عن أبي ثعلبة جرثوم بن ناشر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ فَرائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا؛ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشيَاءَ؛ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِن غَيْرِ نِسْيَان، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْها".
حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الدَّارقُطْني وغيره (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه:
وقد اختُلِفَ في اسمه واسم أَبيه اختلافًا كثيرًا نحو أربعين قولًا؛ منها ما ذَكَرَهُ المُصَنِّف، وهو: بضَمِّ الجيم ثم راءٌ مهمَلَةٌ ثم تاءٌ مثلَّثة، وقد أوضحتُها في الكنى من كتابي "رجال الكتب الستة" فراجِعهَا منهُ؛ فإنها تُسَاوي رحلةً، له
_________________
(١) رواه الدارقطني في "سننه" (٥/ ٣٢٥ رقم ٤٣٩٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٣١ رقم ٥٨٩)، و"مسند الشاميين" (٤/ ٣٣٨ رقم ٣٤٩٢)، وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٤٠٧ رقم ٣١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١١٥)، وابن عبد البر في "الجامع" (٢/ ١٠٤٥ رقم ٢٠١٢)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٦ رقم ٦٣٠)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ١٢)، وأبو الفتوح الطائي في "الأربعين" (١٠٨). وقد أُعلَّ الحديث بالانقطاع -فإن مكحولًا لم يسمع من أبي ثعلبة على ما قيل-، والاختلاف في رفعه ووقفه. انظر: "جامع العلوم والحكم" (٢/ ١٥٠).
[ ٣٥٧ ]
صحبةٌ وروايةٌ، بايع تحتَ الشَّجرةِ، وضُرِبَ له سهمهُ في حُنَيْن، ماتَ سنةَ خمس وسبعين بالشَّام، وهو من الأفراد (١).
و"الخُشَني" -بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة أيضًا ثم نون- نسبة إلى خُشَيْنَةَ- قبيلة معروفة (٢).
و"الدارقطني": نسبة إلى دار القطن، محلَّة ببغداد كما سلف في شرح الخُطبة، وقد ذكرتُ ترجمته في "طبقات المحدِّثين".
ثانيها: حَكَمَ على إسناده أيضًا بالصِّحةِ: ابنُ الصَّلاحِ في الأحاديث التي جَمَعَها، فبلغتْ ستةً وعشرين -وهو كما قالَا- لكن لَمَّا ذَكَرَهُ الذَّهبي في "مختصر الفاروق" من طريق مكحول عن ثعلبة أعقَبَهُ بأنْ قال: "مكحول لم يُدْرِك أبا ثعلبة" (٣).
قلتُ: هذا مختلفٌ فيه؛ قال يحيى بن معين: "إنه سَمِعَ مِنهُ". وأنكرَ أبو مِسْهَر سماعه منه، وقال أبو حاتم: "دخل عليه ولم يسمع منه". وقال أبو زُرْعَةَ: "لم يسمع منه".
قلتُ: وهو معاصِرٌ له بالسِّنِّ والبلد؛ فيحتمل أن يكون لَقِيَهُ، وأن يكون أرسل عنه بعادته وهو تدليس أيضًا.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "الاستيعاب" (٤/ ٢٩)، و"السير" (٢/ ٥٦٧).
(٢) وخشينة: بطنٌ من قضاعة. انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم (٤٥٥، ٤٧٩، ٤٨٦).
(٣) انظر: "تاريخ الإسلام" للذهبي (٢/ ٧٣٣). و"مختصر الفاروق" هو مختصر للذهبي لكتاب "الفاروق في الصفات" لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي (ت: ٤٨١ هـ) وهو في حكم المفقود. انظر: "الذهبي ومنهجه في كتاب تاريخ الإسلام" للدكتور بشار عواد معروف (٢٢٨).
[ ٣٥٨ ]
قال الذهبي: "ثم روى من حديث عائشة -رَفَعَتْهُ-: "إِنَ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها " الحديث، ثم قال: "وفيه: صالح المري، وهو ضعيف" قال: "ويروى مثله، عن الحكم الإيلي، عن القاسم بن عمر، عن أبيه رفعه".
وقال أبو نعيم: حدثنا عاصم بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء -رفع الحديث- قال: "مَا أَحَلَّ اللهُ في كِتابهِ فَهوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ [فهو] عَافِيةٌ؛ فاقْبَلُوا مِنْهُ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا" (١) وهذا منقطِعٌ.
وروى سليمان التيمي [عن أبي عثمان النهدي] (٢) عن سلمان أنَّهُ سُئِلَ عن السَّمن والجبن والفِرَاء، فقال: "الحلالُ ما أَحَلَّ اللهُ في كتابهِ، والحرامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابهِ، وَمَا سَكَتَ عنهُ فهوَ مِمَّا عَفَا الله" (٣).
رواه الثوري -﵀- والحُفَّاظ عن سلمان موقوفًا.
