرهِ ولم يُعَوِّل عليه، فقِف على الباب والزَمهُ وأَكْثِر مِنَ السؤال، فلا يبرم من السؤال.
وقد قال تعالى لموسى الكليم -صلوات الله وسلامه عليه-: "يا موسى! سلني في دُعائكَ -وجاء: في صلواتك- حتى في ملح عجينك" (١).
_________________
(١) = وتَتَبَّع بعضُ أئمة أهل السنة أدلة العلو فوجدها أكثر من ألف دليل، كما في "الصواعق المرسلة" (٤/ ١٢٧٩)، و"إعلام الموقعين" (٢/ ٣٠٣) لابن القيم. وقد ألّفت رسائل في هذا الباب منها: "العلو" لابن قدامة، والذهبي، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" لابن القيم وكلها مطبوعة. وانظر في لفظ الجهة: "التدمرية" لشيخ الإسلام الحَبر الهُمام ابن تيمية (٦٦ - ٦٧).
(٢) ذكره الحافظ ابن رجب في "الجامع" (٢/ ٣٩)، وابن حجر الهيتمي في "الفتح المبين" (٣٧٢) ولم أقف عليه مُسندًا.
[ ٢٥٣ ]
والله يغضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ وبُني آدمَ حينَ يُسْأل يَغْضَبُ (١)
فقد ذاق طعمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بمولاه وأعرضَ عمن سِواه، وما أحسن قول الخليل لجبريل - ﵇ - في تلكَ الحالة -لمَّا قال له: ألكَ حاجةٌ؟ -: "أَمَّا إليكَ فلا" (٢).
سَلِّم الأمرَ إلى مالكه فلهُ العِلمُ المُحيطُ الواسِعُ
واطْلب المَعْرُوفَ منهُ دائمًا فهوَ مُعْطِي ذاكَ وهوَ المانِعُ
وإذا كان الرِّزقُ قدْ قُسِم، والعَطاءُ قد حُتِم، فحقيقٌ على العَبْدِ الضَّعيف الاعتماد والسُّكون، والإجمال في الطلب مما كان وسيكون، وقلوبُ الخَلْق بيَدِه، ومَفاتيحُ الخزائن تحتَ قُدْرَتهِ، وبِقَدْر ما يميل العبدُ إلى المخلوق بَعُدَ عن المولى، فكيفَ بتركِ عين اليقين إلى مَن لا يقدِرُ على فتيلٍ ولا قِطْمِير؟!
السابع: ثُمَّ أَكَّدَ ذلك فقال: "واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت .. " إلى آخره، في النّفع والضر، فالكُلُّ بيَدهِ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧] أي: وحِّد الله في لحوق الضر
_________________
(١) انظر البيت في "شعب الإيمان" للبيهقي (٢/ ٣٦١ رقم ١٠٦٥) وهو في شروح "الأربعين".
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٥٢ رقم ١٠٤٥) عن بشر بن الحارث الحافي موقوفًا! ولم يَرِدْ فيه شيءٌ مرفوعٌ صحيح حسب علمي، والأثر ظاهره مخالِفٌ للسُّنة مِن حيث الاستعانة بمن يقدر على إعانتك، فجبريل - ﵇ - يستطيع إعانة إبراهيم - ﵇ -؛ لانهُ داخِلٌ تحتَ قُدرةِ جبرِيل وطاقته فلماذا لا يستعين به إبراهيم؟! وقد صحَّ عنه - ﷺ - أنه قال: "من استَطَاعَ مِنكُم أنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فليفعَل". رواه مسلم (٤/ ١٧٢٦ رقم ٢١٩٩). [وانظر: "شُعَب الإيمان" (٢/ ٤٢٣ وما بعدها)]. والثابت في البخاري (٦/ ٣٩ رقم ٤٥٦٣) أن إبراهيم - ﵇ - لَمَّا أُلقِيَ في النار قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" فقط وليس فيه ذِكر لجبريل - ﵇ - وبالله التوفيق.
[ ٢٥٤ ]
والنفع، فهو يوجِدُهُما وحدَهُ، وصارف ضر المخلوقين عنكَ؛ لأنَّ زِمام الوجود بيده منْعًا وإطلاقًا، فإذا أرادكَ أَحَدٌ بسوءٍ وأرادَ اللهُ رفْعَهُ عنكَ مَنَعَهُ بِعارِضِ مرَضٍ، أو شُغلٍ، أو نِسيانٍ، أو صرفِ قلبٍ.
