عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ (١).
[وقالَ ابنُ الصَّلاح: "رواه الترمذي وابن ماجه"، وتَبِعَهُ المُصَنِّف، وكذا قاله النووي في "الأذكار" (٢).] (٣).
* * *
والكلام عليه وُجُوهٍ:
أحَدُها: في التَّعْريف بِرَاوِيه، وقد سَلَف، والترمذي.
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ١٤٨ رقم ٢٣١٧)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٥ رقم ٣٩٧٦)، وابن حبان (١/ ٤٦٦ رقم ٢٢٩)، والطبراني في "الأوسط" (١/ ١١٥ رقم ٣٥٩)، وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٤١١ رقم ٣٢٣ الإيمان)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/ ١٤٤ رقم ١٩٢)، وأبو الشيخ في "الأمثال" (٣٤ رقم ٥٤)، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٥٤ رقم ٤٦٣٣)، و"الآداب" (٤٣٧ - ٤٣٨ رقم ١١٧٣)، و"المدخل" (١/ ٢٦٠ رقم ٢٩١)، و"الأربعين الصغرى" (٥٣ رقم ١٩)، والبغوي في "شرح السنة" (١٤/ ٣٢٠ رقم ٤١٣٢)، وابن البناء في "الرسالة المغنية في السُّكوت" (٥٩ رقم ١٧) من عدّة طرق عن الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزُّهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح لشواهده الكثيرة. وقد صححه الألباني في "صحيح الترمذي" (١٨٨٦)، و"ابن ماجه" (٣٢١١).
(٢) "الأذكار" (٦٤٥).
(٣) ما بين المعقوفتين كان في الأصل بعد قوله: "والكلام عليه مِن وجوه" وكأنها مُقْحَمة، فرأيتُ أن من المناسب وضعها هنا، مع أنها ليس لها كبيرُ فائدةٍ! وبالله التوفيق.
[ ١٩٤ ]
ورواه مالكٌ في "الموطأ" (١) عن الزُّهري مُرْسَلًا، وذَكَرَ ابنُ عبد البَر أن للزهري فيه إسنادين: مُرْسَلٌ -كما رواه مالكٌ-، ومُتَّصِلٌ عنه عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُريرةَ، ثم طرَّقَهُ وصحَّحَهُ (٢).
ثانِيها: هذا الحديثُ أصْلٌ مِنْ أُصُولِ الإسلام. قال أبو داود: "أصولُ السُّنن في كلِّ فنٍّ أربعة"- فَذَكَرَ الحديث الأول من هذه الأحاديث، والسادس، وهذا الحديث، والحادي بعد الثلاثين (٣).
قال أبو عُمَر: "وهذا مِنَ الكلامِ الجامِعِ للمعاني الكثيرَةِ الجليلَةِ، في الألفاظِ القليلةِ، وهو ما لم يَقُلْهُ أحدٌ قَبْلَهُ، إلَّا أنهُ قد رُوِيَ عنه -﵊- أنه قال في صُحُفِ إبراهيم - ﵇ -: "مَن عَدَّ كلامَهُ مِن عمَلِهِ قلَّ كلامُهُ إلَّا فيما يَعْنِيهِ" (٤) وهذا خاص بالكلام، وأَمَّا الحديث فإنه أعم منه.
وروى أبو إدريس الخولاني -﵀-[عن أبي ذَرٍّ قال] (٥): قلتُ: يا رسول الله! ما كانت صحف إبراهيم - ﵇ -؟ قال: "كانت أَمْثَالًا كلها " فَذَكَرَ الحدِيثَ. قال: وكان فيها: "وعلى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بزَمَانِهِ، مُقْبِلًا على
_________________
(١) (٢/ ٤٨٧ رقم ٢٦٢٨).
(٢) التمهيد (٩/ ٩٥ - ١٩٩).