قلتُ: وهو حديثٌ جامِعٌ بلِيغٌ مُوجَزٌ، تَضَمَّنَ قواعد الشريعة حُكْمًا وأدبًا؛ لأنَّ الحُكمَ الشَّرعي في الأمر: إِمَّا مسكوتٌ عنه أو مُتَكَلَّمٌ به، وهوَ أمرٌ أو نَهْيٌ؛ فالأمرُ ألَّا يُضَيَّع كالإيمان والإسلام وما وجب من خصائلهما، والمُحَرَّم حقه أن لا يُقَارَب؛ كالكفر والزِّنا والسَّرقة والقذف والسِّحر وشهادة الزور وأكل الربا ومال اليتيم.
_________________
(١) رواه الدارقطني (٣/ ٥٩ رقم ٢٠٦٦)، والبزار (١٠/ ٢٦ رقم ٤٠٨٧)، والحاكم (٢/ ٣٧٥)، والبيهقي (١٠/ ١٢). وما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من "الأصل" وهو مثبت من كتب التخريج.
(٣) رواه الترمذي (٣/ ٣٤٠ رقم ١٧٢٦)، وابن ماجه (٢/ ١١١٧ رقم ٣٣٦٧)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ٢٥٠ رقم ٦١٢٤، ٦١٥٩)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٢١٢)، والحاكم (٤/ ١١٥)، والبيهقي (١٠/ ١٢). في إسناده سيف بن هارون البُرْجُمي، وهو ضعيف. انظر: "التقريب" (٤٢٨ رقم ٢٧٤٢).
[ ٣٥٩ ]
و"فرض" و"افترض" بمعنى، والاسم: الفريضة، والجمع: فرائض؛ أي: أوجبَ وحَتَمَ وأَلزَمَ، والفرض ضد النفل، والفريضةُ أيضًا ما فرض في السَّائمة من الصَّدقة، يقال: أفرضت الماشية؛ أي: بَلَغَت نِصَابًا يجِبُ فيه الفريضة، والفريضتان: الجَذَعَةُ من الغنم، والحِقَّةُ من الإبل، والفريضة في المواريث معروفة.
ومعنى "فلا تُضَيِّعُوها": لا تَتْركوها ولا تتهاونوا فيها، وقُومُوا بها كما فُرِضَ كليكم.
و"الحُدُودُ": جمعُ حَدٍّ، وهو الحَاجِزُ بين الشَّيئين، وحَدُّ الشيء: مُنْتَهَاهُ، تقول: حدَدْتُ الدَّارَ أَحُدُّها حدًّا، والتحديد مثله.
ومعنى "فلا تعتدوها": لا تجاوزوها، وقِفُوا عندها، وأقيموها، ولا تُهْمِلُوهَا، ولا تُحَابوا فيها؛ فإِنَّهُ وَرَدَ: "حَدٌّ يُقَامُ في الأرضِ خَيْرٌ مِن أَنْ تُمْطِرَ السَّماءُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا" (١).
والمراد بالحدود هنا: الزَّوَاجر دون الوقوف عند النواهي، والأوامر بألَّا يتكرَّر مع ما قبلها بحدوده مقدرة يجب الوقوف عند تقدير الشَّرع لها، وكذا المحرمات لها حدود محدودة؛ فإن حملت على الزواجر فمعنى "لا تعتدوها": لا تَزِيدُوا عليها على مَا أَمَرَ بهِ الشَّارعُ، وزيادةُ الفاروق الحَدَّ إلى ثمانين مِن باب التنكيل والزجر.
_________________
(١) رواه أحمد (١٤/ ٣٥١ رقم ٨٧٣٨، ٩٢٢٦)، والنسائي (٨/ ٧٥ - ٧٦ رقم ٤٩٠٤)، وفي "الكبرى" (٧/ ١٨ رقم ٧٣٥٠)، وابن ماجه (٢/ ٨٤٨ رقم ٢٥٣٨)، وابن حبان (١٠/ ٢٤٤ رقم ٤٣٩٨)، وأبو يعلى (١٠/ ٤٩٦ رقم ٦١١١)، وابن الجارود في "المنتقى" (٣/ ١٠٤ رقم ٨٠١) عن أبي هريرة - ﵁ -. وإسناده ضعيف؛ فيه جرير بن يزيد، ضعيف. انظر: "التقريب" (١٩٦ رقم ٩٢٥).
[ ٣٦٠ ]
وحديث عليٍّ - ﵁ -: "لا يموت أَحَدٌ في حَدٍّ وفي نَفْسِي مِنهُ شَيءٌ إلَّا شارب الخمر؛ فإنَّهُ لو ماتَ ودَيْتُهُ، وذلك أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمْ يَسُنَّهُ" (١).
المراد أنه لم يَسُنَّهُ بنَصِّ قوله وفعله، وإن حُمِلت على الوقوف عند النواهي، فمعنى "لا تعتدوها": لا تجاوزوا ما حَدَّ لكم الشَّرعُ بمخالفةِ الأمور، وارتكاب المحظور.
