عن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَ، وأَبي عبدِ الرَّحمن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ - ﵁ -، عن رسُولِ الله - ﷺ - قالَ: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كنْتَ، وأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ".
رواهُ التِّرمذيُّ وقال: "حسنٌ". وفي بعضها: "حسنٌ صحيحٌ" (١).
* * *
الكلام عليه من وجوه:
_________________
(١) حديث أبي ذر - ﵁ -: رواه أحمد (٣٥/ ٢٨٤ رقم ٢١٣٥٤، ٢١٤٠٣، ٢١٤٨٧)، والترمذي (٣/ ٥٢٦ رقم ١٩٨٧)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٧٧ رقم ٢٥٧١٢)، والدارمي (٣/ ١٨٣٨ رقم ٢٨٣٣)، والقضاعي (١/ ٣٧٩ رقم ٦٥٢)، والحاكم (١/ ٥٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٧٨)، والبيهقيّ في "الشعب" (١٠/ ٣٨٢ رقم ٧٦٦٣)، وابن عساكر في "الأربعون الأبدال العوالي" (٧٣ رقم ٣١). وقد صححه التِّرمذيُّ، والحاكم وقال: "على شرطهما" ووافقه الذهبي، وتعقَّبه ابن رجب في "الجامع" (١/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، وحسَّنه الألباني في "الترغيب" (٣/ ١٢ رقم ٢٦٥٥، ٣١٦٠). وأمَّا حديث معاذ - ﵁ -: فرواه أحمد (٣٦/ ٣١٣ رقم ٢١٩٨٨، ٢٢٠٥٩)، والترمذي (٣/ ٥٢٧ رقم ١٩٨٧)، ووكيع في "الزهد" (١/ ٣١٨ رقم ٩٤)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٧٧ رقم ٢٥٧١٢)، وهنَّاد في "الزهد" (٢/ ٥٢٠ رقم ١٠٧٣)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٤٤ رقم ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٩٨، ٢٩٧)، و"الأوسط" (٤/ ١٢٦ رقم ٣٧٧٩)، والصغير (١/ ٣٢٠ رقم ٥٣٠)، والشاشي في "المسند" (٣/ ٢٦٦ رقم ١٣٦٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٧٦)، والبيهقيّ في "الشعب" (١٠/ ٣٨٠ رقم ٧٦٦٠، ٧٦٦١، ٧٦٦٢). والحديث حسَّنه الألباني في "الترغيب" (٣/ ٢٢٦ رقم ٣١٦٠)، و"التِّرمذيُّ" (١٦١٨).
[ ٢٣٦ ]
أحدُها: في التعريف بِرَاوِيه:
أمَّا أبو ذرٍّ -ويقال: أبو الذر- ففي اسمه أقوال، أشهرها ما ذكرهُ: جُندُب -بفتح الدال وضمها، وربما كُسِرت- بن جُنادَة -بضمِّ الجيم-. وقيل: ابن برير. وقيل: أنه لقب، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن السَّكن، وقيل: يزيد -وهو وهمٌ-.
أُمُّه: رملة بنت الوقيعة بن حرام بن عمار، وكان أخا عمرو بن عبسة لأُمِّه، كان رابعًا في الإسلام أو خامسه، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلادِ قَوْمِه، ثم قَدِمَ المدينة وهو أولُ مَن حيَّا رسول الله - ﷺ - بتحِيَّةِ الإسلام.
قال الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- في حَقِّهِ: "مَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، ولا أَقَلَّتِ الغَبْراءُ أَصْدَقَ لهجَةً مِنْهُ" (١).
مات بالرَّبذة سنة إحدى -أو اثنتين- وثلاثين في خلافة عثمان، وصلى عليه ابن مسعود، فأقام عشرةَ أيَّام ثم مات بعدَ عاشرة -يرحمه الله- وهو أحدُ النُّجباء.
قال عليّ -كرَّمَ اللهُ وجههُ-: "وعاءٌ مُلِئَ عِلْمًا، ثم أُوكيَ عليه فَلَمْ يَخْرُج مِنهُ شَيءٌ حَتَّى قُبِضَ" (٢).