(٣) رواه ابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ٢٠١)، والخطيب في "التاريخ" (٩/ ٥٧)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وذكره ابن الصَّلاح في "صيانة مسلم" (٢٢١ - ٢٢٢)، والنووي في " رؤوس المسائل" (٩٣)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١١/ ٣٦٤)، والذهبي في "السير" (١٣/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابن رجب في "جامع العلوم والحِكَم" (١/ ٦٢ - ٦٣)، والسخاوي في "بذل المجهود" (١٠٢ - ١٠٣)، والسيوطي في "منتهى الآمال" (٥٥ - ٥٧). وفي بعض المصادر أُبدل حديث مكان حديث آخر لاختلاف الرواة عنه فيه، وهما: ابن دَاسَة، وأبو سعيد الأعرابي راوِيَا "السُّنن".
(٤) هو قطعة من حديث أبي ذر - ﵁ - وسيأتي تخريجه في الذي بعده.
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وأثبتناه من "التمهيد"، والسياق يقتضيه.
[ ١٩٥ ]
شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، ومَنْ حَسَبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ؛ قَلَّ كَلامُهُ إلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ" (١).
وقال أبو بكر بن أبي داود: ثنا محمود بن خالد، ثنا: عُمَرُ (٢) بن عبد الواحد، ثنا: سعيد بن عبد العزيز قال: "وقفَ رجُلٌ على لقمان الحكيم - ﵇ -! وهو في حلقةٍ عظيمةٍ فقال: ألسْتَ عبدَ بَنِي الحسحاس؟ فقال: "بلى". قال: فأيُّ شيء بلغتَ مَا أَرَى؟ قال: "قَدَرُ الله، وصِدْقُ الحديثِ، وتَرْكِي مَا لَا يَعْنِيني" (٣).
وذَكَر مالكٌ في "موطئهِ" أنه قيل للقمان: ما بلغَ بكَ ما نَرَى؟ -يريدون الفضل-، قال: "صِدْقُ الحَدِيثِ، وأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي" (٤).
وروى أبو عبيد عن الحسن -﵀- قال: "مَن عَلامَةِ إِعْرَاضِ اللهِ عن العبدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغلَهُ فيما لا يَعْنِيهِ" (٥).
وقال سابِقٌ:
_________________
(١) رواه ابن حبان (٢/ ٧٦ - ٧٩ رقم ٣٦١)، والمعافى بن زكريا في "الجليس الصالح" (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٨)، وأبو نُعَيم في "الحلية" (١/ ١٦٦ - ١٦٨)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ١٩٩) في حديث مُطوَّل، وهو حديث ضعيف جدًّا؛ في إسناده إبراهيم بن هشام الغسَّاني، كَذَّبه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيين، وقال الذهبي: "متروك". انظر: "الجرح والتعديل" (٢/ ١٤٢، ١٤٣)، و"ميزان الاعتدال" (١/ ٧٣)، (٤/ ٣٧٨).
(٢) في الأصل: "عمرو" والتصويب من "التمهيد" وكتب التراجم. انظر: "التقريب" (٧٢٤ رقم ٤٩٧٧) وأصوله.
(٣) رواه ابن وهب في "الجامع" (١/ ٤٤٠ رقم ٣٢٥)، وابن أبي الدنيا في "آداب الصمت" (٢٦٥ رقم ١١٦)، والطبري في تفسيره (٢١/ ٤٤)، وابن أبي زيد في "الجامع" من طريق مالك (٢٠١ - ٢٠٢)، ورواه ابن عبد البر بالإسناد الموجود أعلاه (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٤) "الموطأ" (٢/ ٥٨٨ رقم ٢٨٣٠)، ورواه عن مالك: أبو مصعب الزهري في روايته "للموطأ" (٢/ ١٦٩ رقم ٢٠٨٧)، ورواه ابن وهب في "الجامع" (١/ ٤١١ رقم ٢٩٨، ٢٩٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٢٨)، والسِّلفي في "فوائد حسان" (١١٥ رقم ١٧).
(٥) ذكره ابن عبد البر (٩/ ٢٠٠)، وابن البناء في "الرسالة المغنية" (٦٢ رقم ٢٢)، وابن رجب في "الجامع" (١/ ٢٩٤).