ثالثها: معنى "فرض": أَوْجَبَ وَأَلْزَمَ؛ كما سلف، وإضاعةُ الفرائض إِمَّا تركها كما سلف أيضًا، أو تأخيرها عن وقتها، وهو أخف، وإلَّا عند المجاوزة كما قررناه.
و"الانتهاك": الارتكاب والاقتحام.
و"سَكَتَ عن أَشياءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِن غَيْرِ نِسْيَان؛ فَلَا تَبْحَثُوا عنها" فإن الرَّبَّ تعالى لم يَنْسها: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
وقال -﵊-: "إِنَّ أَعْظَمَ المسلمينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ؛ فَحُرِّمَ مِن أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
وقد نَهَى الشَّارِعُ عن كَثْرةِ السُّؤالِ إلَّا فيما لابُدَّ منهِ، وروى أبو هريرة -رفعه-: "اترُكُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، وإِذَا حَدَّثتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي؛ فَإِنَّما أُهْلِكَ الَّذِينَ مِنْ
_________________
(١) رواه البخاري (٨/ ١٥٨ رقم ٦٧٧٨)، ومسلم (٣/ ١٣٣٢ رقم ١٧٠٧/ ٣٩). وقوله "وديته": غرمت ديته. انظر في شرحه "التوضيح" للمؤلف (٣١/ ٣٢ - ٣٣).
(٢) رواه البخاري (٩/ ٩٥ رقم ٧٢٨٩)، ومسلم (٤/ ١٨٣١ رقم ٢٣٥٨) عن سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ -.
[ ٣٦١ ]
قَبْلِكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ، واختِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِم" (١).
وإن الله سبحانه لَمَّا أرسلَ رَسُولَهُ، وأنزلَ عليه كتابَهُ، وأمرَهُ بتبليغهِ إلى الأُمَّةِ قال -﵊-: "إِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بأَشْيَاءَ، فَامْتَثِلُوهَا، وَنَهاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ؛ فَاجْتَنِبُوها، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْها"، وذلك كُلُّهُ على معنَى الرِّفقِ بالخَلْقِ، وَنَفْيِ الحَرَجِ عنهم، وإرادةِ التَّسْهيلِ عليهم، وكانَ يَتْرُكُ العَمَلَ خَوْفًا أنْ يُفْرَضَ عليهم.
وقال: "لو قلتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ" في أشباهِ ذَلِكَ، إلَّا أنْ تَنْزِلَ بالعبدِ نَازِلَةٌ، فحينئذ يتَعَيَّن عليه السؤال عنها فكانت الصحابةُ - ﵃ - قد فَهِمَتْ ذلك، فَكَفَّتْ وسَكَتَتْ، وكان يُعْجِبُهُم أن يأتيَ الأعرابُ يسألونَ رسول الله - ﷺ - فيُجيبُهُم، فَيَسْمَعُونَ وَيَعُون.
وروى "الترمذي" (٢) أنَّ شي ذلك نزلت الآية السَّالِفَةُ، وكان بنو إسرائيل يَسْأَلونَ فَيُجَابونَ عَمَّا يَسْأَلُونَ، ويُعطَوْنَ مَا طَلَبُوا حتى كان ذلك لهم فتنةً، وأَدَّى ذلك بهم إلى هلاكِهِم" فاجتَنَبَتِ الصَّحابةُ ما فعلتْهُ بنو إسرائيل حتى بَالَغَ بعضُ العلماءِ فقال: لا يجوزُ السُّؤال في النَّوَازِل للعلماء حتى تَقَعَ. وكان السَّلفُ يقُولون في مِثْلِها: دَعُوهَا حتى تَنْزِل، وإنَّهُ لمكروهٌ، وإن لم يكن حرامًا، إلَّا أنَّ العلماءَ أَصَّلُوا، وَفَرَّعُوا، وَمَهدُوا، وَسَطَّرُوا لَمَّا خَافُوا ذَهابَ العُلماء ودُرُوسَ العِلمِ.
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ١٨٣٠ رقم ١٣٣٧). ورواه بهذا اللفظ الترمذي (٤/ ٤١١ رقم ٢٦٧٩) وغيره.
(٢) انظر: "سنن الترمذي" (٥/ ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٣٠٥٥، ٣٠٥٦).
[ ٣٦٢ ]
خاتمة: قد يتمَسَّكُ به الظَّاهِرِيُّ لمذهبهِ اتِّباعُ الظَّاهر، وما لا حكم فيه ردوه إلى حكم ما قبل ورود الشرع، وفيها مذاهب معروفة، ومذهب أصحابنا وأكثر المتكلِّمين على أنها على الحَظْر، وهو ظاهر الحديث "لأنَّه نهى عن البحث عما سُكِتَ عنه، والقول بالقياس وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق إلحاق؛ فما سكت عنه فيكون على خلاف قياس الشَّرع، فيكون مردودًا، عملًا بقوله -﵊-: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليهِ أَمْرُنَا فَهوَ رَدٌّ". وهذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس ظاهرة؛ فلا يعارضها الظني (١).
_________________
(١) انظر: "التعيين" للطوفي (٢٣٠).
[ ٣٦٣ ]