_________________
(١) رواه أحمد (١١/ ٧٠ رقم ٦٥١٩، ٦٦٣٠، ٧٠٧٨)، والترمذي (٦/ ١٣٤ رقم ٣٨٠١)، وابن ماجه (١/ ٥٥ رقم ١٥٦)، وابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٢٢٨)، وابن أبي شيبة (١١/ ١٨٣ رقم ٣٢٨٠٤)، والحاكم (٣/ ٣٤٢) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ -. والحديث في إسناده عثمان بن عُمَيْر "ضعيف واختلط، وكان يُدَلِّس ويغلُو في التَّشيع" كما في "التقريب" (٦٦٧ رقم ٤٥٣٩). قلت: ولعل غلوَّه في التشيُّع كان سببًا في تضعيف شيخ الإسلام للحديث في "منهاج السنة" (٦/ ٢٧٦)، بل قال: " ضعيف، بل موضوعٌ! وليسَ له إسنادٌ يقومُ به". قلتُ: ومع ذلك حسَّنه التِّرمذيُّ، وصححه الألباني في "التِّرمذيّ" (٢٩٩٠)، وابن ماجه (١٢٧)!!
(٢) ذكره المِزِّي في "تهذيب الكمال" (٣٣/ ٢٩٧)، والذهبي في "السير" (٢/ ٦٠). تنبيه: قوله "كرَّمَ الله وجهه" لا ينبغي أن يخص عليّ - ﵁ - بهذا ولا بغيره من الألفاظ إلَّا ما خَصِّه الشَّارع، وتخصيص عليّ - ﵁ - دون سائر إخوانه من الصّحابة أصبح شعارًا =
[ ٢٣٧ ]
وكان أصدقَ النَّاسِ لهجةً (١).
وأمَّا مُعَاذٌ؛ فهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الخزرجي المدني من نجباء الصَّحابة، شَهِدَ المشاهِدَ، وروى وجمع القرآن في حياة رسول الله - ﷺ -، وكان يُشَبَّه بإبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه- كانَ أُمَّةً قانتًا لله، وكان أعلمهم بالحلال والحرام.
مات سنة ثمان عشرة بالأردن بالطاعون عن ثمانٍ وثلاثين سنة أو أقل، وقبره بشرقي غور بيسان (٢).
ثانيها: معنى قول التِّرمذيّ: حسن صحيح: أنه رويَ مِن وجْهَيْن: وجه كذا، ووجه كذا، كذا قيل! وهو مردود عليه؛ إذْ يقول إثرهُ: لا يعرفهُ إلَّا مِن هذا الوجه، وقد أوضحتُ ذلك في "المقنع في علوم الحديث" تأليفي (٣).
ثُمَّ أعلم أن نُسَخ التِّرمذيّ تَخْتَلِفُ بالحسن والصحيح، ففي بعضها: "حسنٌ"، وفي بعضها: "حسن صحيح"، وذلكَ بحسَبِ اختِلافِ الرُّواةِ عنهُ لكَتابه والضَّابِطِينَ لهُ.
ثالثها: سبب هذا الحديث أنَّ أبا ذَرٍّ لَمَّا أسْلَمَ قديمًا أَمَرَهُ الشَّارعُ أنْ يَلْتَحِقَ بقومه، عسى أن ينفعهم اللهُ بِهِ، ولَمَّا رأى حِرصَهُ على المقام معهُ بمَكَّةَ، وعَلِمَ
_________________
(١) = للرافضة، فالواجب أن يُتَرَضَّى عنه كما يترضى عن بقيَّة أصحاب النَّبيّ - ﷺ -، ويعضهم يزعم أن عليًّا خُصَّ بهذا اللفظ؛ لأنَّه لم يسجد لغير الله بخلاف الخلفاء الثلاثة قبل إسلامهم! وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ أصاغر الصّحابة ومن وُلِدَ في الإسلام مِنهُم لم يسجدوا لغير الله وكذا من بعدهم إلى يومنا هذا، ولعل الكلمة من تصرفات الناسخ.
(٢) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٣٣/ ٢٩٤)، و"السير" (٢/ ٤٦)، و"الإصابة" (٤/ ٦٣).
(٣) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٢٨/ ١٠٥)، و"الإصابة" (٣/ ٤٠٦).
