حديثُ أبي حَمْزَةَ أنسِ بنِ مالِكٍ - ﵁ -، خادِمِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أنِّ رَسُولَ الله - ﷺ - قالَ: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ (١).
* * *
الكلامُ عليهِ مِنْ وجُوهٍ:
أحَدُها: لفظُ مُسْلِمٍ: "والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ لا يُؤْمنُ عَبْدٌ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ -وقال: لِجَارِهِ- ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٢).
وأخرجه النَّسائي في "الإيمان" بلفظ: "حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مِنَ الخَيْر" (٣).
وابن أبي شيبةَ في "مُسْنَدِهِ" وقال: "ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْر" (٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠/ ١٩٣ رقم ١٢٨٠١، ١٣١٤٦، ١٣٦٢٩، ١٣٨٧٥، ١٣٩٦٣، ١٤٠٨٢)، والبخاري (١/ ١٢ رقم ١٣)، ومسلم (١/ ٦٧ رقم ٤٥)، والترمذي (٤/ ٢٨٤ رقم ٢٥١٥)، والنسائي (٨/ ١٢٥ رقم ٥٠١٦، ٥٠٣٩)، وابن ماجه (١/ ٢٦ رقم ٦٦).
(٢) (١/ ٦٨ رقم ٤٥/ ٧٢).
(٣) النسائي روى اللفظ الذي بعده، أمَّا هذا اللفظ فقد رواه: المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٢/ ٥٨٨ رقم ٦٢١)، وابن منده في "الإيمان" (١/ ٤٤٢ رقم ٢٩٧) وهو صحيح.
(٤) "مسند" ابن أبي شيبة المطبوع منه ناقص، وليس فيه مسند أنس بن مالك - ﵁ -، وهذه اللفظة رواها: النسائي (٨/ ١١٥ رقم ٥٠١٧)، وأحمد (٢٠/ ٣٩٤ رقم ١٣١٤٦)، وابن منده (١/ ٤٤١ رقم ٢٩٤)، وأبو يعلى (٥/ ٤٠٧ رقم ٣٠٨١، ٣١٥١)، وأبو عوانه في "صحيحه" (١/ ٤١ رقم ٩٢)، والقضاعي في "الشهاب" (٢/ ٦٣ رقم ٨٨٨) وهي زيادةٌ صحيحة. انظر "السلسلة الصحيحة" (١/ ١١٣ رقم ٧٣).
[ ١٩٩ ]
ثانيها: في التَّعريف براوِيهِ: كُنِّيَ بحمزة؛ لِبَقْلَةٍ كان يَجْتَنِيهَا (١)، وهو أنصاريٌّ نجَّاريٌّ مصري (٢)، خادِمُ رسول الله - ﷺ -، خَدَمَهُ عَشْرَ سِنين.
أمُّه: أم سُليم بنت ملحان، روى زيادةً على ألفَيْ حديث، دعا له الشَّارُع: بكثرةِ المالِ، والولدِ، وطول العُمُر والجنَّة (٣).
ماتَ سنة ثلاث -أو خمسٍ- وتسعين بالبصرةَ، ودُفِنَ بقصره بقُربها وقد جاوَزَ المائة (٤).
ثالِثُها: "أَحَدٌ" هنا بمعنى: واحدٌ، فهي -أي: واحد- تُسْتَعْمَلُ في الإثباتِ والنَّفْي، وأمَّا "أحد" التي هي للعموم فلا تُسْتَعمل إلَّا في النَّفي كـ "مَا في الدَّارِ مِنْ أَحَدٍ".
و"النفس": تُذَكَّر وتُؤَنَّث، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
رابعُهَا: معنى الحديث: لا يُؤمِنُ الإيمان التام؛ وإلَّا فَأَصْلُ الإيمان حاصِلٌ، وإنْ لَمْ يَكُن بهذه الصِّفةِ، والمرادُ: يُحِبُّ لأخيهِ من الخيرِ -كما سلف-، وليسَ ذلِكَ صَعْبًا، فإنَّ المرادَ حُصُولُ مثل ذلك من غير مزاحمةٍ فيها له.
_________________
(١) قال الأزهري في "تهذيب اللغة" (٤/ ٣٧٩): "وقال أنس بن مالك: كَنَّاني رسول الله - ﷺ - ببقلةِ كنتُ أجتنيها .. قلتُ: والحَمْزَةُ في الطَّعام: شِبْهُ اللَّذْعةِ والحَرارَةِ كطعم الخردل والبقلة التي جَنَاها أنس كان في طعمها لَذْعٌ للِّسان فَسُمِّيَتْ "حمزة" لِفِعْلِها ورمانة حامِزة؛ أي: فيها حموضة" اهـ. وانظر: "الإعلام" للمؤلف (١/ ٤٢٢).
(٢) كذا بالأصل! ولم أقف في ترجمة أنس - ﵁ - أنه دخل مصر فضلًا عن إقامته بها، وقد تكون "مضري" وهذه بعيدة أيضًا؛ لأن الخزرج ليسوا من مضر، ولم يذكر المؤلف هذه النسبة في "الإعلام" (١/ ٤٢١ - ٤٢٦) والله أعلم.
(٣) رواه مسلم (٤/ ١٩٢٨ رقم ٢٤٨٠، ٢٤٨١).
(٤) انظر: "الإعلام" للمؤلف (١/ ٤٢١ - ٤٢٦)، "الاستيعاب" (١/ ٤٤)، والسير (٣/ ٣٩٥).
[ ٢٠٠ ]
ففيه أنَّ المؤمنَ مع المؤمنِ كالنَّفسِ الواحدةِ، فعلَيْهِ كَفُّ الأذَى والمكروه، والمواساة، ويحصل منه الائتلاف والانتظام، وهو قاعِدَةُ الإسلام المُوصى بها في قوله ﷾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ولا شكَّ أنَّ النَّفسَ الشَّريفَةَ تُحِب الإحسانَ وتجتنبُ الأذى؛ فإذا فعل ذلك حصلت الألفَة وانتَظَمَ حَالُ المَعَاش والمعاد، ومشت أحوال العباد.
وفي الحديث: "انظُرْ أَحَبَّ مَأ تُحِبُّ أَنْ يَأتِيهِ النَّاسُ إِلَيكَ، فَأْتِهِ إليهم" (١).
وفي كلام بعضهم: ارضَ للناس ما لنفسِكَ ترضى.
ثم لا بُدَّ أنْ يكونَ المعنى فيما يُباح، وإلَّا فقد يكون غيره ممنوعًا منهُ وهو مباح له.
قال أبو الزناد: "ظاهر الحديث التَّساوي، وحقيقته التَّفضِيل؛ لأَنَّ الإنسان يحِبُّ أنْ يكُونَ أفضَلَ الناس، وإذا أَحَبَّ لأَخيهِ مِثلَهُ فقد دَخَلَ في جُمْلَةِ المَفْضولِين" (٢).
* * *
_________________
(١) رواه أحمد (٢٥/ ٢٢٠ رقم ١٥٨٨٥)، (٣٨/ ٢٣٢ رقم ٢٣١٦٤)، (٤٥/ ١٣١ رقم ٢٧١٥٣)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ٢٠٩ رقم ٤٧٣ - ٤٧٦) عن أبي المُنْتَفِق - ﵁ -. والحديث صحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٣/ ٤٦٤ رقم ١٤٧٧).
(٢) ذكره ابن بطال في "شرحه للبخاري" (١/ ٦٥)، والقاضي في "إكمال المعلم" (١/ ٢٨٢).
[ ٢٠١ ]