وإذا أردتَ أنْ تَعْرِفَ تصاريف الأقدار في الوجود فانظر إلى رقعة الشِّطْرَنْج كيفَ يقْلِبُها مجيء بعض، ويقتل بعضها بعضًا، ولا يُستَغربُ ذلك؛ فَحَقِّقْهُ بعينِ اليقين تَجِد أسباب المقادير في الوجود يمنعُ بعضها وصول الشر إلى بعض: "مَصَائِبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائِدُ".
الثامن: قوله: "كتبه الله لك" و"كتب عليكَ" قد سلَفَ فيما مضى: كَتْبَ الرِّزق والأجل والعمل والشَّقاء والسَّعادة (١).
التاسع: قوله: "رُفِعت الأقلام وجَفَّت الصُّحف" أي: فلا يكون خلافَ ما ذَكَرت بنسخ ولا تبديل، فالكتابة تركت بها لرفع الأمر وإبرامه، كما سلف في: "وجفَّت الصحف".
العاشر: قوله: "أنَّ ما أخطأكَ لم يكُن ليصيبك " إلى آخرهِ، هوَ رَاجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] أي: قدْ فُرغَ مِمَّا أصابكَ أو أخطَأَكَ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، فَما أَصَابَكَ كانت الإِصَابة متَحَتِّمة فلا يمكن الخطأ، ومَا أخطأَكَ فالسَّلامَةُ منهُ محتومة فما يمكن الإصابة، لأنَّ ذلِكَ كالسِّهام الصائبة وجهت مِن الأزل فلا بُدَّ أنْ تقع مَوَاقعها (٢)، فتخصيص الإرادة وتعلّق العِلم الأزلي به يتحتم الوقوع، وإذا تعلَّقَ علمُ اللهِ بوقوع ممكِنٍ أو عدم وقوعه فهل يبقى خلاف ما تَعَلَّقَ بهِ
_________________
(١) يعني في حديث ابن مسعود - ﵁ - وهو الحديث الرابع من هذه الأربعين.
(٢) في الأصل: "سوائقها" وهو تحريف من الناسخ، وانظر: "التَّعيين" (١٦٤).
[ ٢٥٥ ]
العِلم مقدورًا؟ فيه قولان (١) حكاهما الإمام في "نهاية العقول" (٢).
الحادي عشر (٣): قوله: "واعْلَم أن النَّصرَ مع الصَّبر، وأنَّ الفرجَ مع الكرب" فيه حثٌّ على الصَّبر عندَ نزول الكرب، والطمأنينة بالنَّصْر والفَرَج، فالفَرَجُ سببُ النَّصر: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦].
ومن جُمْلَةِ الخير: النَّصر، فمَن صَبَرَ انْتَصَرَ، ومَن انتصر حازَ الظَّفر، والكَرْبُ غيرُ دائِمٍ، وعُقْبَاهُ الفَرَجُ، فيُحْسِن العبدُ ظَنَّه بمولاه فيصلحُ عاقبتهُ ودُنْياه، فالإنسان مُعَرَّضٌ للمصائب -لا سِيَّما أهلُ الخير- قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ (٤) [البقرة: ١٥٥] الآية. فمَن صَبَرَ واحْتَسَب ورضي بالقضاء، وانتظَر ما وُعِدَ من جزيل العطاء بقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] الآية، فَنِعْمَةُ الفِعْلَةُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ ضدِّها؛ فالصَّادِقُ وُعِدَ بالنَّصر والفرَج وباليُسْر معَ الرِّضا والصبر والاحتساب، فـ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
واعلَم أنَّ المَعِيَّةَ في هذه الأمور إنْ أُخِذَت بالنَّظَر إلى العلم الأزلي فلائحٌ، لأنهما مُقْتَرِنَان في تَعَلُّق الحكم الأزلي بهِما، أي: لم يكن نفسُ تعلُّقه بأحِدهما بعدَ الآخر، وإنْ تَعلَّقَ بأنَّ أحَدَهُما سيقعُ بعدَ الآخر (٥)، وإنْ أُخِذَت بالنَّظَر إلى
_________________
(١) والصحيح أن الله قادر على خلاف المعلوم والمراد. انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "الفتاوى" (٨/ ٣٧٤).