(٤) انظر (١/ ٨٩ - ٩٧) من "المقنع".
[ ٢٣٨ ]
الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- أنهُ لا يقدر على ذلك قال لهُ: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها ".
والمراد: تركُ المؤاخَذَة، ويجوزُ أن يكون المحو حقيقةً، وهو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وهي نزلت في ذلكَ الذي أصاب مِن تِلكَ المرأة ما دُونَ الجِماعِ، وأَمَرَهُ الشَّارعُ -صلوات الله وسلامه عليه- بالوضوء والصَّلاة، فقال معاذ: هذا لهُ خاصَّة أم للناس عامَّة؟ فقال: "بَل للنَّاسِ عَامَّةً" (١).
وقال: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهرُ فَيُحْسِنُ الطُّهورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إلى مَسْجِدٍ مِنْ هذهِ المَسَاجِدِ، إلَّا كتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ يَطَؤُهَا (٢) حَسَنَةً. ويَرْفَعُ بها دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عنهُ بها خَطِيئَةً" (٣). فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣].
فمن اتَّقى بما في الآية الأولى مِن الإيمان والإسلام فهو متَّقٍ، والمتقي ولي الله؛ فصار معنى قوله: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كنتَ" تكُنْ وليّ الله بتقواك إيَّاه، وحصل لك [من ذلك المِدحةُ] (٤) والثناء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
_________________
(١) رواه أحمد (٣٦/ ٤٢٦ رقم ٢٢١١٢)، والترمذي (٥/ ١٨٩ رقم ٣١١٣)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٢٠ رقم ١٨٦٧٨، ١٨٦٨٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٣٦ رقم ٢٧٧)، والدارقطني في "سننه" (١/ ٢٤٤ رقم ٤٨٣)، والحاكم (١/ ١٣٥) من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديث ليسَ إسنادٌ بِمُتَّصِل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يَسْمَعْ مِن معاذٍ". قلتُ: ويُغنِي عنه حديث ابن مسعود - ﵁ - في البُخاريّ (١/ ١١١ رقم ٥٢٦)، ومسلم (٤/ ٢١١٥ رقم ٢٧٦٣).
(٢) كذا بالأصل، وفي مسلم: "يَخْطُوهَا".
(٣) رواه مسلم (١/ ٤٣٣ رقم ٦٥٤/ ٢٥٧) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٤) في الأصل: "لوائح وضح الحمد"؟ والتصويب من "المنهج المبين" (٣٤٥) وغيره.
[ ٢٣٩ ]
والحفظُ والحِراسَةُ مِن الأعداء: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
والثانية: والنَّصرُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨]، و﴿اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤].
والنَّجاةُ مِن الشَّدائدِ، والرِّزقُ الحلال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وإِصلاحُ العَمَلِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
وغُفرانُ الذُّنوبِ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١].
والنُّورُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
والمحبةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] وما أعظمها وأنفعها.
والإِكرَامُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
والبِشارةُ عندَ الموتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٣ - ٦٤].
والنَّجاة مِن النَّار: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢]، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧].
والخلود في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
منْ عَرَفَ اللهَ فلم تُغْنِهِ معرفته أَلا فذاكَ الشَّقي
مَا يَصنَعُ العَبْدُ بِعِزِّ الغِنى والعِزُّ كل العِز للمُتَّقي
[ ٢٤٠ ]
وكُتِبَ على بعضِ القبور: "ليسَ زادٌ سِوى التُّقى، فخُذي مِنْهُ أوْ دَعِي" (١).
وابعها: اشتَمَلَ هذا الحديث على أحكامٍ ثلاثة: حقُّ الله، وحقُّ المُكَلَّف، وحقُّ العِباد؛ أَمَّا حقُّ الله تعالى: فحيثُمَا كنتَ تَتَّقيهِ، فهوَ ناظر إليكَ ومعكَ ورقيب.
و"التَّقْوَى" لفظَةٌ وجِيزَةٌ جامعةٌ لكلِّ خيرٍ دينيّ ودُنيَويٍّ؛ لأنها: امتِثالُ الأوامِر واجتنابُ النَّواهِي.
