عن ابنِ عُمَرَ - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهدُوا أنْ لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهمْ وأَمْوَالَهمْ إلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وحِسَابُهمْ على اللهِ تعالى".
رواه البُخاري ومسلم (١).
* * *
الكلام عليهِ مِنْ وُجوُهٍ:
أحَدها: التَّعريفُ بِرَاوِيهِ وقد سلف.
ثانِيها: هذا الحديث لم يقل فيه مُسلِمٌ: "إلَّا بحق الإسلام"، وأخرجاهُ مِنْ حديثِ أبي هريرة -أيضًا- وفيه: "ويُؤْمِنُوا بي، وبِمَا جِئْتُ بهِ" (٢).
وأَخرجَهُ "البخاري" مِن حديث أنس (٣)، و"مسلمٌ" مِن حديث جابر (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ١٤ رقم ٢٥)، ومسلم (١/ ٥٣ رقم ٢٢).
(٢) رواه مسلم (١/ ٥٢ رقم ٢١/ ٣٤) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب بهذا اللفظ. ورواه البخاري (٢/ ١٠٥ رقم ١٣٩٩، ١٤٠٠) من طريق عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وليس فيه هذه اللفظة.
(٣) (١/ ٨٧ رقم ٣٩٢).
(٤) (١/ ٥٢ رقم ٢١/ ٣٥).
[ ١٧٤ ]
وهو حديثٌ عظيمٌ، قاعِدةٌ مِنْ قواعِدِ الدِّين.
ولَمَّا أخرجه ابن حِبَّان في "صحيحه" مِنْ حديثِ أبي هُريرة قال: "تَفَرَّدَ به الدَّرَاوَرْدِيُّ" (١) -ثم أخرجه من حديث ابن عمر- ثم قال: "تفردَ به شُعبة" (٢).
قال: "وفيه بيانٌ واضِحٌ بأنَّ الإيمانَ أجزاءٌ ملا وشُعَب تَتبَايَنُ أحْوَالُ المُخَاطَبِينَ [فيها] (٣)؛ لأنه (٤) -﵊- ذَكَر فيه: "حتى يَشْهدُوا أن لا إلهَ إلَّا الله، وأَني رسول الله". وهذا هو الإشارة إلى الشُّعبة التي هي فرضٌ علي المُخَاطَبين في جميع الأحوال، ثم قال: "ويقيموا الصلاة" فَذَكَرَ النبي - ﷺ - الذي هو فرضٌ على المُخَاطَبِينَ في بعضِ الأحوالِ، ثم قال: "ويؤتوا الزكاة" فَذَكَر الشيءَ الذي هو فَرْضٌ علي بعضِ المُخَاطَبين في بعضِ الأحوال، فدلَّ ذلك على أَنَّ كُلَّ شيء مِنَ الطَّاعات التي تُشْبِهُ الأَشيَاءَ الثَّلاثَة التي ذَكَرَهَا في هذا الخَبَر مِنَ الإيمان. تَفَرَّدَ بِهِ حَرَمِيُّ بن عُمارة (٥) " (٦).
قلتُ: لا؛ فقد أخرجه مسلم من حديث عبد الملك بن الصَّبَّاح عن شُعبة، فلم يتفرَّد به (٧).
ثالثها: معنى "أُمِرتُ" أي: أَمَرَني رَبِّي، ولا يَتَأَتَّى هنا احتمالُ مَا إذا قال
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (١/ ٤٠٠).
(٢) (١/ ٤٠١).
(٣) ما بين المعقوفتين من "صحيح ابن حبان".
(٤) في الأصلِ: "بأنه" والتصويب من "صحيح ابن حبان".
(٥) قوله: "تَفَرَّدَ بِهِ حَرَمِيُّ بن عُمارة" ليس في "صحيح ابن حبان"! وإن كان قاله بعض أهل العلم. انظر: "فتح الباري" (١/ ٩٥).
(٦) "صحيح ابن حبان" (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).
(٧) (١/ ٥٣ رقم ٢٢).
[ ١٧٥ ]
ذلك الصَّحابي؛ لاحتمالِ أن يكونَ الآمِرُ غيره، وحَذْفُ الفاعل هنا مِن باب التَّعظيم، وهو مِن قولهم: أمر كذا، أو لا يذكرون الآمِرَ تعظيمًا لهُ وتفخيمًا.
وقوله: "أن أُقاتِلَ" أي: بأن أُقاتِل؛ لأنَّ الأمرَ إِنَّما يتعدَّى -غالِبًا- بالباء، و"أمرتُكَ الخيرَ" ونحوه مُؤَوَّلٌ علي جعلِهِ مِمَّا يتعدى بِنَفْسِهِ.
و"الناس" قد تكونُ مِن الجِنِّ أيضًا، قالهُ الجوهري (١).
والمُرادُ هنا: الإنس خاصة؛ لأنه لم يُقاتِل غيرهم، وإِنْ أَسْلَمَ على يَدِهِ جِنُّ "نصيبين"، ورسالتهُ عامَّةٌ.
ثُمَّ مِنَ الإنس: عبدةُ الأوثان دون أهل الكتاب؛ فإنهم يقولون: لا إله إلَّا الله، والأمر بالمُقاتلة يُفْضِي إلى القَتْلِ، فيستنبطُ مِنْهُ الإقدام على قتله إذا أَخَلَّ بشيء مِنْ ذلِكَ فالجاحِدُ كافِرٌ، والمُتَكاسل المصر على الترك يُقْتَلُ حدًّا عندَنا، وكفرًا عندَ أحمد، وهو مقتضى العِصْمَة، لا يُقال أنَّ الحديث في الكافر الأصلي فإن المسلم أولى بدليل قضاء المرتد دونَ الأصلي.