(٢) الإمام يعني به: محمد بن عمر البكري، فخر الدين الرازي، ابن خطيب الري (ت: ٦٠٦ هـ). وكتابه هو "نهاية العقول في دراية الأصول". انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي (٨/ ١٨).
(٣) في الأصل: "العاشر" والصواب ما أثبتناه.
(٤) في الأصل كُتِبَ عليها: "أي: خوفُ العَدُوِّ".
(٥) أي أنهما مقترنان: النصر مع الصبر، إذا وُجِدَ الصبر وُجد معه النصر.
[ ٢٥٦ ]
الوجود الخارجي كانت بمعنى "بعد" أي: أَنَّ النَّصر بعد الصَّبر، والفرج بعد الكرب، ويجوز بقاؤها على بابِها، والمعنى: حصوله آخر أوقات الصبر (١).
الثاني عَشَر (٢): قوله: "وأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" هو نَصُّ القرآن العظيم، والكلام في المعيَّة كما سلف.
وعن ابن عباس - ﵄ -: "لن يَغْلِب عُسرٌ يُسْرَيْن" (٣).
ورُوي مرفوعًا في رسالتهِ إلى أبي عُبيدةَ - ﵁ -، وهو في "الموطأ" عن عمر (٤).
يُشيرُ إلى تنكير اليُسْر وتعريف العُسْر، والمُنكَّر مُتَعَدِّد، والمُعَرَّف مُتَّحِدٌ بناءً على أنَّ اللام فيه للعَهْدِ السَّالف، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]. وأبعَدَ مَن قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] المراد في الأحكام، فلا تضاد مع الآية المذكورة، إذِ المُرادُ فيها العسرُ في الأرزاق والمكاسب، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال رسول الله - ﷺ -: "بُعِثْتُ بالحَنيفيَّةِ السَّمحة" (٥).
_________________
(١) بمعنى: أنَّ آخِر أوقات الصبر هو أوَّلُ أوقات النَّصر. انظر: "التَّعيين" (١٦٤ - ١٦٥).
(٢) في الأصل: "الحادي عشر"!
(٣) رواه الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٢٧٥)، وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٢٢/ ٣٥٨). ومعناه: أن العُسر معرَّف في الحالَيْن، فهو مفرد، واليُسْر منكَّر فتعدد.
(٤) رواه مالك في "الموطأ" (١/ ٥٧٤ رقم ١٢٨٨)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٨/ ٣١٧ رقم ٣٤٥٣٢)، والطبري في تفسيره (٧/ ٥٠٣ رقم ٨٣٩٣)، والحاكم (٢/ ٣٠٠ - ٣٠١).
(٥) تقدَّم تخريجه ص (٤٨).
[ ٢٥٧ ]
وصَدْرُ الآيةِ دالٌّ على ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
واعلم أنه لا خفاءَ إذا تعدد اللفظُ واتَّحَدَ المعنى، وكانا مَعْرِفتَيْن أنه راجعٌ إلى معهودٍ سابق، فإنْ كان الثاني نَكِرةً تعدد، وإن كانَ الأول معرفةً والثاني نكرةً أو عكسه فلا، وذلك مع التَّجرُّد عن القرائن.
وما أحسن حكاية العتبي -﵀- قال: "كنتُ ذاتَ يوم في بادِيَةٍ وأنا بحالة مِن الغَمِّ، فأُلقِيَ في رُوعِي بيتٌ مِنَ الشِّعر، فقلتُ:
أرىَ الموتَ لمن أصبحَ مغمومًا لهُ أروح
فلَمَّا جنَّ الليلُ سَمِعتُ هاتفًا يهتفُ مِنَ الهواء:
ألا أيها المرءُ الذي الهمُّ به بَرح
وقد أنشد بيتًا لم يزل في فكره سنح
إذا اشتدت العُسْرَى ففَكِّر في أَلمْ نَشْرَح
فَعُسْرٌ بينَ يُسْرَين إذا ذكرتَهُ تفرح
فإنَّ العُسْرَ مَقْرُونٌ بيُسْرَيْنِ فلا تَتْرَحْ
فحَفِظْتُهُما، فَفَرَّجَ الله عنِّي" (١).
* * *
_________________
(١) ذكرها الفاكهاني في "المنهج المبين" (٣٧٠).
[ ٢٥٨ ]