وعبَّرَ عنهُ بعضهم: ألا يَرَاكَ حيثُ نهاك، ولا يفقدكَ حيثُ أَمَرك.
ولهذا قال بعضهم: إذا أردتَ أن تعصيه فاعصه حيث لا يراك! أو أخرج من داره! أو كُلْ غيرَ رزقه!
وبتقوى الله يتضَمَّن ما تضمنه الحديثُ السالِفُ: "إنَّ اللهَ كتبَ الإحسان على كلِّ شيءٍ"، وكذا ما تَضمَّنَهُ حديثُ جبريل السالف من الإيمان والإسلام والإحسان؛ لأنَّ سائر أحكام التكليف لا تخرج عن أمر ونَهْي، فإذا اتقى الله بفعل ما أمر وترك ما نهي، فقد أَتى بجميع وظائف المكلفين.
وأَمَّا حقُّ المكلف فمحو الحسنةِ بالسيئة، كما سلف: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] أي: عِظَةٌ لِمن اتَّعظ؛ فلا تعجز أيها المسكين إذا أتيت سيئة بقلبك، أو لسانك أو جوارحك، احتَلْ بأن تتبعها بحسنةٍ مِن صلاة، أو صدقة -وإنْ قَلت-، أو ذِكْرٍ.
و"الباقياتُ الصالحات": سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، والله أكبر. أو: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم؛ فإنَّهُ أحبُّ الكلام إليهِ،
_________________
(١) نهى النَّبيُّ - ﷺ - في أحاديث كثيرة عن الكتابة على القبور، فلا تُعارَض سنته بشيء من أفعال النَّاس ولا أقوالهم.
[ ٢٤١ ]
وحبيب إلى الرحمن، وخفيف على اللسان، وثقيل في الميزان -كما سيأتي-.
فإنَّ عجزتَ عن إِتْبَاع الحسنة السيئة فأنتَ مخذُولٌ، والسيئةُ الصَّغيرةُ مقابلة بالحسنة الصغيرة والذكر اليسير، والكبائرُ بالتويةِ والإنابةِ.
وأَمَّا حقّ العِباد فهو مُخالقتهم -أي: معاشرتهم- بخُلُقٍ حسنٍ، فعاملهم بما تحب أن يعاملوك به مِن: كفِّ الأذى وبَذْل النَّدَى وطلاقةِ الوجهِ؛ أي عامل النَّاس بما تحت أن يعاملوكَ به فتجتمع القلوب ويتفق السرُّ والعلانية، فتأمن الكيد والشر، وذلك جِماعُ الخير ومِلاكُ الأمر -إن شاء الله تعالى- وأثقل مَا وُضِعَ في الميزان: خلقٌ حسنٌ (١).
وصحَّ أنَّ نبينا محمدًا - ﷺ - قال: "إنَّ خِيَارَكُمْ أحاسِنُكُمْ أَخْلاقًا" (٢)، وجاء: "إنَّ العَبْدَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِم بالنَّهار القَائِمِ باللَّيلِ " الحديث (٣).
_________________
(١) لقوله - ﷺ -: "أثْقلُ شيءٍ في مِيزَانِ المُؤْمنِ يومَ القِيامَةِ حُسْنُ الخُلُقِ". رواه أحمد (٤٥/ ٥١٠ رقم ٢٧٥١٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٥٩ رقم ٤٦٤)، و"التاريخ" (٢/ ٢٦٦)، وأبو داود (٥/ ٩٧ رقم ٤٧٩٩)، الترمذي (٣/ ٥٣٥: ٥٣٦ رقم ٢٠٠٣، ٢٠٠٢)، وعبد الرزاق (١١/ ١٤٦ رقم ٢٠١٥٧)، والطيالسي (٢/ ٣٢٣ رقم ١٠٧١)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٥٢٤ رقم ٨٠١، ٨٠٢)، وابن حبان (٢/ ٢٣٠ رقم ٤٨١) وجمعٌ من الأئمة عن أبي الدرداء - ﵁ -. وهو حديثٌ صحيحٌ: صححه التِّرمذيُّ، وابن حبان، والألباني في "الصحيحة" (٢/ ٥٦٢ رقم ٨٧٦).