وقوله -﵊-: "حَتَّى يَشْهدُوا" وإن كان غاية ففيه معنى الشَّرط، وحُكم ما بَعْدَ الغَايَةِ مُخالِفٌ لِمَا قَبْلَها، فكفُّ القِتال عنهم مَشْرُوطٌ بالشَّهَادَتَيْن والصلاة والزكاة، وإذا انتفى الشرط انتَفَى المَشْرُوط، وإذا انتفى فعل الصلاة والزكاة انتفى كفُّ القِتال والقتل، وصارَ التَّقدير: إنْ صَلّوا وزكوا كُفَّ عنهم القِتال، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا﴾ [التوبة: ٥]، وفي الأُخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
_________________
(١) "الصحاح" (٣/ ٩٨٧).
[ ١٧٦ ]
وقوله: "ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ" لابُدَّ مِن تقدير مفعول محذوف؛ أي: ويؤتونكم الزكاة، أو: يؤتوا الإمام، ونحو ذلك.
رابعها: ذكر حديث ابن عمر السالف -أيضًا- الصوم والحج، ولم تذكر هنا؟! فَلَعَلَّهُ كان قبل فرضهما، وهو مِن بابِ الزِّيادة في الأحكام لا التعارض والنَّسخ.
خامِسها: معنى"عصموا" منعوا، و"العصم" المنع، و"العصام" الخيط الذي يُشَدُّ بهِ فَمُ القِربةِ، سُمِّي به؛ لمنعه الماء من السيلان.
و"المال" يقع على العين وغيرها مِنْ ماشِيَةٍ وعَرَضٍ وغير ذلك، وذلِكَ إشارةٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّم، وكأَنَّهُ غَلَّبَ القولَ على الفعل، وموضوع "إذا" للمُحَقَّق بخِلاف "إن" فإنها للمشكوك فيه، فكأَنَّهُ جاءَ على طريق التفاؤل بتحقيق الفعل منهم.
ومعنى: "إلَّا بحقِّ الإسلام" أي: القتل بالقصاص والزنا، لكن الزَّاني والقاتل لا يُباحُ مالهما بخلاف الكافر، فكأنه جاء علي طريق التَّغليب.
ومعنى: "وحِسابُهم على الله" أي: أمرُ سَرائِرهم إليه، وأمَّا نحنُ فنحكم بالظاهر فنعامِلُهُم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم، فرُبَّ عاصٍ في الظاهر يُصادِفُ عندَ الله خيرًا في الباطن، وعكسه.
وشَبيه هذا الحديث الصحيح: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إليَّ .. " الحديث (١).
سادسها: هذا الحديث نصٌّ في قِتَال مانِعِي الزَّكاة، ولم يبلغ الصِّديق
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١٨٠ رقم ٢٦٨٠ وأطرافه في ٢٤٥٨)، ومسلم (٣/ ١٣٣٧ رقم ١٧١٣) عن أم المؤمنين أم سَلَمَةَ - ﵂ -.
[ ١٧٧ ]
والفاروق حتى تشاجَرَا في قتالهم، وجَرَت بينهما مناظرةٌ في ذلِكَ، واحتاج الصِّديق إلى القياس بأن قال: "واللهِ لأقُاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاة". قال أبو بكرٍ: "والزكاة مِن حَقِّها" (١).
* تَتِمَّاتُ:
لا بُدَّ مع هذا مِنَ الإيمانِ بجميعِ ما جاءَ بهِ الشَّارعُ؛ عملًا بالرِّواية السالِفة.
وتُقبَلُ توبةُ الزِّنديق عندنا على أصحِّ الأوجُهِ الخمسَةِ -خلافًا لمالك-، وهو عِنْدَنا: مُنْكِرُ الشَّرع جُمْلَةً (٢).
وشرحُ الحديث مُوَضَّحٌ في "شَرْحِي لصحيح البُخَارِي" فلا بُدَّ لَكَ مِنْ مراجَعته، وإنما أُشيرُ هنا إلى أطرافٍ مِنْهُ (٣).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ١٠٥ رقم ١٣٩٩)، ومسلم (١/ ٥١ رقم ٢٠) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) خالف في ذلك غير مالك، فهو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية، ورواية عن أحمد. انظر: "الموطأ" لمالك (٢/ ٢٨٠)، و"عِقْدُ الجواهر الثمينة" لابن شاس (٣/ ١١٤١)، و"المغني" لابن قدامة (١٢/ ٢٦٩)، و"مغني المحتاج" (٤/ ١٤٠)، و"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" للشربيني (٢/ ٢٤٧)، و"التوضيح " (٢/ ٦١٢ - ٦١٣)، و"عجالة المحتاج" للمؤلف (٤/ ١٦١٨)، و"الإقناع" للحجاوي (٤/ ٢٩٣)، و"حاشية ابن عابدين" (٤/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و"الموسوعة الفقهية" (٢٤/ ٤٩ - ٥٠). والزنديق: هو الذي يُظهِرُ الإسلامَ ويُخفي الكفر. وهو المنافق الذي كان في عهد النبوة. انظر: مقدمة "الرد علي الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد (٣٤ - ٤١).
(٣) انظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (٢/ ٦٠٨ - ٦١٥).
[ ١٧٨ ]