عن ابن عباس - ﵄ - أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قال: "إنَّ الله تَجَاوَزَ لي عَنْ أُمتي الخَطَأَ، والنِّسْيَانَ، وَمَا استُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
حَدِيثٌ حَسَنٌ، رواهُ ابنُ ماجَهْ والبَيهقِيُّ وغيرهُما (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث روي بألفاظ أوضحتها في "تخريجي لأحاديث الرافعي" (٢).
وفي رواية: "عُفِيَ لأمّتي عَن الخَطأ " (٣) إلى آخره، وهي احسن انتظامًا، ووجه انتظام الأولى أن "تجاوز" متضمن معنى "ترك" تقديره: إن الله ترك عن
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١/ ٦٥٩ رقم ٢٠٤٥)، وابن حبان (١٦/ ٢٠٢ رقم ٧٢١٩)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والدارقطني (٥/ ٣٠٠ رقم ٤٣٥١)، والطبراني في "الكبير" (١١/ ١٠٨ رقم ١١٢٧٤)، و"الصغير" (٢/ ٥٢ رقم ٧٦٥)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦). والحديث له شواهد في الصحيحين [البخاري (٧/ ٤٦ رقم ٥٢٦٩)، ومسلم (١/ ١١٦ رقم ٢٠١)، وغيرهما، وقد توسع ابن الملقن في تخريجه وذكر طرقه في "البدر المنير". وصححه الألباني في "الإرواء" (١/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) انظر: "البدر المنير" (٤/ ١٧٧ - ١٨٣)، و"تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج" (٣٦ - ٣٧).
(٣) رواها سعيد بن منصور كما في "التحقيق" لابن الجوزي (٩/ ١٥٠)، وذكرها ابن حزم في "المحلى" مُعلَّقةَ (٨/ ٣٣٤).
[ ٤٢٥ ]
أمتي الخطأ، وتقديره: إن الله تجاوز لي من أمتي الخطأ، وأحسنها مركبة من عجز هذا الحديث، وصدر قوله: "إنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمتي عَمَّا وَسْوَسَتْ بهِ صُدُورُها" (١) الحديث.
ثم هذا الحديث عامُّ النَّفع، عظيم الوقع، يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهو يَصِحُّ أنْ يُسَمَّى نصف الشريعة؛ لأن فعل الإنسان إِمَّا أن يصدر عن قصد واختيار، وهو العبد مع الذكر، أو لا، وهو الخطأ والنسيان والإكراه، وهذا القسم معفوّ عنه، والأول مأخوذ به، والعفو عن هذه الأفعال هو مقتضى الحكمة والنظر، مع أن الله -﷾- لو أخذ بها لكان عادلًا.
ووجه ذلك أن فائدة التَّكليف وغايته تَمْييز الطَّائع مِن العاصي: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. لكن الطاعة والمعصية يستدعِيان قصدًا ونيةً، ويستند إليهما الثواب والعقاب، والمخطئ والناسي لا قصد لهما، وكذا المكره؛ لأنه آلةٌ، ولهذا ذهب غالب الأصوليين إلى أن هؤلاء الثلاثة غير مكلفين.
ووجه عموم هذا الحديث أن الفعل خطأً ونسيانًا وإكراهًا، يقع في الطهارة والصلاة والصوم والحج والطلاق وغيرها من أبواب العلم في صورٍ كثيرةٍ ومسائل عديدة، وفيها خلاف عندنا.
والأشبه: عدم الوقوع، وهو مَبْنِيٌّ على أن التَّجاوز عن حكم الخطأ والنسيان أو عن إثمه أو عنهما جميعًا، والكل محتمل.
_________________
(١) هذا حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم.
[ ٤٢٦ ]
فائدة: "الخطأ" نقيضُ الصواب وهو يُمَدُّ، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] تقول منه: أخطأت وتخطَّأت، ولا يقول: أخطيت، قال الجوهري: "وبعضهم يقوله" (١).
و"الخِطءُ": الذَّنب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] أي: إثمًا، تقول منه: خَطئ يخْطِئ خِطْأً وخِطْأة، قال أبو عبيدة (٢): "خطئ" و"أخطأ" لغتان بمعنى.
وقال الأموي: "المخطئ": من أراد الصواب فصار إلى غيره، و"الخاطئ" من فعل ما لا ينبغي" (٣).
وفي الحديث: "لَا يَحتَكِرُ إلا خَاطئ" (٤).
و"النِّسيَان" خلاف الذِّكر والحفظ، ويطلق على التَّرك، ومنه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والتأخير نحو قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أي: نؤخرها.
وقد اختلف في "الخطأ" و"النسيان" المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقيل: "النسيان" بمعنى "الترك" أي: إن تركنا شيئًا من طاعتك؛ فلا تؤاخذنا، وقيل: الذهول والخطأ غير المقصود؛ عملًا
_________________
(١) انظر: "الصحاح" (١/ ٤٧).
(٢) في الأصل: "أبو عبيد" والتصويب من "الصحاح"، و"تهذيب اللغة" للأزهري (٧/ ٤٩٧)، وهو معمر بن المثني، وكلامه في "مجاز القرآن" تأليفه (١/ ٣١٨، ٣٧٦).
(٣) نقله الجوهري في "الصحاح" (١/ ٤٧).
(٤) رواه مسلم (٣/ ١٢٢٧ رقم ١٦٠٥) من حديث معمر بن عبد الله - ﵁ -.
[ ٤٢٧ ]
بهذا الحديث، وقال ابن زيد -﵀-: "المعنى: ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ المأمور ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ في النَّهي" (١).
وقال عطاء -﵀-: "جهلنا أو تعمدنا" (٢).
ويقال: أَكْرَهْتُهُ على كذا: إذا حَمَلْتُهُ عليه كُرهًا، وكَرَّهْتُ الشَّيءَ أكرهه كراهة وكراهية فهي شيء كريه ومكروه، و"الكُره" بالضم: المشقة، ويقال: قمت على كُره؛ أي: على مشقَّة، وأقامني فلان على [كَره] (٣) -بالفتح- إذا أُكْرِهَ عليه، وكان الكسائي يقول: "الكَرهُ والكُرهُ لغتان". قاله الجوهري (٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ١٣٢ رقم ٦٥٠٩).
(٢) رواه البغوي في "تفسيره" (١/ ٣٥٧).
(٣) في "الأصل": "كربه"، والتصويب من "الصحاح".
(٤) "الصحاح" (١/ ٢٢٤٧).
[ ٤٢٨ ]