(٢) رواه مسلمٌ (٤/ ١٨١٠ رقم ٢٣٢١) من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -.
(٣) رواه أحمد (٤٠/ ٤١٤ رقم ٢٤٣٥٥، ٢٥٠١٣، ٢٥٥٣٧)، أبو داود (٥/ ٩٧ رقم ٤٧٩٨)، والحاكم (١/ ٦٠)، وابن حبان (٢/ ٢٢٨ رقم ٤٨٠)، وتمام في "فوائده" (٣/ ٢٩٤ رقم ١٠٧١)، والبيهقيّ في "الشعب" (١٠/ ٣٦٣ رقم ٧٦٣١، ٧٦٣٢، ٧٦٣٣) عن أمّ المؤمنين عائشة - ﵂ -. والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، والألباني كما في "صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٢٤٧ رقم ١٦١٩)، و"الصحيحة" (٢/ ٤١ رقم ٥٢٢، ٧٩٥).
[ ٢٤٢ ]
وهو مِن سِيما النَّبيين والمُرْسَلين وخصوص المؤمنين، ويكفي في ذلك مَدْحُ الباري -﷾- نبيَّه محمدًا رسول الله - ﷺ - (١): ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. قال الجوهري: "الخُلُق: السَّجِيَّة.
يقالُ: "خَالِصِ (٢) المُؤْمِن، وخَالِقِ الفَاجِرَ". وفلانٌ يَتَخَلَّقُ بِغَيْرِ خُلُقِهِ، أَي: يَتَكَلَّفهُ.
قال الشَّاعر:
إنَّ التَّخَلُّقَ يأتي دُونَهُ الخُلُق" (٣)
والخُلُق وإنْ كان سجيَّةً في الأصل فيتخلَّق، وإن كان بغير خلقه حتَّى يتَّصف بالأخلاق الجميلة الرَّضيَّة الزَّكِيَّة.
قال بعضُ الحُكَماء: "عليكَ بالخُلُقِ مع الخَلْقِ، وبالصِّدق مع الحَقِّ".
وحسن الخلق خير كُلُّه، والعبد لا يؤمر بما طُبِعَ عليه؛ فإنَّهُ تحصيلُ حاصل، فكذا أَمَرَ الشَّارع -صلوات الله وسلامه عليه- بِتَحْصيلِهِ وبِكَسبه.
خاتِمة: قد يُستَدَلُّ به على اكتساب الولاية وإلَّا لم يصح الأمر بها، والجمهور على أنها مَوْهِبةٌ كالنبوَّةِ؛ نعم التحقيق أنها مُتَرَتِّبةٌ على زَكاةِ النَّفس وصلاح العمل، كالرزق فَضلُ الله، وهو مُرَتَّب على الأسباب والأكساب التي جرت بها العادة في حصول الرزق، وكما قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
_________________
(١) بعدها: "صلوات الله وسلامه عليه" وهو تكرار للصلاة.
(٢) في الأصل: "خالق" والتصويب من "الصحاح" و"اللسان".
(٣) "الصحاح" للجوهري (٤/ ١٤٧١). وصدرُ البيت: "يا أيها المتَحلِّي غيرَ شِيمَتِهِ .. " وهو لسالم بن وابِصَة كما في "لسان العرب" (١٠/ ٨٧).
[ ٢٤٣ ]
[السجدة:٢٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] عَلَّلَ ما مَنَّ بهِ عليهم من مسارعتهم إلى الخيرات وما بعده (١).
يُريدُ المَرْءُ أنْ يُعْطَى مُناهُ ويَأْبى اللهُ إلَّا ما أرادَا
يقُولُ المرء فائِدَتي ومَالي وتقوى اللهِ أفضلُ ما اسْتَفادَا (٢)
أُخرى: صحَّ أنه -﵊- قال: "إنَّ خِيَارَكُمْ أحاسِنُكُمْ أخلاقًا" كما سلف.