[ ١٩٦ ]
النَّفس إِنْ طَلَبَتْ مَا لَا يَعْنِيهَا جَهْلَّا وَسُخْفًا (١) تَقَعْ فيما يُعَنِّيها
وقال الحسن بن حميد:
إذا عَقَلَ الفَتَى اسْتَحْيَا واتَّقَى وقَلَّتْ مِنْ مَقَالَتِهِ الفُضُولُ" (٢)
وفي الحديث: "ألا أُنَبِّئُكُمْ بأَمْرَيْنِ خَفِيفٌ مُؤْنَتُهمَا، عَظِيمٌ أَمْرُهُمَا، لَمْ يُلْقَ الله بِمِثْلِهِمَا: الصَّمْتُ (٣)، وَحُسْنُ الخُلُقِ" (٤).
ثالِثُها: يُقالُ: عَنَاهُ الأمرُ يَعْنِيه؛ إذا تعلَّقت عِنَايَتُهُ به، وكان من غرضه وإرادته (٥)، والذي يعني الإنسان من الأمور: ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنِّسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصرَ الإنسانُ على مَا يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ سَلِمَ مِنْ شَرٍّ عظيم، والسَّلامةُ خَيرٌ كثيرٌ، فالسَّلامَةُ مِن الشَّرِّ مِن حُسْنِ الإسلامِ.
ومِن كلامِ بعضِ السَّلَفِ: "مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلامَهُ مِن عَمَلِهِ [قلَّ كلامُهُ إلَّا فيما يَعْنِيه" (٦).
_________________
(١) في الأصل: "وخسًا" والتصويب من "التمهيد".
(٢) انتهى النقل من "التمهيد" (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٣) تحرفت في الأصل إلى: "الصِّحة"! والصواب ما أثبتناه؟! أولًا: لأنه المقصود والشاهد مِن إيراد الحديث، وثانيًا: أنَّ هذا لَفْظه في مصادر التخريج.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٢٩ رقم ٥٥٨)، والبزار في "المسند" (١٣/ ٣٥٩ رقم ٧٠٠١)، وأبو يعلى في "المسند" (٦/ ٥٣ رقم ٣٢٩٨)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢١٨)، والطبراني في "الأوسط" (٧/ ١٤٠ رقم ٧١٠٣)، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٢٠ رقم ٤٥٩١) عن أنس - ﵁ -. وفي إسناده بشار بن الحكم، منكر الحديث. انظر: "المجروحين" لابن حبان (١/ ٢١٧)، و"الكامل" لابن عدي (٢/ ٢٣).
(٥) كتب على هامش الأصل: "مما يشبع ويُرَوِّيه، ويستُرُهُ ويعفّه على جهة الدفع لا .. ".
(٦) جاء عن عمر بن عبد العزيز - ﵁ - رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٢٩ رقم ٣٨٣)، وأحمد في "الزهد" (٢٩٦)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٢٠٨ رقم ٣٥).
[ ١٩٧ ]
ومِن كلامِ بعضهم: مَن سَأَل عَمَّا لا يَعْنِيهِ] (١) سَمِعَ مَا يُعَنِّيهِ.
* تنبيهات:
عبَّر بالإسلام ولم يقل: مِن إحسان إيمان المرء؛ لأنه عملٌ ظاهِرٌ اختياري بخلافه.
وأتى بِـ "مِنْ" الدَّالة على التَّبعيض، لأن تركَ مَا لَا يَعْنِي ليسَ هو كُلَّ الإسلام، فإذا فَعَلَ مَا يعنِيهِ، وتَرَكَ مَا لا يعنيه فقد كَمُلَ حُسْنُ إِسلامِهِ.
وأتى بالحُسْنِ؛ لأنَّهُ وصْفُهُ ليس ذاته، ولا شكَّ أنَّ الإقبالَ على ما يَعْنِيهِ وتَرْك ما لَا يعنيه مطلوبٌ دونَ عكسها (٢).
و"يَعْنِيه": بفتحِ أوَّلِهِ، ضَبَطَهُ النَّوَوي في "نُكَتِهِ" (٣).
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل! والظاهر أنه لانتقال نظر الناسخ، واستدركتُهُ مِن "التَّعيين" (١٢١)؛ لأنَّ العبارة لا تتمُّ إلا به، ولأن المسألة الثالثة برمتها نقلها منه!
(٢) التنيهات مختصرة من "التعيين" (١٢١ - ١٢٢).
(٣) في آخر "الأربعين" (٩٤).
[ ١٩٨ ]