وقال -أيضًا- صلوات الله وسلامه عليه: "اللَّهم كمَا حَسَّنتَ خَلقي
_________________
(١) الولي كُلُّ مؤمن تقي، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس]، والعبد قادرٌ على تحصيل هذه المنزلة؛ لأنَّ الله أَمَرَ وحثَّ على تحصيلها، ولو لم يَقْدِر العبدُ على تحصيلها لكان أمرًا بما لا قدرةَ للعبد عليه، وهذا عبثٌ يُنَزَّهُ المولى الجليل عنه، وفي "البُخاريّ" [٨/ ١٠٥ رقم ٦٥٠٢]: "مَنْ عَادَى لي وَليًّا فقد آذنتُهُ بالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلى عَبدِي بشيءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افتَرَضْتُهُ عليه" الحديث، فكل من عَمِل بما في هذا الحديث فقد وَصَلَ إلى درجةِ الولاية، ومن خير أولياء الله الرسل والأنبياء، ومَن تَبِعَهُم كأصحاب النَّبيِّ - ﷺ -، وعلماء هذه الأمة المبارَكين المتَّبعين للسُّنة، والزُّهَّاد والعُبَّاد، بل حتَّى يوجد في التُجار والزُّراع مَن هم أولياءُ لله، لكن لا يوجد في أهل البدع الظاهرة أولياءُ لله. وليست الولاية كالنبوَّة فإنَّ النبوة فَضلٌ مِن الله يختَصُّ به مَن يشاء من عباده، قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف] ومعلومٌ أنه لم يدَّع أن النبوة مكتسبةٌ إلَّا الزنادِقة. انظر: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٦، ٩٠، ١١٣، ١٢١، ١٢٨، ١٩٠)، و"قطر الولي" للشوكاني (٢٣٧، ٢٧٨، ٣٦٩).
(٢) البيتان لأبي الدرداء - ﵁ -، كما في "حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ٢٢٥).
[ ٢٤٤ ]
فَحَسِّن خُلُقي" (١).
وقال - ﷺ -: "أَكْمَلُ المُؤْمنِينَ إِيمَانًا أحْسَنُهم خُلُقًا" (٢)، و"إنَّ العَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القائِم" (٣).
وللشافعي -﵀- قَوْلان: أَنَّ الخُلُقَ حَسَنُهُ وقبيحُهُ جِبلَّةٌ في العبدِ كَلَوْنِهِ أَمْ لَا؟ فعن ابن مسعود - ﵁ - أنه جِبِلَّة، وقد "فَرَغَ رَبُّكَ من أربع: الخَلْقُ، والخُلُق، والرِّزْقُ، والأَجَلُ" (٤).
وقال الحسن -﵀-: "مَن أُعْطِيَ حُسنَ صورةٍ، وخُلقًا حسنًا، وزوجةً صالِحَةً، فقد أعطِيَ خير الدُّنيا والآخرة".
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢٤٦ رقم ٣٦٧)، وأحمد (٦/ ٣٧٣ رقم ٣٨٢٣)، والطيالسي (١/ ٢٩١ رقم ٣٧٢)، وأبو يعلى (٩/ ٩ رقم ٥٠٧٥، ٥١٨١)، وابن حبان (٣/ ٢٣٩ رقم ٩٥٩)، والقضاعي في "مسند الشِّهاب" (٢/ ٣٣٤ رقم ١٤٧٢، ١٤٧٣)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (١/ ١٦ رقم ٧)، والبيهقيّ في "الشعب" (١١/ ٦١ رقم ٨١٨٣) عن ابن مسعود - ﵁ -، وهو حديثٌ صحيحٌ. قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٧٣): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجالُ الصَّحيح غير عوسجة بن الرماح، وهو ثِقةٌ". وصححه الألباني في "الإرواء" (١/ ١١٣ - ١١٦ رقم ٧٤).
(٢) رواه أحمد (١٢/ ٣٦٤ رقم ٧٤٠٢)، والترمذي (٢/ ٤٥٤ رقم ١١٦٢)، وأبو داود (٥/ ٤٢ رقم ٤٦٨٢)، وأبو يعلى (١٠/ ٣٣٣ رقم ٥٩٢٦)، وابن حبان (٢/ ٢٢٧ رقم ٤٧٩، ٤١٧٦)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (١/ ٢٧ رقم ١٤)، والحاكم (١/ ٣) عن حديث أبي هريرةَ - ﵁ -. والحديث قال عنه التِّرمذيُّ: "حسن صحيح". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، والألباني كما في "السنن"، و"صحيح الترغيب" (٢/ ٤٠٩ رقم ١٩٢٣)، (٣/ ١٣ رقم ٢٦٦٠).
(٣) تقدم تخريجه ص (٢٤٢).
(٤) رواه ابن بطة في "الإبانة" (٢/ ١٥٠ رقم ١٥٩٤، ١٥٩٩ القدر)، والطبراني في "الكبير" (٩/ ١٩٣ رقم ٨٩٥٢، ٨٩٥٣)، والدارقطني في "سننه" (٥/ ٣٢٣ رقم ٤٣٩٠، ٤٤٤٨)، والبيهقيّ في "السنن الكبرى" (٦/ ١٦٢).
[ ٢٤٥ ]
وعن ابن مسعود - ﵁ - رَفَعَهُ-: "إنَّ اللهَ قَسَمَ بينكُم أَخْلاقَكُم كَمَا قَسَمَ بينكم أرزاقكم" (١).
وإثابةُ الربِّ -جل حلاله- لِعَبْدِهِ كاستعمال ذلك فيما أمر فيه، كالشَّجَاعة.
وقال آخرون: إنَّهُ كَسْبيٌّ، وهو ظاهر الحديث، إذ لو كانَ جِبِليًّا لَمَا أَمَرَهُ به.
وقال عمر - ﵁ - لقبيصة بن جبر - ﵁ -: "أراكَ شابًّا فصيحَ اللِّسان، فَسِيحَ الصَّدر.
وقد يكونُ في الرَّجُل عشرةُ أَخلاقٍ: تسعةٌ صالحةٌ وخُلُق سَيِّئٌ، فَيُفسِدُ التِّسعةَ الصالحةَ الخُلُق السَّيِّئُ، فاتَّقِ عثَرَاتِ اللِّسان" (٢).
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ١٨٩ رقم ٣٦٧٢)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦٦)، والحاكم (١/ ٣٤، ٣٣)، (٢/ ٤٤٧)، والبيهقيّ في "القضاء والقدر" (٢٦٤ رقم ٣٧٦)، والبغوي في "شرح السنة" (٨/ ١٠ رقم ٢٠٣٠) مرفوعًا، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وصحح إسناده البيهقي في "القدر". ورواه -موقوفًا- المروزي في زوائد "الزهد" لابن المبارك (٣٣٩ رقم ١١٣٤)، والبخاريُّ في "الأدب المفرد" (١٠١ رقم ٢٧)، وأبو داود في "الزهد" (١٦٤ رقم ١٣٧)، والطبراني في "الكبير" (٩/ ٢٠٣ رقم ٨٩٩٠)، والبيهقيّ في "الشعب" (٢/ ١١٩ رقم ٥٩٩)، و"القدر" (٢٦٥ رقم ٣٦٨). قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٩٠): "رجاله رجال الصحيح". وصححه الألباني في "الصحيحة" (٦/ ٤٨٢ رقم ٢٧١٤)، و"صحيح الترغيب" (٢/ ٢٤٢ رقم ١٥٧١) وقال: "له حكم الرفع". فائدة: ذهب الإمام الدارقطني إلى أن الصحيح وقْفه على ابن مسعود - ﵁ -. انظر: "العلل" (٥/ ٢٧١).
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٤/ ٤٠٦ رقم ٨٢٣٩)، والبيهقيّ في "الكبرى" (٥/ ١٨١)، وذكره ابن الجوزي في "مناقب عمر" (٢٠٥)، وابن المبرد الحنبلي في "محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" (٢/ ٧٢٨).
[ ٢٤٦ ]
وقال صعصعة بن صوحان لابن أخيه زيد - ﵄ -: "خَالِص (١) المؤمن، وخَالِقِ الفَاجِر، فإنَّ الفَاجِرَ يَرْضَى مِنْكَ بالخُلُق الحَسَن" (٢).
* * *
_________________
(١) في الأصل: "جالس" والتصويب من "المسند".
(٢) رواه إسحاق بن راهويه في "المسند" (٣/ ١٠١٧)، وابن أبي الدُّنيا في "الحلم" (٦٩ رقم ١٠٧).
[ ٢٤٧ ]